مئة عام والأيتام لا يشكّلون أكثر من 10% من أطفال المياتم هل تمهّد كورونا لرعاية الفقراء ضمن أسرهم؟

،
2021-02-04    |   

مئة عام والأيتام لا يشكّلون أكثر من 10% من أطفال المياتم هل تمهّد كورونا لرعاية الفقراء ضمن أسرهم؟
طفل يجلس أمام منزله في مخيم شاتيلا (داليا خميسي)

تخفض ليال (11 عاماً) نظرها خجلاً وتقول: “أنا بحب الكورونا”. “كيف تحبّين كورونا يا ليال وهي مرض يميت الكثيرين؟”، نسألها. “لأنّ الميتم سكّر بالكورونا وجينا نعيش مع خالتي”، تجيب.

ماتت والدة ليال قبل ثلاث سنوات، تاركة وراءها طفلة في الثامنة من عمرها يومها، هي ليال، وطفلتين أخريين الأولى في السادسة اليوم، فيما بلغت الأصغر الرابعة من عمرها أواخر أيلول 2020.  

تعرّض الوالد لحادث سير تسبب بإعاقته. وهو لم يكن، حتى قبل الحادث، قادراً على إعالة طفلاته الثلاث، فكان يعمد إلى تركهنّ عند خالتهن، وهي مريضة، بالكاد تتمكّن من إعالة نفسها عبر ما تجنيه من الاهتمام النهاري بسيّدة مسنّة خلال وجود ابنتها في العمل. وعليه قرّر، كريم (اسم مستعار لوالد الطفلات)، إرسال ليال وشقيقتيها إلى إحدى مؤسّسات الرعاية.

تقول خالة الفتيات إنها ترغب في تربية بنات شقيقتها “بس أنا فقيرة كتير وعندي أدوية ومش كلّ الوقت بشتغل وبيكون معي مصاري”. يعيش الوالد عند صديقه الذي عطف عليه ومنحه غرفة على سطح بيته ليعيش فيها “عايش ع الحسنات يعني”، كما تقول الخالة.

تعترف الصغيرة أنّ لديها سريراً في الميتم “وكمان خزانة لتيابي”، وأنّ الطعام جيّد “أكلهم طيب بس مش متل أكل خالتي”، كما تقول. وهنا في الغرفة اليتيمة التي تعيش فيه الفتيات مع خالتهنّ، لا يحتجن إلى أسرّة أو حتى وسادات “منفرش فرشات الاسفنج ع الأرض ومنام ع زند خوخة”، كما تدلل خالتها، “وحدّ بعضنا كلّنا”، تقول هلا، شقيقة ليال، إبنة الست سنوات، فيما تدمع عينا “خوخة” وهي تمسح على رأسها وتقول لها “يا تقبريني”. في الميتم لا ترى ليال شقيقتيها الصغيرتين سوى “عالسّفرة”، أي عندما يحين وقت الطعام “منسلّم ع بعضنا، بس ما منقعد مع بعض بالميتم، مش عايشين سوا”.

تعترف الخالة أنّها تعاني كثيراً عندما تذهب الفتيات إلى الميتم “بزعل ع زعلهن، بس ما بقدر عيّشهن، وأبوهن بيعطيني شي إذا حدا ساعده”. تعرف أنّ وزارة الشؤون الإجتماعية، تدفع للميتم مبلغاً عن كلّ يوم تقضيه الصغيرات وينمن فيه “لو بيعينوني كنت بقدر عيشّهن معي”. نسأل الخالة إذا كانت المؤسّسة قد ساعدتها خلال الإقفال العام بسبب كورونا وإعادة الفتيات إلى منزلها “مرّة وحدة عطيوني مساعدة صغيرة ما بتكفي لطعميهن يومين تلاتة”. حتى أنّها دفعت أجرة “تاكسي” 30 ألف حتى حصلت ع المساعدة “بعتوني من مركز لمركز للقيت إسم وحدة من البنات، وجبت مساعدة بتسوى شي 20 ألف ليرة”.

عندما نسأل رئيسة مصلحة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة في وزارة الشؤون الاجتماعية ماري الحاج أنّه في حال تأمين الدولة لحقوق الأشخاص المعوّقين من متطلّبات اندماجهم في المجتمع بدءاً من اعتماد الهندسة الدامجة إلى التعليم مروراً بالبلديات والمؤسّسات كافة، كم شخصاً معوّقاً يبقى في مؤسّسات الرعاية الداخلية؟ تجيب بكلّ ثقة “مش أكتر من 0.1 أو 0.2%”. هذا بخصوص المعوّقين الذين يلزمهم احتياجات خاصّة، فكيف بالذين يرسلون إلى دور الأيتام فقط بسبب الفقر أو الحاجة إلى التعلّم وليس بسبب اليتم دائماً، حيث تشير معطيات الوزارة إلى أنّ الأطفال الأيتام لا يشكّلون أكثر من 10% من مجمل عقود رعاية الأطفال الموقّعة بينها وبين المؤسّسات الرعائية.

عندما يدور الحديث عن الرعاية، لدى الحاج تجربة ترويها بفرح، وحدثت في أوائل التسعينيّات، قبل أن تنضمّ إلى مصلحة رعاية المعوّقين في الوزارة، ويوم كانت جزءاً من برنامج “غريلاك للرعاية” ضمن الأسرة. يومها، نفّذت وزارة الشؤون الاجتماعية البرنامج بالتعاون مع اليونيسف التي تلقّت تمويلاً للمشروع من السيّدة الألمانية فيرا غريلاك التي زارت لبنان وتأثرت بأوضاع الأيتام والأسر الفقيرة. عادت غريلاك إلى بلادها وأوصت بمبلغ 5.3 مليون دولار لمساعدة المحتاجين، مخصّصة جزءاً كبيراً منه لرعاية الأطفال ضمن أسرهم، ومع أمهاتهم. تتذكر الحاج تلك الأيام، وكيف كانت المساعدات الاجتماعيات يزرن الأسر بشكل دوري ويسهرن على تطبيق البرنامج بشفافية، لتتحدث عن التأثير الإيجابي لهذا النمط على الأطفال والأهل لناحية البقاء معاً، حيث لا تؤدّي الرعاية إلى فصل أحدهما عن الآخر “كنا نقف على حاجات الأسرة وندعمها بناء عليها”.

بالنسبة للأشخاص المعوّقين، ترى الحاج، وانطلاقاً من عمل مصلحتها أنّ هناك بعض الأشخاص المعوّقين الذين لم يبق لهم أحد من عائلاتهم، وهم غير قادرين على الاهتمام بأنفسهم نظراً لنوعية إعاقتهم، وبالتالي تمنحهم الوزارة الرعاية الدائمة، حيث يقيمون في مؤسسة الرعاية 365 يوماً في السنة، و”لا يتجاوز عدد هؤلاء 39 شخصاً معوّقاً”.  

337 مؤسّسة رعائية وأكثر من 50 ألف مستفيد

كلام ليال، وتجربة برنامج “غيرلاك” التي بقيت يتيمة في لبنان بعد استمرارها آنذاك لثلاث سنوات فقط، مدّة المشروع، يأخذاننا إلى البحث في ما آلت إليه الرّعاية الداخلية للأطفال في ظلّ جائحة كورونا التي فرضت التعبئة العامّة والإقفال، وهل تمّت مساعدة العائلات التي عاد إليها أبناؤها من دور الرعاية، خصوصاً أنّها تعاني في الأساس من مشاكل اقتصادية واجتماعية؟ وما هي المعلومات المتوفّرة عن المصابين بالفيروس داخل الدور، والأهم كيف قد تؤثر الجائحة على تطوّر الفكر الرعائي في مؤسّسات الدولة لناحية رعاية الطفل في أسرته، وهي ملاحظات تثيرها لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة في جنيف سنوياً أثناء مراجعة تقرير أوضاع الأطفال في لبنان، مبدية قلقها إزاء ارتفاع أعداد الأطفال المودعين في دور الرعاية بعيداً عن أهاليهم بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية لعائلاتهم.

نحن نتحدّث عن نحو 337 مؤسّسة رعائية متعاقدة مع “الشؤون”، تشمل أكثر من 50 ألف شخص برعايتها، ويعمل فيها 25 ألف شخص بحسب سلوى الزعتري رئيسة المجلس الوطني للخدمة الاجتماعية، وهو الإطار الذي يضمّ مؤسّسات الرعاية. وبحسب أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية تتوزّع المؤسّسات على فئات داخلية (أطفال ومسنّون 198 مؤسّسة ضمنها 35 للمسنّين)، الحماية (17) والأحداث (21) والمعوّقين (101 مؤسّسة).

سنتناول في هذا التحقيق المؤسّسات التي ترعى الأطفال فقط وهي تضمّ نحو 39175 طفلاً من عمر يوم إلى 18 عاماً، موزّعين على 19650 طفلاً في القسم الداخلي تحت فئة يتيم وحالة اجتماعية صعبة، و3800 مهني داخلي، و14700 مهني خارجي، و1025 رضيعاً، إضافة إلى 1341 مسنّاً في دور رعاية المسنّين. وتحت فئة الحماية نجد في المؤسّسات المختصّة بها 40 رضيعاً، و10 أحداث. وتضمّ المؤسّسات التي تعنى بالأحداث 530 طفلاً خارجي، و365 طفلاً داخلي، و124 طفلاً في حالة إعادة الاندماج. فماذا فعلت مؤسّسات رعاية الأطفال المتعاقدة مع وزارة الشؤون، ومعها نحو 40244 طفلاً معنيّة برعايتهم؟ وإذا اعتمدنا نسبة 10% من بينهم أيتام فقط أنّ أكثر من 36 ألف طفل موجودين في هذه المؤسّسات بسبب الفقر والحالات الاجتماعية الصحية. فإذا تمكّن هؤلاء من العودة إلى منازلهم خلال جائحة كورونا، فما الذي يمنع بقاءهم فيها؟ وهل يزول الخطر عنهم ومعه العوز خلال كورونا ويعود بعده؟ وماذا عن تدخّل الدولة مباشرة مع الأسر خلال الجائحة واستمرار تدخّلها بعدها؟

الشّؤون: للالتزام بالتعبئة العامّة إلّا في الحالات الضرورية

بتاريخ الأوّل من آذار 2020، أرسل مدير عام وزارة الشؤون الاجتماعية القاضي عبدالله أحمد رسالة عبر تطبيق واتساب إلى مؤسّسات الرعاية المتعاقدة مع الوزارة، تؤكّد ضرورة التزامها بقراري وزير التربية والتعليم العالي ووزير الصحة العامّة بإقفال المدارس ودور الحضانة، وفق ما يؤكّد أحد القيّمين على إحدى المؤسّسات الرعائية لـ”المفكرة”. مؤخراً، ووفق المصدر نفسه، وسعياً من المؤسّسات لحماية نفسها ومطالبتها بمستند خطّي بهذا الشأن، أصدر أحمد تعميماً خطّياً في 7 تشرين الأوّل 2020 تحت عنوان “العودة الآمنة إلى مؤسّسات الرعاية”، حصلت “المفكرة” على نسخة منه. وطلب فيه من المؤسّسات (رعاية اجتماعية وأشخاص معوّقين) “الالتزام بقرارات وزير التربية وتعاميمه فيما يختصّ بمواعيد بدء العام الدراسي وأساليب التعلّم والإجراءات الوقائية لمنع انتقال فيروس كورونا وانتشاره”. وبالنّسبة للحالات الاجتماعية الصعبة والمستفيدين من ذوي الإعاقة ومن هم في حاجة إلى رعاية خاصّة أو حماية اجتماعية يتعذّر توفيرها في منزل الأسرة “يمكن الاستمرار في برعايتهم في المؤسّسة”، وفق التعميم، “شرط التقيّد بإجراءات وزارة الصحّة للوقاية والسلامة”. وطلب مدير عام الشؤون من المؤسّسات أن تلتزم بتقديم جداول إلى المساعِدة الاجتماعية المكلّفة بالرقابة، تتضمّن أسماء الحالات التي استمرّت في رعايتها، مع الأسباب الموجبة والخدمات المقدّمة”.

يقول القاضي عبدالله أحمد، لـ”المفكرة” إنّ توجيهات الوزارة للمؤسّسات تقوم على الالتزام بقرارات وزارة التربية سواء كان التعليم نظامياً أم غير نظامي، إلّا في الحالات “المقطوعة من شجرة” (أي من ليس لديهم أسرة يعودون إليها)، فيتمّ الإبقاء عليهم في المؤسّسة، مع أخذ الاحتياطات الكاملة لضمان سلامتهم. ورأى أنّ بعض المؤسّسات تابعت مع المستفيدين مباشرة من أجل تأمين استمرارية الاهتمام والرعاية اللازمين حتى في حال إعادة المستفيدين إلى منازلهم. 

ورغم ما جاء في التعميم الذي أصدره القاضي أحمد عن تقديم جداول للمساعدة الاجتماعية، لا تملك الوزارة حتى اليوم بيانات عن عدد الذين بقيوا في المؤسّسات الرعائية، أم عادوا إلى منازلهم، حسب ما يقول. ويضيف “لكننا طوّرنا استمارة خاصّة بالمؤسّسات ستوضح لنا كلّ شيء”. ويستبعد أحمد أن يتمّ خصم أيّ مبلغ من مخصّصات المؤسسات سواء قدّمت خدمة كاملة أم جزئية. وتقول موظفة في إحدى المؤسّسات لـ”المفكرة” “سمعنا أنّ الوزارة تضع استمارة وستوزّعها علينا”، ولكن حتى كتابة هذا التحقيق لم تكن الاستمارة قد وصلت إلى المؤسسة.

هل تستعمل المؤسّسات المال المدفوع لها لدعم أسر الأطفال؟

تجيب رئيسة مصلحة الرّعاية الاجتماعية ندى فوّاز أنّ كوفيد 19 أفسح المجال للمؤسّسات لخوض “ستاج (تدريب) كبير لتطحش على الخدمة ضمن العائلة”، مشيرة إلى أنّ مؤسّسات عدّة، و”ليس جميع المؤسسات، تؤمّن اليوم مساعدات غذائية لعائلات الأولاد تشمل العائلة كلّها وليس الطفل المستفيد فقط، إضافة إلى إعطاء الدروس أونلاين من قبل المؤسّسات التي لديها مدارسها الخاصّة”، وفق فواز.

وتذهب ندى فوّاز إلى أكثر من ذلك لتقول إنّ “مؤسّسات الرعاية تقبل، ومن دون استثناء، أن تُعلّم الطفل وتقدّم له وجبة الغداء، وتساعده في دروسه ومن ثم يتناول العشاء وتؤمن وسائل النقل لترسله عصراً إلى منزل عائلته”.

ويرى القاضي أحمد أنّ كلّ هذا يمهّد لمضي الوزارة في استراتيجيّتها الوطنية التي تعدّها بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة بخصوص تطوير مفهوم الرّعاية نحو رعاية الطفل ضمن أسرته، وكذلك وضع استراتيجية جديدة خاصّة برعاية الأشخاص المعوّقين. ويضيف “نسعى لتحسين الرعاية عبر تأمين التعليم للطفل ومساعدته في واجباته المدرسية، وتأمين لباسه والخدمات المتخصّصة وإعادته إلى أسرته بنقليات تؤمّنها المؤسّسة”. ويقدّر أنّ الأمر “ليس صعب المنال، ورغم أنّ المشروع مكلف أكثر، لكن يمكن إنجازه”. وعندها، وفق ما يقول، لا يبقى إلّا من يجب بقاؤهم، مشيراً إلى أنّ تقديم الرعاية النهارية سيتمّ أيضاً عبر المؤسّسات، “وهنا أودّ أن أشير إلى أنّ معظم مؤسّسات الرعاية صارت مستعدّة لخوض هذه التجربة”.

وتؤكّد ندى فوّاز أنّ هناك مؤسّسات عدّة قد باشرت هذه الطريقة بالرّعاية لمن تسمح ظروف أسرهم وتصنيف حالاتهم بذلك، قبل كورونا حتى”. ورأت أنّ الوزارة شجّعت على هذا المنحى عبر امتناعها عن إلغاء عقد رعاية أيّ طفل ترسله المؤسّسة لينام في منزله، حيث اكتفت بحسم ألف ليرة من كلفته اليومية البالغة 6250 ليرة تدفعها الوزارة لمؤسّسات الرّعاية عن كل طفل. وترى أنّ هذا التطوّر يفرض، ربّما “وضع نظام بمعايير جديدة، واستحداث فئات، ووضع أسعار وتحديد خدمات عبر لجنة تضمّ كلّ الوزارات المعنية من الشؤون إلى تربية والاقتصاد والمالية والصحة”.

ويؤكّد القاضي أحمد أنّ الوزارة تعتمد في توجّهها هذا على نصّ صادر عن مجلس الوزراء في 2010 يقول بخصم ألف ليرة من مستحقّات المؤسّسات التي ترعى الأطفال نهاراً، وهو “ما لا يحصر الاستفادة فقط في حال منامة الطفل في المؤسسة”.  

وفي هذا السياق تشير فواز إلى أنّ عدد من يعودون إلى منازل ذويهم بعد تلقّيهم الرعاية النهارية ارتفع من بضع مئات في 2010، ليصل إلى 5 آلاف في 2018-2019، مع العلم أنّ هؤلاء يستفيدون من القرار 121 الخاص بالرعاية الاجتماعية، أي يقضي عقدهم بالمنامة داخل دور الرعاية “وهودي المصرّح عنهم، يعني أكتر من ربع الأولاد الداخلي”. وتردّ ذلك إلى “ارتياح المؤسّسات عند تأكّدها من عدم إلغاء الوزارة لعقد الرعاية، بل فقط تخصم ألف ليرة عن إعادة كلّ طفل للنوم عند عائلته”. وأشارت إلى أنّ وزير الشؤون في حكومة تصريف الأعمال رمزي مشرفية “قرر هذا العام عدم خصم أي مبلغ من المؤسّسات نظراً للأوضاع الراهنة ومع الأزمة الاقتصادية وكورونا”. وعلمت “المفكرة” في هذا السياق أنّ هناك نحو ألفي طفل كانوا يعودون إلى ذويهم ولا يتمّ التصريح عنهم بسبب تخوّف مؤسّسات الرعاية من إلغاء عقودهم، كون معيار التعاقد مع الوزارة يقول ببقاء الطفل في مؤسّسة الرعاية ليلاً نهاراً على أن يزور عائلته نهاية الأسبوع.

ونستشفّ من المعلومات المتوافرة من بعض المتابعين لتطوّر المنحى الرعائي أنّ التسوية التي تحكم السّعي لتوسيع الرعاية ضمن الأسرة تقوم على أن تبقى مؤسّسات الرعاية نفسها الوسيط بين الدولة والمواطن، وهو الحلّ الذي وجدته الدولة على ما يبدو للتقليل من الملاحظات والانتقادات الحقوقية المحلّية والدولية لسلخها  90% من الأطفال في المؤسّسات عن عائلاتهم ووضعهم في دور الأيتام بسبب الفقر والعوز وعدم قدرتهم على التعليم وحتى الحصول على ثلاث وجبات غذاء يومياً، وكذلك المحافظة على مكتسبات هذه المؤسسات كشريكة أساسية في الرعاية ومتصدّرة لها، وهو ما لا يقلل أو ينال من نفوذها.

 500 طفل من أصل 3 آلاف بقيوا في دار الأيتام الإسلامية

تشير رئيسة المجلس الوطني للخدمة الاجتماعية سلوى الزعتري، إلى التزام عدد كبير من المؤسسات الرعائية بقرار وزارة الشؤون بأن تُبقي على الأطفال الذين لديهم أوضاع صعبة وفقراً شديداً، أو الأحداث تحت الحماية أو الذين لا عائلات لهم يعودون إليها. وتلفت إلى أنّ المؤسّسات توقفت عن التعليم في بداية كورونا، “ولكنّها اليوم جهّزت نفسها لتأمين مستلزمات الحماية والوقاية والتباعد بوجود فريق طبي، برغم الكلفة الكبيرة لكل هذه الإجراءات، وهو ما قلّل الإصابات وجعلها محدودة ولم يحصل انتشار مع عودة المدارس في أيلول 2020”. أما المؤسّسات التي لم تستقبل الأطفال فقد”ساعدت العائلات واعتمدت التعليم عن بعد ومن بينها مؤسّسات الإعاقة، والجميع يودع وزارة الشؤون تقارير عن عمله”، وفق الزعتري.

وتشير الزعتري التي تشغل أيضاً نائبة الأمين العام لدار الأيتام الإسلامية إلى أنّ “نحو 500 طفل بقيوا في الدار من أصل 3 آلاف ترعاهم”. 

وترى أن تجربة زيادة عدد الأطفال الذين يتلقّون الرعاية ويعودون إلى أهاليهم اعتمدتها مؤسّسات عدة قبل جائحة كورونا، “وكلفة هذه الخدمة أعلى من بقاء الطفل ضمن المؤسّسة، وتعتريها صعاب وتحدّيات، ولكن الفكر الرعائي صار مستعدّاً لها، بخاصّة في حال توفّر الدّعم اللازم لرعاية الأطفال نهاراً والمتابعة مع الأسرة، ليبقى فقط ذوو حالات خاصّة ممن ليس لديهم عائلة يعودون إليها أو معرّضون للخطر أو من الأشخاص أصحاب الإعاقات التي تحتاج إلى عناية خاصّة لا يمكن تقديمها في البيت”.  

لماذا لا يسكن الأطفال لدى عائلاتهم في الأساس؟

تنتقد الخبيرة في السياسات الرعائيّة زينة علّوش إقدام المؤسسات على إرسال الأولاد إلى منازلهم في أصعب الظروف، علماً أنّ الإبقاء على الأولاد مع عائلاتهم هو مطلب قديم كان من الأجدى اعتماده في ظروف طبيعيّة. وتقول: “بما أنّ المؤسسات تمكّنت من إرسال الأولاد إلى أهاليهم خلال أزمة كورونا، فلماذا لا يسكنون معهم في الأساس؟”. علّوش تؤكد أنّ “أكثر من 90 بالمئة من الأطفال الموجودين في دور الرعايّة يتواجدون هناك بسبب الفقر، أي أنّهم ليسوا أيتاماً كما يعتقد الناس”، وفق دراسة غير منشورة لمؤسسة البحوث والاستشارات عام 2006 بطلب من وزارة الشؤون الاجتماعيّة.

وتطرح علوش تساؤلات عدّة منها: هل تمّ دعم العائلات مادّياً؟ هل جرى تأمين مواد التنظيف لها للوقايّة؟ هل تم توفير الدعم للطفل في أسرته؟ من ثم تعرض تساؤلات حول الأطفال الّذين يتمتعون بملفات حماية من قاضي الأحداث؟ هل عادوا أيضاً إلى منازلهم، كيف حصل الأمر، هل جرى زيارة مسبقة لمنزل الأسرة لتقييم قدرتها على استقبال الطفل؟ ومن يلاحق ويراقب وجود الطفل في بيئة آمنة بعد إرساله؟ لتشكك في حدوث إجراءات فعالّة لحماية الأطفال أو لدراسة انتقالهم السليم من دور الرعايّة إلى أسرهم، وذلك لعدم وجود أيّة مؤشرات على “توجّه الدولة اللبنانيّة لدراسة استراتيجيّة حديثة لحمايّة الأطفال وتأمين حقوقهم لدى أسرهم”. وتزداد المخاوف بالنسبة لها، بسبب غياب “المعلومات التي تثبت أسباب تواجد الأطفال في دور الرعايّة، وأعدادهم الفعليّة، ما يضعنا أمام فراغ لا يطمئن”.

 

[1] فقراء لبنان، أيتام بعهدة القيّمين على مؤسّسات طائفية، نرمين السّباعي، نشر في موقع المفكرة القانونية في 4-3-2014.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، حركات اجتماعية ، حقوق الطفل ، سياسات عامة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم