مؤتمر صحفي حول الرعاية البديلة في لبنان


2015-04-17    |   

مؤتمر صحفي حول الرعاية البديلة في لبنان

أعداد الأطفال المودعين في دور الرعاية، وتاليا المفصولين عن بيئتهم العائلية، مهولة. فهل أنّ فصلهم عن بيئتهم بما فيه من مخاطر ضروري؟ وأليس بوسع الدولة أن توفّر لهم وسائل تقيهم هذه المخاطر؟ وفي حال عجزها عن ذلك، هل تشكل دور الرعاية البيئة الوحيدة المتاحة لهم أم أن ثمّة أشكالا أخرى من الرعاية البديلة؟ وما هي النتائج والآثار الاجتماعية للسياسات المتبعة في هذا المجال منذ أكثر من عقدين؟ وفي كل الحالات، ما هي الضوابط الادارية والقانونية والقضائية الواجب توفّرها لضمان سلامة هؤلاء الأطفال وحظوظهم في انماء ذواتهم؟ وما يزيد هذه الأسئلة الحاحا هو أن ما تسدده وزارة الشؤون الاجتماعية لمؤسسات الرعاية بات يستغرق كما هائلا من ميزانيتها وتاليا من نشاطها الاجتماعي، وكل ذلك في ظل فراغ قانوني شبه تامّ.

في أي دولة، يفترض أن تحظى هذه الأسئلة بحيز واسع من الاهتمام العام. لكن على نقيض ذلك، فان مواقف السلطتين التنفيذية والتشريعية تبقى لزوم الصمت، كأنّما ثمّة اتفاقا على ابقاء هذه المسألة في عداد التابوات أو أقله المسلمات التي لا يجدر الخوض بها. بل سرعان ما تظهر المسألة في أدبيات الغرف المغلقة على أنها مسألة تتصّل بممارسات النظام القائمة على المحاصصة وأن من شأن أي محاولة لتغييرها الاضرار بمصالح صاحبها، من دون أن تؤدي الى أي نتيجة عملية. وعليه، على وزير الشؤون الاجتماعية أن ينسى أن المسألة هي مسألة حقوق أطفال بالرعاية، أو شؤون اجتماعية، فهي أولا وأخيرا مسألة سياسية تتوزع على أساسها الحصص وأي اعادة نظر بها هي بمثابة التفاف حول شروط النظام الذي ارتضى الانضواء اليه. وعليه اذا، أن يمتنع عن أي تفكير أو مبادرة في هذه المسألة (فالسياسيون يتكلمون في مسائل جدية، والخطر الذي يتعرض له عشرات آلاف الأطفال، من جيل الى جيل، بفعل هذه السياسات، ليس من هذه المسائل). واذا تقدم اليه أيّ طفل بشكوى متحدثا عن هتكه وانتهاكه في أي مؤسسة رعاية، فعليه أن يُعرض عن أيّ تحقيق في هذا الشأن وكأنه لم يرَ ولم يسمع شيئا… فعمَ يتكلم؟ واذا تداول الاعلام بشكاوى من هذا النوع، فعليه أن يسارع الى نفي أي خبرية من دون حاجة الى أي تحقيق، واذا ضجّ الاعلام بما يحدث في دور الرعاية من انتهاكات، فلا بأس أن يتحوّل الوزير الى درعٍ لمؤسسات الرعاية في مواجهة هؤلاء الأطفال. فالانتهاك "لم ولن" يحصل في أيّ من دور الرعاية.. والمسألة محسومة ومعروفة ولا حاجة لأي تحقيق.

ومن الطبيعيّ في ظل خطاب كهذا، أن تؤدي ادارة المرفق العام رغم كلفتها الباهظة الى ثلاث سلبيات: أولا، تهديد مباشر لتربية هؤلاء الأطفال وصحتهم النفسية والجسدية، ثانيا، تحويل الفقر الى سبب للحجب والعزل والاستباحة، وثالثا، اعادة انتاج وتعزيز الفرز الطبقي والطائفي، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر اجتماعية جمة.

وأمام الصمت الحكومي والنيابي في هذا الشأن، ومن باب استشعارنا لمسؤولية الدفاع عن المجتمع، قررنا أن نتحرك. ومبادرتنا القائمة اليوم على شراكة متينة بين المفكرة القانونية وبدائل، تهدف الى وضع خارطة طريق لاعادة الأطفال الى بيئات سليمة، وذلك من خلال ثلاثة أبواب:

الباب الأول، وهو الباب الاجتماعيّ، دعم جميع الأطفال والأشخاص الذين تعرضوا لفصل عن بيئتهم العائلية، أو أودعوا في دور الرعاية، والمقصود هنا دعم أي مبادرة لاعلاء أصواتهم أو تأسيس مجموعات مناصرة لهم ولحقوقهم. ونحن ندعو من خلال هذا المؤتمر جميع الأشخاص الذين تعرضوا لعسف مشابه التواصل معنا لهذه الغاية،   

الباب الثاني، وهو الباب التشريعيّ. نعلن عن اطلاق ورشة لصياغة قانون حول الرعاية البديلة، ابتداء من 15-5-2015. وبالطبع، أهم من مضمون القانون هو المنهجية التشاركية والعلمية التي سنتبعها في مراحل صياغته والتي ستؤدي الى اثراء النقاش العام والى تعزيز الطاقات المختصة في هذا المجال، والتي من شأنها تولي مهمة الترافع لتحسين شروط حياة أطفال لبنان. ولهذه الغاية، سنقسم الأسئلة التي يفترض أن يشملها مشروع القانون الى محاور عدة أهمها: (تعريف الطفل فاقد الرعاية الأسرية ومعايير القبول في مؤسسات الرعاية، مرجعيات القبول ومساراته، مروحة الرعاية البديلة ومعاييرها النوعية، المراقبة والمتابعة والمساءلة والعقوبات من جراء أي انتهاك)، على أن ندعو الأشخاص المختصين والمعنيين، بما فيهم وزارة الشؤون الاجتماعية والمجلس الأعلى للطفولة، الى المشاركة في  هذه المحاور،

الثالث، وهو الباب القضائي، اعتماد التقاضي الاستراتيجي في قضايا دور الرعاية، من خلال عرضها على منبر القضاء. وهنا، نعلن أننا باشرنا باجراءات التقاضي بالنيابة عن السيد طارق الملاح ضد وزارة الشؤون الاجتماعية ودار الرعاية التي تم ايداعه فيها طوال 12 عاما (من سن 2 حتى 14 سنة)، على خلفية اهمالهما اتخاذ الاجراءات اللازمة لحمايته أثناء تواجده هنالك. وقد تقدمنا الى وزارة الشؤون الاجتماعية بطلب تعويض عن الضرر الذي تكبده الملاح تبعا لذلك، فجاءنا الجواب الوزاريّ على نحو يتماشى تماما مع سياسة النعامة التي أشرنا اليها أعلاه والتي تهدف دوما الى تبرئة ذمة دور الرعاية من أي مسؤولية. فالجواب هو ببساطة: لم ولن يحصل أي انتهاك في هذه الدار.. وطبعا، كل ذلك من دون أي تحقيق بل من دون تكبد عناء الاستماع الى الشخص المعني الذي بات يعامل على أنه معتد على الوزارة يسعى الى ابتزازها. "فهو يرفع الصوت فيما عليه أن يصمت". والهدف من هذه الدعوى والدعاوى الأخرى التي قد نقدمها في هذا السياق، لا يقتصر طبعا على تحصيل الحقوق المنتهكة للملاح أو سواه من الأشخاص المنتهكة (على أهميتها)، انما يهدف أيضا الى نقل قضية دور الرعاية والرعاية البديلة الى منبر القضاء، أملا بتعزيز التخاطب الحقوقي والقضائي بشأنها، فننجح في فرض ضوابط قانونية في مواجهة منزلقات النظام السياسي السائد.     

   
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية