لم يبقَ سوى جرّاح قلب واحد للأطفال: موجة ثالثة من هجرة الأطباء في لبنان


2023-04-26    |   

لم يبقَ سوى جرّاح قلب واحد للأطفال: موجة ثالثة من هجرة الأطباء في لبنان
رسم رائد شرف

يتأثّر قطاع الرعاية الصحية بالانهيار الاقتصادي بما في ذلك المستشفيات، وصناعة الأدوية والمستلزمات الطبية ومقدّمي خدمات الرعاية الصحية، حيث تشهد المستشفيات عجزًا في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاعًا حادًا في تكاليفِ الاستشفاء. وتفاقم الوضع أكثر مع إعلان نسبة كبيرة من الأطباء الأخصائيين الهجرة حيث بلغت نسبة الأطباء الذين هاجروا رسميًا بعد الحصول على إفادة نقابة الأطباء، حوالي 30%. وهذه النسبة بحسب المعنيين ليست خطيرة على مستوى الخدمات حتى الآن وكفايتها إذ أنّ لبنان كان لديه فائض في عدد الأطباء. فبحسب منظمة الصحة العالمية بلغ عدد الأطباء في لبنان عام 2019، 15131 طبيبًا، بمعدّل 26 طبيبًا لكل 10 آلاف شخص.

ولكن الخطير هو تأثير الهجرة على اختصاصات معيّنة دقيقة ونادرة كان يتميّز بها لبنان، بدأت تعاني من فراغ مرعب وباتت تؤثر اليوم على خدماته ما سيشكّل خطرًا حقيقيًا على المرضى وينذر بنهاية سمعة لبنان كـ “مستشفى الشرق”. 

لماذا يهاجر الأطباء؟

يوضح الأخصائي في تمييل شرايين القلب والرصّور الدكتور جوزيف عبدو إلى أنّ “المسألة مسألة عرض وطلب، والطبيب بذل ١٢ سنة من عمره ليصبح طبيبًا وليس الجميع قادر على ذلك. عدم الاستقرار في البلد، عدم توفر الأجور المادية المناسبة والحصول على العروض في الخارج، شحّ الأدوية والمعدّات وعدم توفّر المستلزمات اللازمة لإتمام عمل الطبيب بالشكل اللازم، كلّها تدفع الأطباء إلى الهجرة للخارج بعدما سُرقت مدّخراتهم وتدنّت أجورهم. الآن بدأت الأمور تتحسّن بشكل جزئي بعدما بدأ الأطباء يسعّرون بالدولار. نقابة الأطباء وضعت خطوطًا عامة في التعرفة لضمان حق الطبيب ولا تلزم الأطباء بذلك ولا تلزم المرضى بطبيب محدد المريض حر في الاختيار”.

أما د. حسين مشيمش المدير الطبي في مستشفى الزهراء فيؤكّد أنّ الطبيب هو ضحية الأزمة الاقتصادية التي وصلنا إليها، وإنجازات الطبيب تكتمل عندما تتوفّر لديه الأدوية المناسبة للمريض، والأجهزة الطبية لإنجاز العمل الجراحي بشكل جيّد، وفي الوقت نفسه إمكانيات مادية تغطي هذه الخدمة المقدّمة، فعلى أي أساس نحن سنحافظ على أطبائنا وعلى مستوى طبّي عالي بعدما كنّا مستشفى الشرق؟”.

ويقول د. فؤاد عون جرّاح المسالك البولية إنّ “هناك صعوبة كبيرة في معالجة المريض، بسبب انقطاع الأدوية والمعدّات والصعوبات في إجراء العمليات والوقوع بين نار المستشفى التي تطلب بدل أتعابها ونار المريض غير القادر على هذه التكاليف. فنحن أمام صعوبات كبيرة في تقديم خدمات طبية في ظل هذه الأجواء. نقابة الأطباء وضعت تسعيرة 25 دولارًا لطبيب الاختصاص وهو ما يعتبر تسعيرة مناسبة للأطباء ولكن هناك من لا يقدر على دفعها. علينا أن نداري الناس قدر المستطاع فهو أساس مهنتنا الإنسانية”. ولكن رغم “المردود القليل” يرى د. عون أنّ علينا أن نرضى ونضحّي من أجل البلد”.

أكثر الاختصاصات تأثّرًا بالهجرة

يقول نقيب الأطباء في لبنان د. يوسف بخاش، إنّ الموجة الأولى من هجرة الأطباء بدأت تزامنًا مع الانهيار الاقتصادي وخسارة الأطباء ودائعهم في البنوك وفقدانهم الأمل في البلد، ومن بعدها جاءت الموجة الثانية إثر انفجار الرابع من آب. وتابع أنّ الوضع الاقتصادي غير المستقر الذي نعيشه الآن هو سبب لموجةٍ ثالثةٍ نحن على أبوابها. ويقول بخاش إنّ “الأخطر هو هجرة الفئة الفتية أي الخرّيجين الجدد من الجامعات الذين بات حلمهم الوحيد هو التخصّص في الخارج”، مشيرًا إلى أنّ “3500 طبيب هو العدد المهاجر إلى الخارج حتى الآن، فيما يجري تقديم طلبات هجرة يوميًا إلى النقابة، وإذا استمّرت هذه الوتيرة، سنذهب الى ترهّل في قطاعنا الطبي”.

وبحسب بخّاش فإنّ تأثير هجرة الأطباء على القطاع الصحي والطبي في لبنان هو تأثير مباشر، إذ أنّ لبنان بات يفتقد العديد من الاختصاصات المهمّة لتغطية احتياجاته في مجال الرعاية الصحية المتخصّصة “مثل جراحة القلب للأطفال حيث يوجد في لبنان جرّاح واحد يعمل في الخارج وفي لبنان في الوقت نفسه، وللأسف توفّي قبل فترة طفل حديث الولادة بسبب عدم وجود طبيب مناسب في الوقت المناسب”. ويضيف بخّاش: “إلى جانب هذا الاختصاص هناك نقص في جرّاحي الأطفال، وأطباء التخدير والإنعاش، وأطباء الأشعة، والأخطر هم أطباء الطوارئ الذين يعتبرون الحلقة الأهم في الدورة العلاجية ممّا يعيق حصول بعض المرضى على الخدمة الصحية الصحيحة”.

يقول مدير مستشفى رفيق الحريري د. جهاد سعادي إنّ “المستشفى باتت تفتقد إلى اختصاصات كثيرة مثل أطباء الأعصاب وهي مشكلة لا تعاني منها المستشفى فقط بل القطاع بأكمله، ففي لبنان كان هناك قبل الأزمة أكثر من 200 طبيب أعصاب أمّا اليوم فتراجع العدد إلى ما يقارب 20، نحن نفتقد هذه النخبة وفي الخارج يربحُونها”. ويقول مدير مستشفى الزهراء الجامعي د. يوسف فارس إنّ “أقسام عدة باتت تفتقد أهل اختصاصها مثل جراحة الدماغ والأعصاب، وقسم الأشعة، وجراحة الشرايين والأوعية الدموية”.

النقص يطال المستوصفات أيضًا

يقول حسن المحمود مدير مستوصف بنت الهدى للرعاية الصحية الأولية، إنّ ثلّة من أطباء المستوصف هاجروا إلى الخارج، مشيرًا إلى أنّ “المستوصف بدأ يأتي بأطباء من مناطق بعيدة ويدفع بدل نقل مرتفع لكي يأتوا ويقدموا خدماتهم في المركز مثل الأعصاب، الغدد والسكري، القلب، لأنّ وجود هؤلاء الأطباء أساسي في المركز”. ويضيف: “الدعم الذي يأتي من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات غير الحكومية ومنظمة الإغاثة الأولية الدولية وكل هذه المشاريع المؤقتة هو الضمانة الوحيدة لبقاء الأطباء نوعًا ما لدينا كونها تقدم خدماتها مجانية، مما يجعلنا قادرين على تقسيم عائدات المركز بين 70% للأطباء و30% للمركز”.

وتؤكد مديرة مستوصف الزهراء للرعاية الصحية إسراء دعموش إنّه نتيجة الأزمة المعيشية ترك قسم كبير من الموظفين المستوصف والقسم الآخر يعمل بدوام جزئي وخدمات الأشعة لم تعد متوفّرة كل يوم، كذلك بعض خدمات الأسنان توقفت لأنّ موادها باهظة الثمن، وعدد كبير من الأطباء توقفوا عن العمل لدينا، منهم من لجأ الى المستشفيات والمراكز التي تدفع إما دولار أو لبناني بنسبة تغطّي متطلبات الطبيب وتليق به وإمّا هاجروا”.

وتوضح: “طبيبا قلب هاجرا، طبيب أطفال، طبيب عظام، طبيب الأشعة، طبيبا صحة عامة، طبيب المسالك البولية، والباقون غير راضين عن رواتبهم ويدفعون بدل النقل من جيوبهم للمساهمة فقط في عمل الخير، إلّا أنّ هناك أطباء نحن ملزمون بالمحافظة عليهم وإذا فقدناهم نحن في صدد الإقفال لأنّهم عمود أساسي للمركز، فإلى أي مدى ستبقى الجمعيات قادرة على تغطية هذه التكاليف ودعمنا؟”

وتبرّر مديرة المستوصف هجرة الأطباء بأنّ “الطبيب في لبنان يعاني كثيرًا وهو من جهة يحق له رفع أجرته لضمان حقه ومن جهة أخرى غير قادر على رفعها على المريض. فقدنا نخبة من الأطباء نحن بحاجة إليها ولكن عروض العمل في الخارج مغرية أكثر من البقاء في الظروف الحالية”.  

خطر على الجودة

توضح مديرة نقابة المستشفيات الخاصة ريتا رحباني، أنّ “هجرة الأطباء جاءت نتيجة العديد من العوامل أبرزها تدنّي قيمة الليرة اللبنانية، فالأجور لم تعد تكفي لا الطبيب ولا اللبنانيين كافة للقيام بواجباتهم الأساسية، بخاصة أنّ المريض لم يعد قادرًا على الدفع والمستشفى حالتها تدهورت ممّا دفع الأطباء إلى البحث عن فرص أفضل في الخارج”. وتضيف رحباني: “جميع المستشفيات خسرت من طواقمها الطبية ولكن حتى الآن لا تزال نوعية الخدمة محافظة على قيمتها. صحيح أنّها تأثرت في بعض الأمور مثل غياب بعض المواد والأدوية وإقفال أقسام ولكن كنوعية وجودة، الخدمات ما زالت عالية، ولا يزال الأطباء الموجودون يبذلون أقصى جهودهم مع الطواقم الأخرى لتفادي تدني الجودة، لأنّ تدنّيها خطير جدًا والوصول إلى هذه المرحلة ينذر بخسارة لبنان لمكانته كمستشفى الشرق، لحد الآن نحن صامدون لكن الاستمرار على هذه الوتيرة بالهجرة سيوصلنا إلى مشكلة كبيرة”.

تأثير الهجرة على المرضى

وأصبح غياب الأطباء عنصرًا أساسيًا في شكوى المرضى إلى جانب “صعوبة تأمين الدولار” فتشكو مريضة مصابة بالسرطان من أنّ حياتها معرّضة للخطر بسبب عدم انتظام حصولها على الجرعات والعلاج: “ما في دكاترة يعني ما في علاج، والموجودين عم يعملوا جهدن بس ما في نتيجة، مش سهل عالمريض يغيّر طبيبه بعد ما كان مواكبه بفترة علاجه السابقة”.

“جيت من صيدا لهون عم دوّر ع طبيب لإجراء عملية دقيقة براسي ما عم لاقي الطبيب المناسب عدا عن كلفة العملية اللي بتحتاج بين 10 و15 ألف دولار” يقول مريض آخر. وتضيف مريضة أخرى: “أنا واحدة من المرضى اللي هاجر دكتوري واضطريت فتش ع دكتور جديد يتابع حالتي. الحمدلله بعدني قادرة روح عند حكيم. غيري بطّل قادر يتابع حالته الصحية عند طبيب، صاروا يلجأوا للصيدليات أو خلص بيقعدو ببيوتن وما بيتحكّموا”.

ضربة تلو الأخرى، تضعف آليات التأقلم لدى المرضى، وبالنسبة للكثيرين، أضحى التمسّك بحبل النجاة أصعب، في الوقت الذي بات الذهاب إلى المستشفى أو العيادات الخاصة ترفًا لا ينعم به عدد كبير من المرضى بسبب الكلفة العالية.

في الحلول

تؤكد مديرة نقابة المستشفيات الخاصة ريتا رحباني، أنّ هناك مستشفيات بدأت باستراتيجية رفع تعرفة الأطباء ودفع قسم من أتعابهم بالدولار وعدم الالتزام بالليرة اللبنانية، وهذا ما اعتبرته الحل الوحيد للحفاظ عليهم. أما نقيب الأطباء د. يوسف بخاش فيشير إلى ضرورة إعادة تأهيل القطاع الصحي بأكمله، مشيرًا إلى أنّ لبنان بحاجة لدراسات علمية شفافة لخلق فرص عمل للأطباء المتخرّجين وتجديد وتعويض النقص الحاصل هذه الفترة وتقديم هذه الدراسة للدولة لكي تطبّقها. ويضيف بخاش أنه من مسؤولية النقابة ووزارة الصحة ووزارة التربية التركيز على موضوع حاجة لبنان والخرّيجين لكي لا تكون شهادة تخرّج الطلاب بمثابة جواز سفر للخارج.

إلى ذلك يعتبر أنّ التعاون مع المستشفيات والجامعات في الخارج لإرسال الأطباء للتخصّص والحصول على الخبرة ضمن منح دراسية مؤقتة والعودة لخدمة مستشفيات لبنان، حلًّا مهمًّا إلى جانب دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية  التي تقدّم رعاية طبية بأفضل ما في وسعها. ولكن يجب أن تتخذ السلطات اللبنانية الإجراءات اللازمة لضمان توفير الخدمات الطبية الأساسيّة، والتصرّف وبسرعة، لتأمين حاجة لبنان من الأدوية والإمدادات فلا يمكن للجهات الإنسانية أن تحلّ مكان النظام الصحي لبلد بأكمله.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، لبنان ، مقالات ، تحقيقات ، قطاع خاص



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية