ماذا بعد زيارة الرئيس سعيد البنك الوطني الفلاحي؟ الممارسة معياراً لاختبار الحقيقة


2023-09-20    |   

ماذا بعد زيارة الرئيس سعيد البنك الوطني الفلاحي؟ الممارسة معياراً لاختبار الحقيقة
من زيارة الرئيس قيس سعيد إلى مقرّ البنك الوطني الفلاحي، 14 سبتمبر 2023

لم يعُد التونسيّون ينامون باكراً. يسهَر الناس منتظرين غزوةً جديدةً من غزوات الرئيس على إدارة أو مؤسسة أو حتى في شوارع مهجورةٍ. الصورة نفسها: مقطع فيديو طويل يُنشر في ساعة متأخرة من الليل، يظهر الرئيس مُحاطاً بحرسه، ينزل فجأةً كالأقدار على إحدى الإدارات أو الشركات العامة واضعاً مديرها أمامه ومسترسلاً في كلام لا يتوقف عن المحاسبة والفقراء والشعب. وهكذا تتكرّر هذه الغزوات على نحو مزمن منذ أكثر من سنتين، أي منذ انقلاب 25 جويلية 2021. إلا أن آخر غزوة، والتي طالت هذه المرة البنك الوطني الفلاحي (مؤسسة مصرفية عامة) قد بدا فيها الرئيس قيس سعيد أكثر قوةً في توجيه التّهم، وأكثر تماسكاً في خطابه، الذي أغرى قطاعاً واسعاً من السكان، لاسيما من نخب اليسار، التي رأت فيه تحقيقاً لمطالبها في كف أذى “الدوائر المالية النافذة”.

 بعد ساعاتٍ من نشر فيديو زيارة الرئيس إلى البنك كتب أحد أنصار الرئيس من شبيبة اليسار –أو على وجه الدقة، أحد الذين يأملون في أن يكون للرئيس برنامج تغيير جذري– معلقاً: «الاستراتيجية الاتصالية للرئيس واضحة وهدفها الآني معلن منذ أسابيع وهو تحجيم الاختراق السياسي والمالي للإدارة التونسية حتى تكون في خدمة الشعب وتونس الجديدة… ما قام به قيس سعيد البارحة لم يحد عن ذلك ولم يكن استعراضاً إعلامياً لإلهاء الرأي العام، كما يدّعي البعض، بل هو رسالة واضحة للإدارة التونسية بأن كل من يتواطأ مع اللوبيات والمافيات سيُحاسب ولا مجال للإفلات من العقاب وتبذير المال العام». يبدو الكلام منطقياً ومتماسكاً، ومغرياً في الوقت نفسه، إلا أنه قائم على حكم قرّره صاحب التعليق من جانب واحد، من دون أن يقول لنا كيف ذلك ولماذا. وهو: «ما قام به قيس سعيد البارحة (في البنك) لم يكن استعراضاً اعلامياً لإلهاء الرأي العام». كيف يمكن أن نطمئن لهذا الحكم؟ وما هو المعيار الذي يمكن أن يكون فيصلاً في تقرير ما إذا كان الأمر استعراضاً إعلامياً لإلهاء الرأي العام، أم اتجاهاً حقيقياً نحو المحاسبة والعدالة الاجتماعية؟

الممارسة والحقيقة

ربما كانت حنة آرنت، أكثر فلاسفة عصرنا، بحثاً في علاقة السياسة بالحقيقة. بدايةً من مقالتها في مجلة النيويوركر «الحقيقة والسياسة» (1967)[1] وصولاً إلى مقالتها الأشهر في نيويورك ريفيو أوف بوكس «الكذب في السياسة: تأملات في أوراق البنتاغون» (1971). دافعت الفيلسوفة الألمانية عن طرح يقول بوجود مفهومين مختلفين للحقيقة. حقيقة مفاهيمية أو علمية، تقوم على البحث عن قواعد عالمية، خارجة عن الحياة العامّة التي لا تسيطر على حركاتها، وحقيقة واقعية أو موضوعية، بناءً على الملاحظة التجريبية للواقع. وهذا النوع الثاني من الحقيقة سياسي بالضرورة. إن وصف حدث ما كما نُدركه ينطوي على مواجهة تصورات وأحكام الآخرين الذين يدركون نفس الشيء في الوقت نفسه. وبالتالي فإن الرأي العام يُولد من هذه المواجهة بين متفرّجين في عالم المظاهر المشترك ولكن تفسيراتهم يمكن أن تتباين. وفي الواقع، إذا كانت هذه المواجهة مع أنظار الآخرين هي مصدر بناء واقع موضوعي، فإنها تحشد أيضًا خلفية ثقافية تؤثر في الحكم على هذه الأحداث. لذلك فإن ما يهمنا هنا من الحقيقة، هي الحقائق الواقعية الموضوعية بوصفها تجلٍّ للواقع ضمن التصور المشترك.

إذن كيف نَحكم على الحقائق التي يقدّمها الرئيس قيس سعيد وأنصاره، هل ما يفعله الرئيس حقاً خطوة ضمن برنامج كبير لتغيير وجه البلاد، أم أنه مجرد استعراضات إعلامية؟ كيف يمكن قياس قوة هذه الحقيقة؟ يسعفنا المنظّر وعالم السياسة الصيني، هو فومينغ، في هذا المجال بقانون يمكن من خلاله أن نضع هذه الادعاءات من جانب أنصار الرئيس أو تلك المضادة من جانب خصومه موضع القياس الدقيق، وهو الذي أطلق عليه قبل أكثر من أربعة عقود: “الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة”.[2] على ما تبدو عليه من بداهة، شكّلت هذه المقولة النظرية التي ظهرت أول مرة على صفحات جريدة غوانغمينغ اليومية في 11 ماي 1978، نقلةً نوعية في النقاش النظري في الصين ما بعد مرحلة الرئيس ماو تسي تونغ وكانت جزءًا مهمًا من حملة “تصحيح الفوضى” التي قادها دنغ شياو بينغ. في عام 1845، أثار ماركس سؤالًا حول المعيار الذي يجب أن نستخدمه لتحديد ما إذا كان شيء ما صحيحًا مشيراً بالقول: “إن مسألة ما إذا كان الفكر البشري يمتلك حقيقة موضوعية ليست مسألة نظرية، بل مسألة ممارسة. يجب على المرء أن يثبت عمليًا صحة فكره، أي حقيقة وقوة فكره. إن مسألة ما إذا كان الفكر خارج الممارسة له حقيقة هي مسألة تتعلق فقط بالنصوص الفلسفية”[3]. ويقول هو فومينغ في مقالته: “إن وجهة نظر نظرية المعرفة المادية الديالكتيكية حول الطبيعة المطلقة والنسبية للمعايير العملية تعني أن كل فكرة وكل نظرية يجب أن يتم اختبارها بالممارسة من دون استثناء، إلى الأبد وبشكل مستمر. هذه هي وجهة نظر تطور الحقيقة. أي فكرة أو نظرية، حتى لو ثبت أنها الحقيقة في مرحلة معينة من الممارسة، يجب دائمًا اختبارها باستمرار في ضوء الممارسة الجديدة واستكمالها أو إثراؤها أو تصحيحها في عملية تطويرها. لذلك، لكي تختبر معيار الحق، لا يُمكنك الذهاب إلى العالم الذاتي للعثور عليه. لا يمكنك الذهاب إلى النظرية للعثور عليه. لا يمكن للفكر والنظرية أن تصبح في حدّ ذاتها اختبارًا. الواقع الموضوعي هو المعيار، كما هي الحال في القضاء، فإن السؤال هو ما إذا كان المشتكي يقول الحقيقة من دون الاستناد إلى حجة الادعاء. إن اختبار الحقيقة يجب أن يربط الفكر الإنساني بالعالم الموضوعي، وإلا فلا يمكن اختبار هذه الأفكار. الممارسة الاجتماعية الإنسانية هي نشاط تحويل العالم الموضوعي، إنها الذاتية التي تُرى في الأشياء الموضوعية”.

والسؤال هنا، كيف يمكن أن نُطبّق معيار الممارسة هذا على الحقائق التي يُنتجها الرئيس سعيد وأنصاره؟ سيكون ذلك قطعاً من طريق التجربة التاريخية للممارسة. من خلال نموذج زيارة الرئيس وخطابه للبنك الوطني الفلاحي، تشكّلت حقيقة لدى أنصار الرئيس ولدى الرأي العام بأن قيس سعيد عازمٌ على كسر الاحتكارات المالية ويتّجه نحو سياسات أكثر عدالة للفئات الشعبية والفقيرة. حيث تلعب الصورة وخاصة الفيديو دوراً في تشكيل هذه الحقائق الذاتية. لكن عندما ننزل بهذه الحقائق من علياء الخيال إلى أرض الواقع الموضوعي، نجد أن هذه الزيارة ستضاف إلى أرشيف طويل من الزيارات التي قام بها الرئيس إلى وزارات ومؤسسات وشركات عامة ومرافق اجتماعية، وقد زَرعَت هي الأخرى في العقول والقلوب صورة الرئيس الحريص على المحاسبة والعدالة وحب الفقراء، من دون أن يكون لها أي أثر في تغيير واقع هؤلاء الفقراء أو تلك المؤسسات.

تطبيقاً لقانون “الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة”، نجد بلا شك أن الحقائق التي يُنتجها الرئيس وأنصاره ويصدقّها قطاع واسع من الشعب ليست إلا مجرد خيالات. زارَ الرئيس سعيد بعد أيام قليلةٍ من انقلاب 25 جويلية 2021، أحد مصانع الحديد في منطقة بئر مشارقة من ولاية زغوان، تُرافقه وحدات من الحرس الوطني وفريق المراقبة التابع لوزارة التجارة و”قام بحجز 30 ألف طن من مادة الحديد مخزنة بغرض المضاربة”، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية. وظهر في مقطع فيديو ليلاً متوعّداً من باحة المصنع كل “مضارب ومحتكر”. بعد ذلك بساعات استبشَر الناس بأن ذلك سيدفع أسعار مادة الحديد إلى التراجع، وبأن مصير صاحب المصنع المضارب والمحتكر -بحسب الرئيس- سيَكون السّجن والمحاسبة. وكتبَ بعض أنصار الرئيس من “يسار المساندة النقدية” حول توجهات سعيد لــ”ضرب البرجوازية الطفيلية والقضاء على الريوع والاحتكارات العائلية”. لكن شئياً من ذلك لم يحدث. الحقيقة الموضوعية في الواقع تقول عكس ذلك تماماً، فلا أسعار الحديد تراجعت، بل ارتفعت منذ ذلك الوقت، ولا صاحب المصنع تمت محاسبته. وهذا النموذج من التعارض بين حقائق الرئيس وأنصاره المتخيلة، وبين الحقيقة الموضوعية في واقعها كثيرة. بعد ذلك زار الرئيس المؤسسة العامة لصناعة الأدوية، وتوقّع الناس أن تلك الزيارة ستكون نهاية أحزانهم في فقدان الأدوية، لكن شئياً من ذلك لم يحدثّ. والأمثلة كثيرة في زيارة الرئيس إلى المستشفيات والوزارات.

في ضوء هذه المفارقات، لابد من العودة إلى سؤال أحد أنصار الرئيس أعلاه: هل ما قام به الرئيس سعيد في البنك الوطني الفلاحي مجرّد استعراض إعلامي لإلهاء الرأي العام أم هو رسالة واضحة للإدارة التونسية بأن كلّ من يتواطأ مع اللوبيات والمافيات سيُحاسب ولا مجال للإفلات من العقاب وتبذير المال العام؟ وتطبيقاً لقانون “الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة”، يبدو أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استعراض كغيره من الاستعراضات.

الهُراء والسياسة

في جميع أنواع الأنظمة السياسية يقوم السياسيون بتوظيف الاستعراض الإعلامي، والحيلّ الاتصالية، والكذبّ، لخدمة صورتهم أمام المحكومين. والأمر أحياناً أكثر شيوعاً في الأنظمة الديمقراطية من الأنظمة السلطوية، فيما تواجه النظم الشمولية محكوميها بالحقيقة دون خوف منهم. لكن في النظام الشعبوي لا يتعلق الأمر بالكذب، بل بالهُراء.

في مقالته المرجعية، التي نُشِرت في مجلة “راريتان كوارترلي ريفيو” في عام 1986، حول الهُراء، ثم صدرت عام 2005 في كتاب مستقل، يضع الفيلسوف الأخلاقي الأمريكي، هاري فرانكفورت[4]، حدوداً نظريّة بين الكذب والهُراء، من خلال تمييز دقيق ومفيد مفاده أن الكاذب لا يزال يهتم بالحقيقة، حتى وهو يمارس الكذب، أما صاحب الهراء فلا يبالي بالحقيقة أصلاً، فهو يصنع حقيقته الذاتية ويطلقها في التصور المشترك مطمئناً بلا مخاوف. لذلك يصرّ فرانكفورت على أن “الهُراء أكثر عداوةً للحقيقة وخطورةً عليها من الأكاذيب، لأنه يؤدي إلى تآكل إمكانية وجود الحقيقة والعثور عليها”. واضعاً ثلاث خصائص للتفريق بين الفعلين: أولاً ينخرط الكاذب في فعل خداع واعٍ، على عكس صاحب الهُراء، الذي يصدّق هو نفسه ما يقوله من هراء. وثانياً أن الكاذب يعرف الحقيقة، لكنه يحاول إخفاءها، وهذا ما يريدون الإفلات منه، في المقابل يجهل صاحب الهراء الحقيقة وبالتالي يبدو مطمئناً لقوله واثقاً بلا خوف. وثالثاً، ينشر الكاذب أكاذيبه، لكن مازال قابلاً للتمييز بين الحقيقة والكذب، فيما ينشر صاحب الهراء هراءه واثقاً بأنه الحقيقة.

يساعدنا هذا التحديد النظري للفوارق بين الهراء والكذب في تحديد معالم خطاب الشعبوية الحاكمة في تونس واستراتيجيتها الاتصالية، المرتبطة أساساً بالمزاج الخاص للرئيس قيس سعيد، والقائمة ليس على الكذب بل على الهُراء، وإنتاج حقائقها الخاصة والذاتية المتعارضة مع حقائق الواقع الموضوعية، ومحاولة ترويج هذه الحقائق البديلة لإقناع السكان وبناء علاقات ولاء معهم.

نرصُد ملامح هذا الهُراء في مدوّنة خُطب وأقوال الرئيس قيس سعيد، على نحو متكرر، ومُثير للمزاح أحياناً من شدّة غُلوّه وذهابه بعيداً في اللاّمعنى. وآخرها موقفه من العاصفة دانيال، التي ضَرَبت السواحل الليبية وخلّفت آلاف القتلى، عندما قال في اجتماع ضَمَّ أهمّ وزرائِه: “ألم يتساءلُوا عن التسمية؟ فدانيال هو نبيّ عِبري، ووقع عليه الاختيار لتسمية الإعصار، لأنّ الحركة الصهيونية تغلغلَت في العقل والتفكير. من أبراهام إلى دانيال واضحة جدا”.

يُنتج الرئيس هنا حقيقته الخاصة، ويروّجها، مُستعيناً بصفته الرسمية، مطمئناً لها، غير حافل بالحقيقة الموضوعية وهي أن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، الوكالة المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، لديهَا نظام خاص لإطلاق الأسماء على العواصف والأعاصير، بعيداً عن أي مؤامرة صهيونية. فجوهر الهراء ليس في كونه كاذب، بل في أنه زائف، فهو لا يُخفي الحقيقة، بل يعيد صناعتها على هواه.

ويبدو أن السّبب وراء وجود كل هذا الهراء في خطاب الرئيس، هو اقتناعه بأنّه يجب أن يَكون لديه رأي حاسم حول جميع القضايا والأحداث، حول أي شيء وكل شيء تقريبًا. وذلك نابع من اكتفائه بنفسه على رأس السلطة، حيث لا يشاركه أحد في إبداء الآراء أو اتخاذ القرارات. ويُمكن ملاحظة ذلك في زيارات الرئيس سعيد إلى المؤسسات التي يعمل فيها متخصّصون في قطاعاتهم كالفلاحة والطب والهندسة وغيرها، حيث يستحوذ الرئيس على الكلام، مقاطعاً أي متدخّل، مُبدياً رأيه في مسائل فنية وتقنية دقيقة، ومستعيناً بسلطته الأدبية لفرض رأيه. ومن الأمثلة على ذلك حديثه عن وجود “أبقار للحليب” و”أبقار للأجبان” عندمَا زار مصنعاً للحَليب، وذلك لإبداء دراية زائفة بمنظومة إنتاج الحليب في تونس. إن غِياب أي اهتمام بالحقيقة واللاّمبالاة تُجاه حقيقة الأشياء يشكّلان جوهر الهُراء الذي تُنتجه السلطة الشعبوية.


[1] TRUTH AND POLITICS by Hannah Arendt – Originally published in The New Yorker, February 25, 1967, and reprinted with minor changes in Between Past and Future (1968) and The Portable Hannah Arendt edited by Peter Baier (2000) and Truth:Engagements Across Philosophical Traditions edited by Medina and Wood (2005)

[2] La pratique est le seul critère pour éprouver la vérité, PAR HU FUMING – Legrand continent – 7 janv. 2023

[3] Marx et Engels, Œuvres choisies, vol. 1, p. 16

[4] “On Bullshit”. Raritan Quarterly Review. 6 (2) : 81–100. Fall 1986. On Bullshit (2005), by Harry Frankfurt

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية