“ليال بلا نوم”، حين تحول السينمائي “وسيطا للذاكرة”


2013-04-12    |   

“ليال بلا نوم”، حين تحول السينمائي “وسيطا للذاكرة”

 مريم السعيدي وأسعد شفتري، معاً في فيلم واحد[1]، في مواجهة حادة، المواجهة التي لم تحصل بين المشاركين في الحرب الأهلية اللبنانية، وضحاياها… رغم مرور أكثر من عقدين على اتفاق الطائف التي قررت فيه القوى الدولية والإقليمية إنهاء الحرب اللبنانية.
مريم والدة ماهر قصير، شاب اختفى منذ التحاقه في معركة كلية العلوم – الحدث ضمن مجموعة من المقاتلين الشيوعيين خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وكان عمره آنذاك 15 عاما.
وأسعد الشفتري وهو مسؤول أمني واستخباراتي سابق في "القوات اللبنانية" التي كانت متحالفة مع جيش الإحتلال الإسرائيلي، خاصة خلال فترة الإجتياح، وقادت معركة كلية العلوم في الجانب الآخر. بعد سنوات من انتهاء الحرب، قدم أسعد شهادته حول جزء مما اقترفه، معرياً بعض ممارسات الحزب الذي انتمى إليه والجبهة التي كان مؤمناً بأفكارها.
المشترك بين مريم وأسعد "ليالٍ بلا نوم"، وهو عنوان فيلم أليان الراهب الجديد، فيه تحفر عميقا في الذاكرة اللبنانية، ذاكرة الحرب الراقدة تحت رماد وكأنها تستعد أبدا للإشتعال مجددا. "في ليالِ بلا نوم" حصل جزء من الحوار المفترض، بل الضروري بين الضحية والجلاد، الحوار الذي اختفى تحت ركام مصالحات وتحالفات متنقلة، فأخذنا النبش في ذاكرة الحرب حيث يتحتم أن نذهب: في اتجاه نبش المقابر الجماعية. أكثر من عشرين عاماً مرت، ولم يجرِ الحوار. أما ما نشهده على الشاشة، في فيلم أليان الراهب، فيبدو في بعض المشاهد كأنه أمر جرى بين الواقع والخيال، شخصيات من واقع لبنان، وكاميرا تنحاز إلى اللغة السينمائية الروائية أحياناً وإلى التصوير الوثائقي في الكثير من الأحيان. المخرجة في الفيلم ليست صانعة للسيناريو وللمعالجة الفنية فقط إنها جزء منه، تتنقل في موقعين خلف الكاميرا وأمامها، لتقوم بدور استقصائي بوصفها مواطنة لبنانية، كأنها تقول أن هذا الدور منوط بنا جميعاً، إنه مسؤولية المواطنين. أما الكاميرا فقد نجحت في نقل حالات شخصيات الفيلم من حزنها المشوش أحياناً، والجهد للذاكرة والتخبط كالتائه في مياه البحر، حين كانت الكاميرا تتأرجح على هدى مركب قبالة الحوض الخامس في مرفأ بيروت.
كان اللقاء ضرورياً، لتطرح مريم سؤالها الذي لم يجب عنه أسعد المثقلة ذاكرته بأفعال الحرب. ولكنه أجاب عن أسئلة أخرى، وتولت المخرجة نفسها عملية البحث عن إجابة لسؤال مريم "أين إبني؟" عملية الاستقصاء تمت من خلال مساءلة أصدقاء أسعد، قواتيين آخرين، شيوعيين شاركوا في مواجهة الإحتلال وبينهم عدد من المسؤولين السابقين كالياس عطا الله. عملية الإستقصاء هذه قدمت إجابة عن مصير ماهر، أو لنقل إنها إجابة يجدر التحقق منها، ولكن ما كشفته الراهب في فيلمها وفي الدور الإستقصائي الذي قامت بها ذهب في اتجاهات متعددة. بيّنت أولاً أن البحث عن مصير المفقودين ليس عملية مستحيلة لو توفرت الإرادة لذلك، ففي الفيلم يكشف الشفتري وأحد رفاقه عن مقبرتين جماعيتين الأولى في "الكارنيتينا" (يسميها الشفتري مرمى) والثانية في "كلية العلوم". وقد ذكّر الفيلم بأن كماً هائلاً من الجرائم ارتُكبت خلال الحرب تحت بعض "العناوين" العقائدية وبغطاء الدين، وبأن تحالفات القوى السياسية اليوم لم تقم على حوار جدي وصريح يسهم في كشف جروح من الحرب لم تندمل- على رأسها قضية المفقودين والمختفين- بل مجرد عملية جرت "من فوق" ولا تنفع في مصالحة حقيقية. فحين تسأل المخرجة مريم إن كانت تريد أن تقول شيئاً للياس عطا الله – أحد مؤسسي حزب "اليسار الديموقراطي"- تجيبها والدة المخطوف "هو الآن حليف  القوات"، فيما يرفض هو أن يسمي المسؤولين عن اختفاء شباب شيوعيين في معركة كلية العلوم. كأن مصالحة اليوم تقوم على نكران الأمس لا على معالجته، "مصالحة" تنفي ما لم تفلح سنوات "السلم" المفترض في محوه لدى شرائح متعددة من اللبنانيين.
الأسلوب التصويري المعتمد- والذي يمزج كما ذكرنا بين الروائي والوثائقي- إنما يدفع أحياناً إلى التساؤل: هل يقوم "الجلادون" القدامى – إذا صح التعبير- بعملية تمثيل؟ كما نجح الفيلم في تسليط الضوء على الجانب الإستعراضي في حراك بعض المهتمين بقضية المخطوفين وبعملية مصالحة تنادي بـ "السماح" من دون معرفة الحقيقة، نوع من التسامح الذي لا تصنعه إلا مفاعيل فقدان الذاكرة.
لكن هذا "الفقدان" مستحيل، بفعل الطبيعة الإنسانية من ناحية، وبفعل استمرار مفاعيل الحرب على حاضرنا اللبناني. في "ليالٍ بلا نوم" لا تعري الراهب الجلاد، إنها تضعنا في مواجهة ما أفرزته "المصالحة" التي اعتُمدت تأسيسا لجمهورية ما بعد الطائف في لبنان، حيث يرزح المفقودون والمقابر الجماعية تحت قشرة مصالحة تنتج كل فترة خلافات وانقسامات مذهبية جديدة. عدالة تختزل السلطة بأمراء الحرب أنفسهم، سلطة الحاكم وسلطة معارضه، وتجعل أحياناً من الجلاد الذي لم يكن مسؤولاً حزبياً ضحية تعيش كوابيس ما اقترفته مع آخرين. فيما اختار مقاتلون آخرون ألا يواجهوا الماضي، ففي الفيلم شخصية ترفض أن تُظهر هويتها لكنها تساعد بالمقابل المخرجة في البحث عن مكان قد يكون مقبرة ماهر ورفاقه الذين اختفوا أو قضوا خلال الإجتياح الإسرائيلي.
المحطة التاريخية نفسها تعطي للعمل بعداً مكثفاً، إنها محطة مفصلية في التاريخ اللبناني، ذروة المواجهة بين فريقين واحد معادٍ لإسرائيل وآخر مساند لها، يحمل بالتمثّل بها… لكننا بعد نحو عقدين سنبحث عن المشاركين في تلك الحرب، لنقع على نموذجين متقابلين: مقاتلون من حركة أمل وآخرون من القوات اللبنانية، تلتقيهم المخرجة إما في إطار عملية البحث عن مصير ماهر قصير أو من خلال التعمق في التعرف إلى شخصية أسعد شفتري. وليس مصادفة أن المشهدين يتشابهان من حيث أنهما يتمان خلال عمليتي صيد…

"ليالِ بلا نوم" المثقل بأسئلة الحرب وعناوينها الكثيرة، لم يفقد للحظة هويته السينمائية، إنه فيلم ينجح في إعادة تسليط الضوء على قضية المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية، بل هو يؤكد على أهمية هذه القضية، بأنها ليست عنواناً فرعياً، بل القضية الأساس من أجل التوصل إلى عقد إجتماعي جديد بين اللبنانيين، ويذكر بأن السنوات وإن طالت ليست كفيلة بمحو هذا الملف إن لم يُفتح ويُعالج بشكل جدي.


[1] إخراج: أليان الراهب، إنتاج: شركة "إطار" للإنتاج، نزار حسن، سيناريو وتوليف: نزار حسن.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية