ماذا بعد سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب؟ فاز الغنوشي دون أن ينتصر


2020-08-14    |   

ماذا بعد سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب؟ فاز الغنوشي دون أن ينتصر
الصورة منقولة عن صفحة مجلس نواب الشعب على فيسبوك

أسدل الستار يوم الخميس 30 جويلية 2020 على جلسة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي بتثبيت هذا الأخير على كرسيه. وقد مثلت الجلسة حدثا برلمانيا مهما بالنظر إلى ما سبقها من مناخ طغى عليه ارتفاع منسوب العنف والإستقطاب وما شهدته قبة المجلس من تجاذبات استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل التصويت وحتى خلاله، إضافة إلى دلالات وانعكاسات نتائج التصويت على مختلف الفاعلين السياسيين، داخل البرلمان وخارجه.

ما قبل يوم التصويت: محاولات لتمديد وتوجيه الجلسة

عرفت الفترة التي سبقت انعقاد جلسة التصويت على سحب الثقة حركية وتجاذبات قانونية وسياسية تعكس أهمية الرهانات المرتبطة بها وتأثير نتائجها على المشهد البرلماني والسياسي.

بالرجوع إلى تطور مجريات الأمور، يبدو جليا محاولة مكتب المجلس المماطلة في تحديد موعد الجلسة العامة. زمنيا، برز ذلك من خلال تأجيل اجتماع مكتب المجلس الذي كان مقررا يوم 22 جويلية 2020 إلى اليوم الذي يليه، ثم تمطيط الحسم في الطلب المقدم على اجتماعين إثنين، ما يعني عدم اعتبار موضوع الطلب المتمثل في سحب الثقة من رأس السلطة التشريعية أولوية تستحق سرعة النظر. إضافة إلى ذلك، أثار مكتب المجلس العديد من المسائل الشكلية المتعلقة باللائحة؛ وجوب إيداع مطلب سحب ثقة وليس لائحة موجهة إلى رئيس المجلس، اعتماد يوم عرض الطلب على مكتب المجلس كتاريخ مرجعي لاحتساب سريان الآجال القانونية (3 أسابيع) لعرضه على الجلسة العامة وليس تاريخ تقديمه الى مكتب الضبط، وخاصة التشكيك في صحّة بعض الإمضاءات، كتوقيع النائب منجي الرحوي، رغم تأكيد المعنيين صحة إمضاءاتهم. تم إثارة كل هذه النقاط والحال أن النظام الداخلي يحدد شروطا واضحة لسحب الثقة من رئيس المجلس. فالفصل 51 ينص على ضرورة تقديم طلب معلل، لا مطلب سحب ثقة، يوجه إلى مكتب المجلس يعرض وجوبا على الجلسة العامة في أجل لا يتجاوز 3 أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط لا من يوم النظر فيه من قبل المكتب.

في الأخير، وبعد أن “تداول [المكتب] بخصوص الإخلالات الشكلية الجوهرية التي تمت إثارتها، دعا رئيس مجلس نواب الشعب إلى التغاضي عنها وقبول عرض اللائحة على الجلسة العامة مؤكدا أنه لن يبقى في رئاسة المجلس غصبا عن إرادة الزملاء النوّاب”، وفقا لما نُشر على الموقع الرسمي للمجلس. بعبارة أخرى، قرر مكتب المجلس غضّ الطرف عن إخلالات قانونية وسمح بتمريرها بناء على طلب رئيس مجلس النواب، هكذا وبكل بساطة. والهدف من وراء هذا المنطق الأعرج هو ظهور رئيس المجلس في ثوب المؤمن بالديمقراطية، خطابا وممارسة، من خلال قبوله طواعية عرض نفسه على الجلسة العامة لتجديد الثقة في شخصه لا سحبها، كما صرح بذلك.

طبعا، لا تمثل هذه التصريحات سوى مجرد شعارات غرضها تحقيق نقاط سياسية لأن اللائحة من الناحية القانونية مستوفية لجميع شروطها الشكلية التي فرضها الفصل 51 من النظام الداخلي. غير أن مكتب المجلس قرر، بتصويت أغلبية أعضاءه المنتمين إلى كتل النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس، ضم توقيعات نواب كتلة الدستوري الحر إلى الإمضاءات الأصلية (نواب الكتلة الديمقراطية، الإصلاح الوطني، تحيا تونس والكتلة الوطنية) وذلك بهدف إحراج أصحاب العريضة الأصلية سياسيا من خلال إبراز قبولهم “التحالف” مع الدستوري الحر، رغما عن إرادتهم.

في نفس الإطار، سبق جلسة سحب الثقة من رئيس البرلمان محاولة التصويت  على قانون إشكالي متعلق بأحكام استثنائية للإنتداب في القطاع العمومي خلال جلسة واحدة قبل يومين من التصويت على  اللائحة. كما كان اختيار ليلة العيد للتصويت على العريضة مؤشرا على تهيئة مكتب المجلس لأرضية ملائمة لدفع النواب المترددين إلى العودة إلى جهاتهم وعدم حضور جلسة سحب الثقة.

على صعيد آخر، لا يمكن التغافل عن التصريحات المتبادلة المتعلقة بمسألة شراء أصوات النواب. فقد أكد مثلا نور الدين البحيري، رئيس كتلة حركة النهضة، عن شراء دولة الإمارات لذمم النواب ماليا لدفعهم للتصويت مع سحب الثقة. فيما صرح محمد عمار، النائب عن الكتلة الديمقراطية، على أن مكافأة من يصوت ضد سحب الثقة هو 200 ألف دينار.  هذه التصريحات التي سلطت الضوء على ملف حساس يتعلق بالتدخل الأجنبي في الشؤون البرلمانية والسياسية الداخلية للبلاد، وأمام عدم تحرك النيابة العمومية من تلقاء نفسها، دفعت النائبة عن الكتلة الديمقراطية منية العياري إلى تقديم إعلام بجريمة لدى المحكمة الابتدائية بتونس وطالبت بفتح بحث عدلي في الغرض.

إن كل هذه المعطيات متضافرة تدفع إلى الإستنتاج بأن الخطة تمثلت في استعمال الأغلبية داخل مكتب المجلس بهدف محاولة تعطيل مرور اللائحة للتصويت في الجلسة العامة في مرحلة أولى، ثم توفير شروط إفشالها في مرحلة ثانية.

جلسة صامتة وتصويت “سري”

أقر مكتب مجلس نواب الشعب في اجتماعه عدد 50 بتاريخ 24 جويلية 2020 الإقتراع السري وفتح باب التصويت دون نقاش عامّ. على الرغم من عدم تعليل مكتب المجلس، كالعادة، قراره. إلا أن تصريحات أعضاء المكتب ارتكزت على مبدأ توازي الصيغ والإجراءات بين انتخاب رئيس المجلس، الذي يتم بالاقتراع السري، وسحب الثقة منه.

لا يؤطر النظام الداخلي للمجلس بصفة صريحة هذه الحالة، إذ لم يوضح الفصل 51 المنظم لعملية سحب الثقة طريقة التصويت. إزاء هذا الغموض، رجح مكتب مجلس كفة التصويت السري، وهي قراءة قانونية قابلة للدحض إذ أن الفصل 127 من النظام الداخلي يقر مبدأ العلنية في كافة عمليات التصويت، باستثنائه إنتخاب الأشخاص.

إن إعمال القياس من خلال المقارنة بين جلسة التصويت على انتخاب رئيس مجلس نواب الشعب من جهة، وجلسة التصويت على سحب الثقة من عدمه من جهة أخرى، اختيار قابل للنقاش. فإذا كان موضوع الأولى هو انتخابي صرف، فإن الثانية تتعلق، من ناحية المضمون، بالتداول حول لائحة هدفها ليس انتخابيا بل تقييميا لأداء رأس مجلس النواب والتي يمكن أن تؤدي في ختامها إلى إقرار عدم مواصلة (أو مواصلة) اضطلاع رئيس المجلس بمهامه. لذلك، لا يمكن إلباس جلسة منح الثقة جبة التصويت على الأشخاص ومقارنتها مثلا بانتخاب أعضاء الهيئات الدستورية المستقلة، أو عملية تجديد أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أو قريبا سد الشغور في الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة.

من جهة أخرى، اختيار عدم فتح باب النقاش قبل عملية التصويت، إضافة إلى افتقاره لأي سند قانوني، أمر غير منطقي. فإذا فرض الفصل 51 أن يكون الطلب الكتابي الرامي إلى سحب الثقة من رئيس البرلمان “معللا”، فالهدف من ذلك يجب أن يكون -تكريسا لعدم عبثية المشرع -بسط أسباب الطلب، تفكيكها، فهمها والنقاش حولها قبل اتخاذ القرار بتأييدها أو معارضتها. لذلك من المفترض أن تكون الجلسة العامة الفضاء الأول والطبيعي لهذا المسار، لا منابر الإعلام وغرف الأحزاب السياسية.

مما لا شك فيه أن اختيار التصويت السري -الذي اقترحته الكتلة الديمقراطية -وعدم فتح باب النقاش خضعا لحسابات وأماني سياسية خاصة بكل طرف. تحرر النواب (وخاصة المنتمين الى كتلة قلب تونس) من الإنضباط الحزبي والإحتكام الى الضمير الفردي عن طريق استغلال السرية للتصويت مع سحب الثقة بالنسبة لأصحاب اللائحة، وإبقاء بعض التحالفات الحينية غير المضمونة ممكنة لحظة التصويت السري بالنسبة لمعارضي طلب سحب الثقة.

مهما يكن من أمر، لم تكن فعليا لا الجلسة صامتة ولا التصوبت سريا. فقد أثار النواب العديد من نقاط النظام التي اختلفت مضامينها (كالمطالبة بتوفير خلوة والنقاش حول مضامين اللائحة…الخ.)، الأمر الذي أدى إلى تأخير عملية التصويت وأوجد تجاذبات بين النواب موضوعها الإجراءات التنظيمية التي أقرها مكتب المجلس. إضافة الى ذلك، انتشرت العديد من المشاهد التي مسّت من الطابع الفردي والسري للإقتراع ليتحول، في العديد من الحالات، إلى ممارسة جماعية.

بقطع النظر عن وجاهة ما قيل، كان من الأجدى أن يعتمد مكتب المجلس قراءة قانونية منفتحة تكرس الشفافية، تسمح بوضوح الأفكار والمواقف وتدفع كل لاعب برلماني، كتلا ومستقلين، إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية بشكل علني مما يسمح للناخبين والناخبات من حسن متابعة، فهم، تقييم ومساءلة من انتخبوهم.

قراءة في نتيجة التصويت: فاز الغنوشي دون أن ينتصر

حسابيا وقانونيا، حافظ راشد الغنوشي على منصبه كرئيس لمجلس نواب الشعب. لكن هذه النتيجة المُعلنة تخفي وراءها العديد من الدلالات المتقاطعة.

18 ورقة ملغاة، 02 ورقة بيضاء و16 صوتا “ضد” كانت كافية لتثبيت راشد الغنوشي في كرسيه.

عدديا، وبعيدا عن الخطابات العامة، تمكن الغنوشي من الصمود بفضل أقلية عددية صوتت ضد اللائحة مقابل أغلبية ساندتها. بعبارة أخرى، رجحت كفة الأقلي على الأغلبي هذه المرة، والدلالات السياسية لذلك لا يمكن تجاهلها.

فلئن فاز الغنوشي، إلا أنه لم ينتصر سياسيا. فلا يمكن غض الطرف عن معاني 97 صوتا مؤيدين لسحب الثقة منه، وهو عدد لم يكن بالإمكان أن يصل اليه مؤيدو الغنوشي حتى في صورة حضور وتصويت نواب كتلتي النهضة وائتلاف الكرامة.

إن حصول اللائحة على أغلبية نسبية من أصوات النواب تؤكد أن راشد الغنوشي لا يمثل شخصا يمكن أن يكون جامعا لمختلف المكونات البرلمانية بالنظر إلى تجاوزه لصلاحياته القانونية[1] وسوء حوكمة المجلس الذي يظهر خاصة في تعمد مكتب المجلس خرق النظام الداخلي اعتمادا على المنطق الأغلبي[2]. عند ترشحه لرئاسة البرلمان، ربما أراد الغنوشي أن يختم مسيرته السياسية باعتلاء منصب رئيس مجلس نواب الشعب، إلا أن أداءه داخليا مع مختلف الكتل البرلمانية وخارجيا مع رأسي السلطة التنفيذية، وخصوصا رئيس الجمهورية، يؤكد أنه لم يلعب دورا ايجابيا وأن ترشيحه للرئاسة يمثل ربما أحد أخطاء حركة النهضة الاستراتيجية نظرا لما تثيره شخصية الغنوشي من جدل في ظل مشهد برلماني يضم مكونات مختلفة إلى حد التناقض.

يرجع فضل بقاء الغنوشي في هرم السلطة التشريعية إلى اسعاف الأوراق غير المحتسبة: ورقتين بيضاء وخاصة، ثمانية عشرة ورقة ملغاة. تمثل الأوراق الملغاة حديث الجميع منذ الإعلان عن نتيجة التصويت، وهو أمر مفهوم للأسباب الآتية:

– أنها المحدد الحاسم في مآل لائحة سحب الثقة (فلو صوت مثلا 12 نائبا إضافيا مع سحب الثقة عوض الإدلاء بورقة ملغاة، لمرت اللائحة)،

– لأنها مثلت لغزا يتعلق بهوية أصحابها والأسباب التي دفعتهم إلى هذا الاختيار، لغز كان بالإمكان فكه لو اعتمد الإقتراع العلني. في ما يتعلق بالجانب الأول، الفرضيات متعددة مع أغلبية الظن المتجه نحو نواب كتلة حزب قلب تونس (19 من أصل 27 عضوا قاموا بالتصويت) والنواب المستقلين (14 من أصل 17) إضافة إلى امكانية وجود بعض الأصوات الملغاة المتناثرة من بعض الكتل الأخرى[3].

أما عن الأسباب التي يمكن أن تفسر هذا السلوك، فبعيدا عن الإقرار البديهي بأن التصويت المزدوج مرده غير معرفي لا يتعلق بجهل من قام به بأبجديات ضوابط عملية الإختيار في التصويت، يمكن قراءة هذا السلوك على أنه فعل سياسي قصدي غامض؛ قصدي لأنه من الصعب القبول بأن 18 نائبا يجهلون كيفية وضع العلامة في الخانة الصحيحة، وغامض لأنه يحتمل العديد من القراءات: هل وضع ورقة ملغاة هو رسالة إلى حركة النهضة مفادها أن لدى هؤلاء النواب تحفظات عن أداء الغنوشي لكن في نفس الوقت غير مستعدين لسحب الثقة منه؟ أم هو يعبر عن خوف من أن يُحسب سحب الثقة انتصارا لكتلة الحزب الدستوري الحر؟ أم أن التصويت المزدوج كان تلبية لمقصدين متناقضين: “نعم” لإرضاء الضمير، و “لا” تناغما مع حسابات سياسية تتجاوز القناعات الفردية؟

طوي إذن فصل هام من فصول العلاقة الدينامية بين مختلف مكونات المشهد البرلماني. وهو فصل ثري بالمعاني نظرا لتعدد الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من جلسة التصويت على سحب الثقة من راشد الغنوشي. فعلاوة على الطابع الديمقراطي للممارسة، لا شك أن التحالفات والحسابات السياسية المعلنة منها والخفية خاصة أثرت في نتيجة التصويت النهائية وأدت إلى فوز الغنوشي بإسعاف الأوراق الملغاة. وكان يمكن للتصويت العلني وفتح باب النقاش العام أن يساهم في وضوح موقف كل طرف برلماني وتحميله مسؤوليات اختياره علنا في ظل مشهد برماني مفتت، معقد وقابل للتغير سريعا.


[1] لمزيد التعمق حول مسألة تجاوز راشد الغنوشي لصلاحياته القانونية، يمكن الرجوع الى: مهدي العش، ” أسئلة حول صلاحيات رئيس البرلمان التونسي: عندما يتجاوز الطموح السياسي الصلاحيات القانونية “، المفكرة القانونية، 2020/06/12. متوفر عبر الرابطhttps://cutt.ly/qdDlN1R

 

[2] لمزيد التعمق حول خروقات مكتب مجلس النواب الشعب، يمكن الاطلاع على: يوسف عبيد، ” خرق مكتب البرلمان للنظام الداخلي وتداعياته السياسية والقضائية “، موقع نواة، 2020/07/25. متوفر عبر الرابط https://cutt.ly/FdDxi36

[3] يمكن الاطلاع على قائمة حضور النواب ونسب التصويت حسب الكتل عير موقع مرصد مجلس (منظمة البوصلة): https://cutt.ly/MdDkg7J

انشر المقال

متوفر خلال:

أحزاب سياسية ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، تونس