لمن حماية القانون في تونس؟ الأمنيون يسحلون المعترضين على مشروع قانون لحمايتهم


2020-10-07    |   

لمن حماية القانون في تونس؟  الأمنيون يسحلون المعترضين على مشروع قانون لحمايتهم
مصدر الصورة: الصفحة الرسمية لحملة حاسبهم

تعرّض مجموعة من المحتجّين ضد مشروع القانون عدد 25/2015 المتعلق بحماية قوات الأمن الداخلي والديوانة، حسب الصيغة التي أقرّتها لجنة التشريع العام في شهر جويلية الفارط، والمعروف بمشروع قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة، إلى اعتداءات بالعنف الجسدي والإيقاف خلال وقفة احتجاجية دعت إليها حملتا حاسبهم وسيّبونا يوم الثلاثاء 06 أكتوبر 2020 أمام مجلس المستشارين في العاصمة تونس.

وتأتي هذه التحرّكات استباقا للجلسة العامة التي ستخصص للمصادقة على مشروع القانون، وتجسيما لحالة رفض واسعة صلب المنظمات الوطنية والدولية والجمعيات لقانون اعتبروه خطوة كبيرة إلى الوراء على الصعيد الحقوقي وترسيخا لظاهرة الإفلات من العقاب في ظلّ تواتر انتهاك أعوان المؤسسة الأمنية لحقوق الإنسان وتصاعد منسوب العنف الموجه ضد المواطنين من قبلها.

 

عنف لفظي وجسدي وسحل للمحتّجين على بعد أمتار من البرلمان

بعدما تمّت المصادقة عليه في الثاني من شهر جويلية 2020 من قبل لجنة التشريع العام، وضع مجلس نوّاب الشعب على جدول أعماله عرض مشروع قانون عدد 25/2015 المتعلق بحماية القوات الأمن الداخلي والديوانة للمصادقة خلال الجلسات العامة أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس 6 و7 و8 أكتوبر 2020. خطوة استنفرت نشطاء حملتي حاسبهم وسيّبونا، الذين أعلنوا في بيان مشترك بتاريخ غرّة أكتوبر الجاري عن رفضهم لمشروع القانون رغم التعديلات التي أجريت عليه معتبرين أنّه وإن تغير عنوان المشروع فإن روح النص المخالفة للدستور وللمعاهدات الدولية بقيت ثابتة في النسخة المعدلة، في اعتداء صارخ على مكتسبات المواطنين والمواطنات من حقوق وحريات وثوابت دستورية وتشريعية. وقد دعا البيان منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية إلى الانضمام والتعبير عن رفضها لهذا القانون والوقوف ضده بكل الأساليب السلمية الممكنة.

رفض تمثّل لاحقا في تنظيم الوقفة الاحتجاجية صباح يوم الثلاثاء 06 أكتوبر 2020 أمام مجلس نوّاب الشعب ثمّ الانتقال إلى مجلس المستشارين، حيث كان من المزمع مناقشة مشروع القانون المذكور. إلاّ ان المتظاهرين الذين وجدوا في استقبالهم تعزيزات أمنية كبيرة، تعرّضوا للتعنيف اللفظي والجسدي لتصل الأمور إلى حدّ إيقاف ناشطات ونشطاء من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وجمعية النساء الديمقراطيات وجمعية دمج، وهم أسرار بن جويرة، سيف عيادي، نورس الزغبي ورياض التوزري. قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقا بعد تنقّل ثلّة من المحامين والنائبيْن في مجلس نواب الشعب المنجي الرحوي وسامية عبو رفقة كاتب عام الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بشير العبيدي إلى إقليم تونس للأمن.

عنف قوات الأمن لم يقتصر على الاعتداء على المحتجين السلميين، إذ تواصل على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. حيث تعرّض الناشط السياسي أيوب عمارة الذي نشر فيديو يوثّق للانتهاكات التي طالت المشاركين في الوقفة إلى التهديد والهرسلة من قبل حسابات لأمنيين تعمدوا أيضا قذف وشتم المشاركين أو المعلّقين.

 

استنفار واسع لمنظّمات المجتمع المدني وعدد من الأحزاب

مثّلت لحظة الإعلان عن برمجة عرض مشروع القانون عدد 25/2015 المتعلق بحماية قوات الأمن الداخلي والديوانة على الجلسة العامة لمجلس نوّاب الشعب نقطة فارقة في مسار التصدي لهذا المشروع. فبخلاف الدعوة إلى التعبئة العامة الصادرة عن حملتي حاسبوهم وسيبونا، تحرّكت منظمات المجتمع المدني عبر سلسلة من البيانات والبلاغات التي تنبه لخطورة مثل هذا القانون. حيث طالبت 20 منظمة وجمعية غير حكومية تونسية في 05 أكتوبر الجاري، البرلمان بعدم المصادقة على مشروع قانون” زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح”. وقد اعتبرت المنظمات أنّ عرض مشرع قانون لزجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح ليس له أي معنى باعتبار أن تلك القوات هي المحمول عليها حماية حياة التونسيين وممتلكاتهم، كما أن المجلة الجزائية التونسية وقوانين خاصة أخرى حافلة بالنصوص التي تحمي الموظفين العموميين بمن فيهم موظفي الأمن والجيش والديوانة وتنصُّ على عقوبات زجرية، مشيرة إلى أنّ طرح المشروع خلال هذا الظرف بالذات يؤشر إلى عودة الاستبداد وعقلية الدولة البوليسية وسيفاقم من آفة الإفلات من العقاب التي يعاني منها التونسيون تجاه الممارسات الأمنية الخارجة عن القانون. كما لفت البيان المشترك لهذه المنظمات والجمعيات إلى أن المشروع يناقض نصّ الدستور بخصوص مبادئ الأمن الجمهوري والحقّ في الحياة وذلك بتنصيصه على استعمال القوة المُميتة في أوضاع ملتبسة ويُعطي القوات الحاملة للسلاح سلطة تقديرية مع اعفائها من المسؤولية والمحاسبة. وقد دعتْ هذه المنظمات على غرار الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام، اتحاد أصحاب الشهادات المُعطّلين عن العمل، الشبكة الأورو متوسطية للحقوق، جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، دمج الجمعية التونسية للعدالة والمساواة، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، مركز تونس لحرية الصحافة والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين للتعبئة العامة ضّد مشروع القانون من قبل المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية وكّل ذوي المصلحة والكتل البرلمانية والأحزاب السياسية إلى عدم المصادقة على مشروع القانون المعروض، كما وجهت نداء إلى السلطة التنفيذية للكفّ عن تقديم مشاريع القوانين المُنتهكة للحقوق وللحريات وخاصّة في ظلّ غياب المحكمة الدستورية.

أمّا منظمة بوصلة، فقد سارعت في 06 أكتوبر الجاري رفقة عشرات الجمعيات على غرار المفكرة القانونية، جمعية نواة، انكفادا، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، محامون بلا حدود، المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، انترناشيونال ألرت، الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام وجمعية القضاة التونسيين إلى إعلان رفضها لمشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة الذي لا يزال يمثل خطرا على حقوق وحريات المواطنين والمواطنات، رغم التعديلات التي تم ادراجها. ولتعرب عن استنكارها من محاولة تمرير مشروع القانون المذكور أشهر قليلة قبيل الاحتفال بعيد الثورة العاشر، معتبرة أن المشروع المقدم على أنظار الجلسة العامة يمثل تهديدا خطيرا للسلم الاجتماعي ولتوازن المنظومة القانونية لكونه ينتصر لمصالح قطاعية ضيّقة في شكل مجلة جزائية موازية لا تكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون. لتختم الجمعيات الممضية البيان بدعوة النوّاب في البرلمان التونسي لرفض مشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة.

هذا وطالبت كلّ من النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين ومنظّمة مراسلون بلا حدود والجامعة العامة للإعلام إضافة إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية – فرع تونس، رئيس الجمهورية بممارسة صلاحياته وفقا للدستور التونسي الذي وضع على عاتقه صلب الفصل 72 واجب السهر على احترام الدستور عبر ممارسة حق النقض طبقا للفصل 81 الذي يقتضي أن لرئيس الجمهورية أن يقوم برد مشروع القانون مع التعليل إلى مجلس نواب الشعب للتداول ثانية لتكون المصادقة في هذه الصورة بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس على مشاريع القوانين العادية وبأغلبية ثلاثة أخماس على مشاريع القوانين الأساسية.

 

خمس سنوات من التجاذبات بين النقابات الأمنية والمجتمع المدني

مثّلت التحرّكات الأخيرة ضدّ قانون زجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح كما يُعرف في تسميته الأولى حلقة جديدة في مسار طويل من التجاذبات بين النقابات الأمنية ووزارة الداخلية من جهة ومنظّمات المجتمع المدني التونسي من جهة أخرى. حيث لاقى هذا المشروع رفضا واسعا من قبل النسيج المدني والحقوقي في تونس منذ عرضه على مجلس نواب الشعب في سنة 2015. ليعود لاحقا بعد سنتين مثيرا موجة أخرى من الاستنكار والتي أفضت إلى بقائه على رفّ البرلمان طيلة ثلاث سنوات بدعوى مراجعة بعض فصوله. ولكن، ورغم التعديلات التي شملت بعض فصوله عقب بدء النقاش حوله صلب لجنة التشريع العام في 12 جوان 2020، على غرار التسمية وتصنيفه على أنه قانون أساسي وليس قانونا عاديا وهو ما يستوجب موافقة أغلبية النصف زائد واحد وليس أغلبية الحضور أثناء التصويت عليه في الجلسة العامة، بالإضافة إلى حذف القوات العسكرية من المشروع باعتبار أنها تتمتع بوضع خاص خلافا لقوات الأمن والديوانة. إلاّ أن هذا لم يقلّل من قلق النشطاء السياسيين والحقوقيين تجاه ما قد يمنحه هذا المشروع من مخاطر تتمثل أساسا في تكريس إفلات الأمنيين من العقاب خصوصا مع تزايد الانتهاكات التي يمارسونها في حق المواطنين خلال السنوات المنقضية. هاجس يتجلّى فيما قد تمنحه الفصول الفضفاضة على غرار الفصل 11 المقترح في مشروع القانون المذكور من مجال لتأويل طبيعة ما يمكن اعتباره اعتداء على الأمنيين، أو ما قد يمثله المشروع برمتّه من مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون بين جميع المواطنين كما ينص عليه الفصل 21 من الدستور وتكريس العقلية القطاعية وظاهرة الإفلات من العقاب و الغاء المسئولية الجزائية للأمنيين عند انتهاك الحرمة الجسدية أو النفسية للمواطنين.

في مقابل رفض مكونات النسيج المدني والحقوقي في تونس لمشروع قانون حماية قوات الأمن الداخلي والديوانة، يبدو أن هناك شبه اتفاق بين عدد من مكونات المشهد البرلماني والسياسي على غرار حركة النهضة وقلب تونس والحزب الحر الدستوري على تمرير القانون في الجلسة العامة المنتظرة، وهو ما يعكس رغبة سياسية مبطنة للقوى السياسية الكبرى في تعزيز السطوة الأمنية في مواجهة نذر انفجار اجتماعي مرتقب نتيجة التدهور المتواصل للوضع الاقتصادي والصحي في البلاد نتيجة تفشي وباء كورونا. معركة قد تنفتح على فصول جديدة من الصراع ستتجاوز حتما قبّة البرلمان وحدود أسوار مجلس نواب الشعب وستضع الحقوقيين والمدافعين عن مكتسبات 14 جانفي 2011 في مواجهة المؤسسة الأمنية والطبقة السياسية المستفيدة من ارتدادات المرحلة.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، إقتراح قانون ، البرلمان ، تحقيقات ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *