لبنان أمام اختبار جائحة كورونا… أين الحقّ في الصحة؟ منطق الصدقة والانقضاض على دور الدولة


2020-04-14    |   

لبنان أمام اختبار جائحة كورونا… أين الحقّ في الصحة؟ منطق الصدقة والانقضاض على دور الدولة

لا يشكّل فيروس كورونا المستجدّ (2-SARS-CoV) (فيروس كورونا أو الفيروس المستجدّ في ما يلي) في أغلب الحالات (أكثر من 80%) خطراً على حياة المريض ولا يتطلّب علاجاً في المستشفى. ولكن تشتدّ خطورته على الأشخاص الأكثر هشاشة صحيّاً، أي كبار السّن أو من يعانون من أمراض مزمنة أو تنفسيّة. فهو يولّد مضاعفات لديهم تستدعي علاجاً في المستشفى من خلال مساعدة اصطناعية على التنفّس. ويمتاز الفيروس المستجدّ بقدرة على الانتقال “خلسة” من شخص إلى آخر، إذ بإمكان شخص أن يحمله وينقله من دون ظهور أيّة عوارض عليه. وهو يختلف لهذه الجهة عن فيروس سارس SARS-CoV مثلاً، الذي ظهر في عام 2003.

من هنا، تكمن خطورة الفيروس المستجدّ في سرعة انتشاره التي تؤدّي إلى إغراق الأنظمة الصحّية بعدد حالات مرتفع يستدعي معالجة طبية، أنظمة غير جاهزة لاستيعاب هذا الكمّ من الحالات. فإذاً لا يكفي تطوّر النظام الطبي تقنياً لدرء مخاطر الفيروس. فعلى الرّغم من تطوّرها في العلم والطبّ، تبدو أنظمة دول عديدة غير قادرة على حماية حياة من يمكن حمايتهم “علمياً وطبياً”، وذلك نتيجة السياسات العامّة المعتمدة، تحديداً تلك المتعلّقة بالحق في الصحة[1]. وما يجري في الولايات المتّحدة الأميركية اليوم خير دليل على ذلك، فرغم أنّها أكثر الدول تقدّما تقنياً وعلمياً وطبّياً، تبدو عاجزة عن حماية مواطنيها من سرعة انتشار الفيروس وارتفاع نسبة الوفيات، وذلك نتيجة شروط الولوج إلى القطاع الاستشفائي والخدمات الطبّية التي جعلت – خصوصاً في المرحلة الأولى – شرائح معيّنة من المجتمع أكثر عرضة للإصابة والوفاة نتيجة صعوبة وصولها إلى الرّعاية الصحية، مما حمل السلطات إلى وضع تشريعات تعزّز الوصول إلى الرّعاية بشكل أكثر عدالة.

تكشّف في إثر ذلك أمر أساسي وهو أنّ تحدّيات مواجهة فيروس كورونا المستجدّ هي بشكل رئيسي تحديات مرتبطة بالسياسات العامّة، وليست فقط تحدّيات علمية (رغم أهمية ابتكار لقاحات بدأ توزيعها في العديد من الدول بدءاً بالطواقم الطبية والأفراد الأكثر هشاشة). ففضح هذا الفيروس، من دون أيّة مواربة، السياسات العامّة الصحية المتّبعة في العالم، وأشكال الأنظمة الصحّية الموضوعة، على مدى عقود مضت، وجعل طرح السؤالين التاليين أمراً محورياً: ما مدى جهوزية الأنظمة الاستشفائية كمّاً ونوعاً لاستيعاب الحالات التي تقتضي معالجة طبّية؟ وما هي قدرة الناس على الوصول إلى فحص الكشف عن الإصابة والمعالجة الطبية؟

وفي لبنان كذلك، وضعت مواجهة الفيروس المجتمع أمام السؤالين عينهما حول جاهزية القطاع الصحي الاستيعابية (والتقنية) وقدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الصحية وشروط ذلك. إلّا أنّ للوضعية اللبنانية خصوصيّة معيّنة: فقد رسا النظام السياسي القائم أقلّه منذ ثلاثة عقود[2]، تحديداً على فكرتَي توليد الخوف وتجريد المواطنين من حقوقهم، وتحويلهم إلى “رعايا” يسهّل استقطابهم من قبل كل زعيم ضمن ملل، لقاء الوعد بتأمين الحماية لهم عسكرياً وأمنياً أحياناً، واقتصادياً واجتماعياً أحياناً أخرى، من خلال الزبائنيّة والمحسوبية. وأتت الجائحة عقب انتفاضة شعبية عارمة انطلقت في 17 تشرين 2019 للمطالبة بالمحاسبة والتغيير السياسي، في إثر تكشّف مدى إفلاس النظام والخسائر الفادحة التي كبّدها للمجتمع، واضعاً إياه أمام أسوأ أزمة مالية، ونقدية، واقتصادية واجتماعية عرفها في تاريخه. وبرزت مخاطر محاولة المنظومة المترنّحة منذ 17 تشرين لالتقاط أنفاسها وتوظيف الواقع الذي أفرزته الجائحة لإعادة إنتاج نفسها.

أمام كلّ ذلك، تقترح هذه المقالة البحث عن إجابات على هذين السؤالين، وربطها بالمنظومة السياسية القائمة، انطلاقاً من تفكيك إشكاليات الوصول إلى الحق في الصحة في لبنان ما قبل الجائحة، وتعاطي السلطات والمنظومة التقليدية مع الجائحة، وصولاً إلى ما يقتضي الدفع باتجاهه اليوم.

الوصول إلى الحق في الصحة في لبنان: نصف اللبنانيين لا يتمتّعون بالتغطية الصحّية سوى من باب “الصدقة”

في لبنان، شكّلت منظومة الحكم القائمة منذ عقود، العائق الأساسي أمام قيام دولة حقيقية تؤمّن الحقوق للمواطنين، بعيداً عن منطق المنّة، وتؤمّن التوزيع العادل للثروات والموارد، بدل محاصصتها بين زعماء الملل، تمهيداً لتوزيع فتات منها لمن يقدّم الولاء لهم. ولم يستثنَ القطاع الصحي ولا التغطية الصحية، على الرّغم من أهميّتهما الحيوية، من هذه القاعدة.

نصف الشعب اللبناني غير مشمول بأيّ تغطية صحّية نظامية

في حين يشكّل الضمان الاجتماعي ضرورة اجتماعية واقتصادية، وحقاً من حقوق الإنسان الذي كرّسته المواثيق والقوانين الدولية[3]، ويرتبط بشكل وثيق بالحق في الصحة، لا يحظى أكثر من نصف المجتمع اللبناني (53%) بأيّ شكل من أشكال التغطية الصحّية النظامية[4]، وبالتالي يُحرمون من الوصول إلى الخدمات الصحّية اللازمة.

وتشير دراسة لوزارة الشؤون الاجتماعية صادرة في 2005 إلى أنّ 23.4% فقط من اللبنانيين مشمولون بالتغطية الصحّية من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بينما توزّع نسبة التغطية المتبقية على صناديق أخرى (4.3% تعاونية موظفي الدولة /9% صناديق السلك العسكري/ 6.6% شركات خاصة إلخ.).

وأسباب ضعف نسبة تمتّع اللبنانيين بالتغطية الصحّية متعدّدة. ففي حين أنشئت مؤسّسة الضمان الاجتماعي عام 1963 بهدف تأمين تغطية صحّية شاملة لجميع اللبنانيين، إلّا أنّ مراحل تطبيقها وميدانه جاءت متدرّجة (في المرحلة الأولى شملت فئات مختلفة من الأجراء – المادة 9 – وفي المرحلة الثانية، العاملين في مؤسّسة زراعية لحساب رب عمل – المادة 10 -)، على أن يعمد قانون خاص في المرحلة الثالثة، إلى تحديد شروط تطبيق نظام الضمان الاجتماعي على الأشخاص غير المشمولين بالمرحلتين الأولى والثانية (المادة 12). إلّا أنّه لم يصدر هذا القانون حتى اليوم ويبقى الأشخاص المنضوون في المرحلة الثالثة، ونسبتهم تتعدّى 70% من الشعب اللبناني، خارج نظام تغطية الضمان الاجتماعي.

كما نجد سبباً أساسياً آخر لضعف نسبة اللبنانيين المشمولين بالتغطية الصحّية، وهو ربط الاستفادة من هذه التغطية بالعمل، إذ يجري تأمين تمويل الجزء الأكبر من إنفاق الضمان الاجتماعي[5] من خلال اشتراكات أصحاب العمل والأجراء (إلى جانب تحمّل الدولة 25% من هذه التمويل). غير أنّ الأرقام تشير إلى ارتفاع نسبة العمالة غير النظامية في لبنان (أي العمل الحرّ الذي لا يسمح بالاستفادة من الضمان، أو الأجراء الذين لا يسجّلهم أرباب العمل في الضمان ولا يدفعون الاشتراكات عنهم بشكل مخالف للقانون) بحيث تصل إلى ما يقارب 55%[6].

وتتبدّى خطورة ما سبق – أي ربط الاستفادة من هذه التغطية بالعمل – في “توقّف استفادة المضمونين بعد سنّ التقاعد أو في حال البطالة أو التقاعد المبكر، وهي الحالات التي يكونون فيها في ذروة حاجتهم إلى التغطية الصحّية مما يعرّضهم لأشكال شتّى من الإفقار والهشاشة الاجتماعية[7].

وزارة الصحة تغطّي نصف اللبنانيين من باب “الصدقة”: مأسسة الزبائنيّة والمحسوبية

يترك هذا الواقع أكثر من نصف اللبنانيين غير المشمولين بالتغطية الصحّية في وضع شديد الهشاشة، ممّا يضطرّهم إلى اللجوء إلى وزارة الصحة للاستفادة من “مساعداتها”[8]. وبالفعل، وإذ تتولّى وزارة الصحّة بحسب الأنظمة المرعية الإجراء[9] أساساً “الحفاظ على الصحّة العامّة، ورفع مستواها وذلك بتأمين الوقاية من الأمراض، (…) والإشراف على المؤسّسات الصحّية الخاصّة وفقاً لأحكام القوانين الخاصّة بها [و] إعداد المقترحات بالتشريع والتعديل في القوانين والأنظمة المتعلّقة بكافّة حقول الصحّة العامّة”، تُعنى بحسب النص نفسه بمعالجة المرضى في إطار “مساعدة المحتاجين” من بينهم فقط. بمعنى آخر، عمدت ممارسة الحكومات المتعاقبة إلى تشييد بناء ضخم على صلاحية عرَضية للوزارة بـ”معالجة المرضى المحتاجين”، حوّلها إلى وزارة تقدّم المساعدات في مجال التغطية الصحّية لأكثر من مليوني لبناني، وذلك خارج صلاحيّاتها الأساسية. وبالتالي لا صعوبة لفهم “تناتش” القوى السياسية المختلفة التي شاركت في تشكيل الحكومات لهذه الوزارة، مع ما تكرّسه من سلطة تحكّم بتأمين الغطاء الصحّي لنصف الشعب اللبناني الموضوع في موقع “المحتاج”، ومن ارتهان المواطنين لـ”الزعيم” – عادة من يتولّى وزارة الصحة – في حقّهم في التغطية الصحّية. فبات الحق في الصحّة في لبنان خاضعاً لمنطق “المنّة”. وما يزيد من هشاشة المواطنين المرتهنين لوزارة الصحّة هو الضبابية التي تسود عملية الاستفادة من هذه “المساعدة” التي تكون عادةً رهينة المحسوبيّات والزبائنية.

لا مساواة في معايير وشروط التغطية الصحّية بين اللبنانيين

يؤدّي عدم شمول أكثر من نصف اللبنانيين بالتغطية الصحّية من جهة، وتعدّد صناديق التغطية الصحية المختلفة التي يستفيد منها النصف الآخر من جهة أخرى، إلى عدم مساواة في معايير التغطية ومستواها وكلفتها.

ففي حين تؤمّن وزارة الصحّة 85% من التغطية لمن ترتضي شمولهم بمساعداتها، يحصل المستفيدون من تغطية الأسلاك العسكرية على تغطية 100% من أكلاف الاستشفاء كما يستفيد الزوج/الزوجة من 75% من التغطية والأهل من 50%. أما المستفيدون من تغطية الضمان الاجتماعي فيحصلون على 90% من أكلاف الاستشفاء ولا يستفيد الزوج من أيّة تغطية إذا كانت الزوجة هي المضمونة إلّا في حال تجاوز سنّه الستّين سنة أو في حال كان مصاباً بعاهة. ولا يستفيد الأهل من أيّة تغطية إلّا إذا تجاوزوا 60 سنة من العمر ويعيشون في منازل معيليهم.

من جهة أخرى، لا يستفيد المضمونون في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من تغطية فرع ضمان المرض والأمومة بعد سنّ التقاعد أو في حالة البطالة أو التقاعد المبكر، بينما يتمتّع المستفيدون من نظام تعاونية موظفي الدولة من التغطية الصحّية حتى بعد التقاعد.

بالإضافة إلى ذلك، لا يدفع المستفيدون من تغطية الأسلاك العسكرية أيّ اشتراك بينما يدفع الأجراء 2% من أجرهم وأصحاب العمل 7% من الأجر كاشتراكات لصندوق المرض والأمومة في الضمان الاجتماعي.

وبالطبع، وأبعد من لا مساواة اللبنانيين في حقّهم في الصحة، من شأن تعدّد الصناديق الضامنة إضعاف القوّة التفاوضية للضمان الاجتماعي كممثل أوحد للجهة الضامنة لجميع اللبنانيين ممّا يؤثّر على كلفة الفاتورة الصحّية التي تتحمّل ميزانيات الأسر نصفها تقريباً[10].

إهمال وزارة الصحّة لمهامها الأساسية: ماذا بشأن الخدمات الصحّية؟

طبعاً، يترجم خيار السياسات العامّة بتضخيم دور وزارة الصحة في تأمين التغطية الصحّية لنصف الشعب اللبناني، خدمة لعلاقة الزبائنية بين “الرعايا” و”الزعيم”، خيارات غير عقلانية على مستوى الإنفاق. فتقدّر كلفة تغطية وزارة الصحة لنصف اللبنانيين بـ450 مليار ليرة (300 مليون دولار سنوياً يوم كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة لبنانية)، وهي عملياً مبالغ ترصدها الوزارة “من موازنتها لحساب قطاع الاستشفاء الخاص كتغطية للمرضى الذين يعالجون على نفقتها (…) وقد اختصر دور وزارة الصحة منذ عشرات السنين بسياسات ارتجالية قائمة على تقديم المال العام للقطاع الخاص تحت عنوان التغطية الصحّية من قِبل الدولة، أكان لجهة الاستشفاء أو لشراء الأدوية والمعدّات الأجنبية أو غيرها. تلك سياسات استهلاكية تفتح الباب أمام إغناء القطاع الخاص وإفساح المجال لتضخيم فواتيره الاستشفائية وصولاً إلى فواتير وهمية”[11]. وترتفع التكلفة التي تتكبّدها الدولة إذا احتسبنا إلى جانب ميزانية وزارة الصحّة المرصودة لتغطية نصف اللبنانيين، مساهمة الدولة في صناديق التغطية المختلفة، إلى 1100 مليار ليرة، في حين أنّ دراسة الكلفة الإجمالية لنظام تغطية صحّية شامل وموحّد لكلّ المقيمين والذي تقدّم بمشروعه وزير العمل السابق شربل نحاس (2011) بلغت 2000 مليار ليرة لبنانية.

يترافق ذلك مع إهمال الوزارة أدوراها الأساسيّة في حماية الصحّة العامّة وتنظيم الخدمات الصحّية العامّة أوّلاً، وضبط تلك التي يقدّمها القطاع الخاص ثانياً.

فيتّسم النظام الصحّي الحالي بضعف الطب الوقائي والرعاية الصحّية الأوّلية[12]، وضعف القطاع العام تحديداً في ما خصّ المستشفيات الحكومية[13]، و”فائض في العرض (نسبة الأطبّاء والأسرّة والتجهيزات والصيدليات إلى عدد المقيمين)، ما يساهم في تكريس مستويات مرتفعة للكلفة الصحّية ويضغط على الموارد الاقتصادية المتاحة مع تجاوز الفاتورة الصحّية الإجمالية للمجتمع اللبناني عتبة 8% من الناتج المحلي القائم (2009) (…) ما يسهم في رفع الكلفة الصحّية التي يتكبّدها المجتمع، بل ينعكس سلباً على المؤشّرات الصحّية الأساسية”[14].

وفائض العرض هذا لا يُترجم بشكل متساوٍ بين المناطق، فتتفاوت نسبة الأطبّاء والأسرّة والتجهيزات والصيدليات إلى عدد المقيمين بين مختلف المناطق. ويقع هذا التوزيع من ضمن المهام الأساسية لوزارة الصحّة وفق القانون[15].

وفي هذا السياق، كانت النائبة عناية عزّ الدين وهي عضوة في كتلة “التنمية والتحرير” (وكانت وزيرة دولة لشؤون التنمية الإدارية سابقاً) اعتبرت مؤخراً في تصريح بمناسبة “اليوم العالمي للتغطية الصحّية الشاملة”، أنّ “معظم الإنفاق على الصحّة هو إنفاق استشفائي وليس على الرّعاية الصحّية الأوّلية أو الوقاية كما أنّ معظم الإنفاق من المال العام على الاستشفاء يتمّ داخل القطاع الخاصّ في ظلّ شفافية ضعيفة جداً في العلاقة”.[16]

سياسات عامّة تضرب مؤسّسة الضمان الاجتماعي

فضلاً عن عدم استفادة أكثر من نصف اللبنانيين منه، يعاني صندوق الضمان الاجتماعي من عجز مالي بنيوي، جرّاء السياسات العامّة المتّبعة خلال العقود الأخيرة. فإلى جانب إدخال السّلطة بعض الفئات إليه من دون أيّ دراسات جدّية[17]، انطلاقاً من منطق الزبائنية وبناء الولاءات، تخلّفت الحكومات المتعاقبة عن دفع حصّة الدولة من ميزانية الصندوق، كما عن دفع الاشتراكات عن العاملين في القطاع العام وعمدت إلى إلغاء الغرامات المترتّبة على أصحاب العمل الممتنعين عن دفع اشتراكاتهم من باب التسوية. كما غابت الرقابة الفعّالة من قبل وزارة العمل على صحّة تصاريح أرباب العمل. كما عانى الصندوق من سوء إدارة مالية مزمنة، سواء من خلال خيارات توظيف أموال صناديق الضمان (بشكل أساسي في سندات الخزينة عوضاً عن اللجوء إلى التنوّع في التوظيف)، واستخدام أموال صندوق نهاية الخدمة لسدّ العجز في صندوق المرض والأمومة[18].

أداء “السّلطة” و”الزعماء” والأحزاب في مواجهة جائحة كورونا: محاولة لاسترجاع مواقع القوّة

وصلت جائحة كورونا أواخر شهر شباط 2020 إلى لبنان مع إعلان وزير الصحّة عن الإصابة الأولى، وواقع القطاع الصحّي والوصول إلى التغطية الصحّية كما أسلفنا. فتخبّطت “السّلطة” ضمن الإمكانيّات المتاحة – ولا زالت –، واقتنص “الزعماء” والأحزاب الفرصة لاستعادة مواقع القوّة والإمساك بالمجتمع من خلال الحلول مكان الدولة.

“سلطة” تتخبّط ضمن الإمكانيّات المتاحة

برزت سريعاً مع وصول الجائحة إلى لبنان، أهمية إجراء فحوصات الكشف عن الإصابة بالفيروس PCR للمساهمة في الحدّ الفعّال من انتشاره. وكان إجراء فحص الكشف كما استقبال المرضى للعلاج محصوراً في المرحلة الأولى بمستشفى بيروت الحكومي (مستشفى رفيق الحريري) وبشكل مجّاني. ولكن اعتمدت شروط مشدّدة جداً لإجراء الفحص، منها أن يكون الشخص قادماً من دولة موبوءة، أو خالط شخصاً تأكّدت إصابته، أو تظهر عليه عوارض شديدة الوضوح. إلّا أنّه مع ازدياد الضغط على المستشفى الحكومي، توسّع إجراء فحص الكشف على عدد من المستشفيات الخاصّة وخصوصاً الجامعية[19] ولكن بمقابل مالي (تمّ تحديد كلفته القصوى من قبل وزارة الصحة بـ150.000 ليرة لبنانية أي 100 دولار بحسب سعر صرف مصرف لبنان)، كما تراجعت المستشفيات الحكومية عن مجّانية فحص الكشف. فباتت التسعيرة في القطاع الحكومي عند 100.000 ليرة أمّا في ما خصّ الأفراد غير القادرين على تحمّل تكلفة فحص الكشف، فأكّدت المصادر لدى وزارة الصحة وضع خطّ ساخن في تصرّف المواطنين، بغية إجراء الفحص على نفقة الوزارة، مع اشتراط بروز عوارض على الشخص المعني.

ويمكن اعتبار التراجع عن مجانية إجراء فحص الكشف عن الإصابة وتقييدها على الوجه المذكور عاملاً يثني العديد من الأشخاص (تحديداً حاملي الفيروس الذين لا تظهر عليهم عوارض) من الوصول إلى فحص الكشف مع ما لذلك من أثر على السلامة العامّة، ومخالفة لقانون “الأمراض المعدية في لبنان” (رقم 0/1957) حيث تنصّ المادة 9 منه على أنّه وفي حال هدّد وباء كافة أراضي الجمهورية وانتشر فيها من دون أن تكون سبل الوقاية المحلية كافية، تتحمّل “نفقات التنفيذ (…) الحكومة سواء كانت للأشخاص أو للمعدّات واللوازم وتتحمّل البلديّات الكبرى ربع هذه النفقات”.

وبعد الحديث مع مصادر طبّية موثوقة ومصادر داخل وزارة الصحّة والاتّصال بمعنيين من قطاع التأمين، يجدر تقديم ملاحظات عدّة:

في ما يخصّ الوصول إلى فحوصات الكشف عن الفيروس:

  • في المرحلة الأولى، وتبعاً لحصر إجراء فحوصات الكشف عن الفيروس بمستشفى بيروت الحكومي، تردّد العديد من الأشخاص عن التوجّه لإجراء الفحص، لسبب بسيط هو عدم الثقة الناجم عن الإهمال المزمن في المستشفيات الحكومية منذ عقود بسبب السياسات العامّة المتّبعة في لبنان (رغم الإجماع على قيام مستشفى بيروت الحكومي بعمل جيّد اليوم). كما أدّى ذلك إلى عدم وصول العديد من الأشخاص الموجودين في الأماكن البعيدة عن العاصمة إلى الفحص. وإن كان توسيع دائرة المستشفيات المخوّلة إجراءه، ومنها الحكوميّة في المناطق من شأنه تسهيل الوصول إلى الفحوصات، إلّا أنّ الإهمال المزمن والنقص في المعدّات والكوادر البشرية بسبب السياسات نفسها، جعلها غير قادرة على الاضطلاع بدورها، ودفع بعضها إلى طلب المساعدة من المستشفيات الخاصّة[20]. ولم يكن المصابون يعمدون إلى إجراء الفحص إلّا مع ظهور عوارض عليهم تحملهم إلى التوجّه إلى قسم الطوارئ. وكانت تضاف في هذه الحالة كلفة الكشفية في قسم الطورائ إلى ثمن الفحص ممّا رفع الفاتورة الإجمالية إلى ما يوازي 300.000 ليرة لبنانية.
  • ولكن، مع انتشار الوباء وزيادة أعداد المصابين (خصوصاً خلال الموجة الثانية أي بعد عودة انتشار الوباء بعد انحساره في أوائل شهر تموز)، ازدادت أعداد فحوصات الكشف وتوسّعت على القطاع الخاص الذي وجد فيها فرصة لجني أرباح طائلة. فباتت أعداد فحوصات الكشف تبلغ حوالي 26000 فحص يومياً بحسب مصادر وزارة الصحّة. وبقيت التسعيرة 150.000 ليرة. في القطاع الخاص، بحيث أدّى تثبيت التسعيرة في القطاع الحكومي عند 100.000 ليرة إلى التزام القطاع الخاص بالتسعيرة المشار إليها، مع العلم أنّ سعر كلفة إجراء الفحص أقلّ بكثير.
  • إنّ غالبية شركات التأمين لا تغطّي لا فحوصات الكشف عن الفيروس (ولا العلاج في المستشفى)، إذ تتضمّن أغلبية العقود النموذجية إقصاءً صريحاً لتغطية الجوائح باعتبار أنّها تقع ضمن مسؤولية الدولة[21].
  • أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد أصدر مذكّرة[22] حدّد فيها تعرفة الفحص المخبري القصوى بـ150.000 ليرة، والضوابط التي يقتضي إدراجها في التقرير الطبي عن الحالة المحتمل إصابتها بالفيروس، وهي حرارة مرتفعة وسعال حادّ ووجع رأس مؤلم جداً وضيق نفس حادّ. بمعنى آخر، من المرجّح أنّ جميع حاملي الفيروس المحتملين الذين لا تظهر عليهم عوارض حرجة (ونذكّر هنا أنّه وفي 80% من الحالات تكون هذه العوارض طفيفة أو غير موجودة) لن يستفيدوا من التغطية.

ولا بدّ من التذكير هنا بأهمّية توفير الفحوصات على أوسع نطاق ومن دون كلفة، لما في ذلك من آثار أكيدة على التصدّي لانتشار الفيروس، وخفض عدد الوفيات. وتزداد أهمية توفير الوصول إلى الفحوصات تحديداً في مرحلة التوجّه إلى تخفيف إجراءات الحجر المنزلي، إذ أنّ فحوصات واسعة الانتشار تسمح بعزل الأشخاص المصابين عن الأصحّاء. وهذا ما عمدت إليه الدول التي لم تتّجه نحو خيار الحجر المنزلي وحظر التجوّل، بل إلى التباعد الاجتماعي الفعّال مع تأمين الوصول إلى فحص الكشف بشكل واسع مثل كوريا الجنوبية.

أمّا على صعيد تغطية نفقات العلاج الطبّي:

  • بات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يغطّي نفقات علاج المصابين في المستشفيات، وبات يأخذ بعين الاعتبار في سقف التّغطية المستلزمات الوقائية للطواقم الطبّية ليس بشكل كامل بل بما يكفي 4 أو 5 أيام (وكانت هذه نقطة إشكالية تسبّبت في المرحلة الأولى بعدم اعتراف بعض المستشفيات بتغطية الصندوق حيث لم يكن الصندوق يأخذها بعين الاعتبار في تغطيته لنفقات العلاج). وعلى الرغم من ذلك، يبقى في أغلب الأحيان على عاتق المرضى عبء تغطية جزء من النفقات، يصل في بعض المستشفيات الخاصّة إلى 4 ملايين ليرة للعلاج في غرفة عادية، و10 ملايين ليرة للعلاج في العناية الفائقة.
  • لا تغطي غالبية شركات التأمين نفقات العلاج في المستشفى (ولا فحوصات الكشف عن الفيروس) كما أسلفنا، للأسباب المذكورة أعلاه. وهنا تقتضي الإشارة إلى أنّ عقود التأمين الجماعيّة للمهندسين والأطبّاء مثلاً، لا تؤمّن لهم تغطية نفقات العلاج في المستشفى (ولا فحوصات الكشف)، ممّا حمل بعض النقابات المهنية إلى اتخاذ قرار تغطية علاج أعضاء النقابة في المستشفى مباشرة من قبل الصندوق النقابي، كما هي حال نقابة المحامين مثلاً.

أبعد من كلّ ذلك، وبالنسبة إلى تأمين وصول المرضى إلى العلاج، يتكشّف الواقع التالي أمامنا:

  • في المرحلة الأولى، نأتْ[23] المستشفيات الخاصّة بنفسها عن معالجة المصابين، إذ لم يكن يتلقّى العلاج في المستشفيات الخاصّة سوى الأشخاص الذين يتمتّعون بامتياز ما (شخصيات سياسية، أو الطاقم الطبّي الخاص بالمستشفى إلخ…). وكان نقيب المستشفيات الخاصّة في لبنان سليمان هارون قد عزا ذلك في حديث إلى “المدن” إلى خشية المستشفيات الخاصّة من “عزوف باقي المرضى عن دخول المستشفى”[24]، إلى جانب أزمة المستلزمات الطبّية التي تشهدها البلاد مع الأزمة المالية والمصرفية القائمة.

ولكن مع انتشار أعداد المصابين، وانحسار الفوبيا التي تسبّب بها الوباء في البداية، تنبّهت المستشفيات إلى الفرصة الربحيّة الكبيرة التي توفّرها الجائحة، فاستحدثت العديد منها أجنحة خاصّة بمعالجة المصابين بـCovid-19 مع وصول تكلفة العلاج للمريض في غرفة عادية إلى 20 مليون ليرة و30 مليون ليرة في العناية الفائقة.

واليوم، مع الازدياد المطّرد في أعداد المصابين (أكثر من 3000 حالة يومياً) وأنباء عن وصول السعة الاستيعابية في المستشفيات إلى حدّها الأقصى، وضرورة رفع جهوزية القطاع الصحّي، صدر قرار ملفت بتاريخ 5/1/2021، موقّع من أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة، بناءً على مرسوم تمديد إعلان التعبئة العامّة حتّى 31/3/2021، وضرورات المصلحة العامّة ومقتضيات السلامة، يشير إلى إعطاء رئيسَي الجمهورية والحكومة موافقة استثنائية عليه (من دون وجود أيّ من توقيعَيْهما عليه)، يقضي بالإغلاق الكامل للبلاد بين 7/1/2021 و1/2/2021. ويتضمّن القرار إجراءات عديدة، لا سيّما “الطلب إلى الوزراء المعنيين اتخاذ أشدّ الإجراءات التي يتيحها القانون وحالة التعبئة العامّة المُعلنة في سبيل إلزام المستشفيات الخاصّة استحداث أسرّة عناية فائقة مخصّصة لمعالجة مرضى كورونا، بما فيها الطلب إلى الهيئات الضامنة وقف العمل مع المستشفيات التي لا تقوم باستقبال حالات كورونا”. كما حدّد القرار عدد أسرّة العناية الفائقة التي على كل مستشفى خاصّة تأمينها بحسب تصنيف المستشفى، ليصل هذا العدد إلى 12 سريراً وما فوق للمستشفيات الجامعية. وإن شابت أصول القرار الشكلية تساؤلات عديدة لا سيّما حول صلاحية الجهة التي اتخذته، غير أنّه يعتبر الخطوة الأجرأ للدولة منذ بداية الجائحة، لممارسة الصلاحيات التي تتيحها لها قرارات التعبئة العامّة، ولو بشكل خجول إذ أنّ العقوبة المستحدثة للتصدّي لرفض المستشفيات الخاصّة الانصياع إلى القرار (أي الطلب إلى الهيئات الضامنة وقف التعامل معها) غير كافية على الإطلاق.

وهنا بيت القصيد: هل تتجرّأ الدولة أمام الخطر المحدق بالصحّة والسلامة العامّة، واستجابة للضرورة الطارئة في رفع جهوزية القطاع الصحّي وسط الأرقام المتداولة بأنّ نسبة إشغال أسرّة العناية الفائقة بلغت 86.4% والأسرّة المخصّصة لعلاج المصابين 72.6%[25]، على اتّخاذ خطوات أبعد؟ كأنْ تقرّر وضع اليد على المستشفيات الخاصّة غير المتعاونة، أو على المعدّات الطبيّة، وهو ما تسمح به التعبئة العامّة[26] التي أعلنتها الحكومة في 15/3/2020، تماماً كما جرى في دول أخرى كإسبانيا[27] مثلاً؟.

فأمام الواقع الموصوف أعلاه، يعتبر دور الدولة مفصلياً في تأمين الوصول إلى الفحوصات والعلاج الطبّي والأدوية (إلى جانب تأمين سبل الالتزام بالحجر المنزلي) مجّاناً للجميع، وتحديداً الفئات الأكثر هشاشة من لاجئين وسجناء إلخ… فخصوصيّة الفيروسات تكمن في أنّها لا تميّز في انتشارها بين عرق أو دين أو جنسية أو طبقة اجتماعية. وفي ذلك إثبات مرّة جديدة لأهمية إعادة النّظر في السياسات العامّة وتأمين الوصول إلى تغطية صحيّة شاملة لكلّ المقيمين، إذ لوضعية “الآخرين” الصحّية والاجتماعية تأثير مباشر على كلّ فرد من المجتمع.

“الزعماء” والأحزاب يسارعون إلى الاستيلاء على دور الدولة

مع تكشّف مفاعيل جائحة كورونا، بدأ “الزعماء” والأحزاب التقليدية هجمة مضادّة سعياً لاستعادة قبضتهم على المجتمع ومكانتهم المعهودة في المشهد العام، بعدما كانت نجحت انتفاضة 17 تشرين في بدء انحسارها.

فوجد الزعماء والأحزاب في الخوف المتولّد عن الجائحة، تحديداً من جرّاء ضعف إمكانيات الدولة والواقع الراسخ في الذاكرة المشتركة للبنانيين بأنّ “الدولة غير قادرة” جرّاء السياسات العامّة المتّبعة، فرصة ذهبية لاستعادة المواقع والانقضاض على دور الدولة “الضعيفة”. فبدأوا (إلى جانب أصحاب المصارف وبعض أصحاب الأعمال أصحاب المصالح أمثال وسام عاشور) عملية توظيف واسعة للواقع الحالي من أجل شراء الولاءات واكتساب المزيد من الوقت لإعادة وضع يدهم على الواقع المجتمعي تحديداً من خلال التبرّع لمستشفيات حكومية أو جهات إسعاف، أو وضع أبنية أو فنادق بتصرّف وزارة الصحة، أو تحريك أجنحتهم الطبية والصحية والخيرية[28].

فعلى سبيل المثال، وفي مقابلة على قناة “الجديد” عشية وصول أول دفعة من المغتربين الراغبين في العودة إلى لبنان (4/4/2020)، أكّد وزير الصحة حمد حسن، وعند سؤاله عن تأمين الأسرّة الكافية لحجر المغتربين اللبنانيين، أنه تم تأمين 80% من الأسرّة الضرورية. وتعمّد الإشارة إلى أنّ رئيس مجلس النوّاب نبيه بري قدّم فندقاً مثله مثل التيار الوطني الحرّ. كما تبرّع[29] نجيب ميقاتي[30] بـ80 مليون ليرة إلى المستشفى الحكومي في طرابلس، ووليد جنبلاط[31] بـ500 ألف دولار لمستشفى رفيق الحريري و100 ألف دولار للصليب الأحمر، وجمعية المصارف بمبلغ 6 ملايين دولار لشراء 120 جهاز تنفّس وتجهيز أجنحة خاصّة لمعالجة المصابين بكورونا في عدد من المستشفيات الحكومية في مختلف محافظات لبنان.

كما أعلن النائب ميشال ضاهر[32] في بيان “للزحليين وأهالي القضاء بأنّ الشركة التي [كان قد تعاقد] معها لشراء المختبر الخاص لإجراء فحوصات كورونا، قد أوصلت المعدّات اللازمة إلى مستشفى الهراوي الحكومي، وسيكون المختبر جاهزاً لإجراء 100 فحص كورونا في اليوم الواحد (…)”. وأشار إلى “مبادرة من  السيّدة ميريم السكاف[33] لتقديم 10 كيت (KIT) لزوم المختبر وذلك لإجراء حوالي 1000 فحص كورونا”.

وعمدت أكثرية ساحقة من الأحزاب[34] إلى الحلول محلّ الدولة والاضطلاع بوظائفها، من خلال إنشاء خلايا تواكب الأزمة الصحّية أو وضع خطط لمواجهتها[35]. ووضعت مثلاً حركة أمل “جهاز الدفاع المدني التابع لكشّافة الرّسالة الإسلامية بكوادره البشرية وسيارات إسعافه في حالة جهوزية تامّة للتطوّع لنقل أيّ حالة بناء على طلب الوزارة المعنيّة، كما وضعت جزءاً كبيراً من مراكزها التربوية والصحّية في تصرّف وزارة الصحّة لاستعمالها كمراكز حجر صحي إن استدعى الواقع الصحّي الرّاهن ذلك”. كذلك فعل النائب فيصل كرامي[36] الذي أعلن عن “وضع كلّ إمكانات مؤسّسات الكرامة للعمل الخيري في تصرّف الهيئات الصحّية”. أما التّيار الوطني الحرّ، فعمد إلى “تأمين فحص مجّاني لكورونا لذوي حالات محدّدة“، وإطلاق خطّ ساخن لتلقّي اتّصالات المواطنين وتصنيع أجهزة تنفّس “صمّمها ونفّذها مهندسون تيّاريون” لتكون في تصرّف من يحتاجها. كذلك عمدت جمعية العزم من خلال منحة من نجيب ميقاتي إلى تأمين وحدَتَي PCR لفحص المحتاجين[37].

لكن الخطوة الأضخم في هذا المجال كانت إعلان خطّة “حزب الله” لمكافحة كورونا التي تضمّنت إنفاق 3.5 مليارات ليرة وتدريب 15 ألف شخصاً، وقيام 24500 من أطبّاء ومسعفين بالعمل على تنفيذ هذه الخطة.

وحمل واقع استعادة الأحزاب التقليدية “الوقح” لتموضعها مكان الدولة عدداً من الجمعيات إلى توقيع بيان مشترك أكّدت فيه على “أنّ انفراد كلّ قوّة سياسية في تنظيم شؤون منطقتها بوسائلها الخاصّة وتسخير مؤسّسات الدولة ومواردها في سبيل ذلك، سوف يؤدّي إلى تهاوي الدولة والمؤسّسات في وقت حرج ثبت فيه أنّ التصدي للأزمة يتطلّب دولة وقطاعاً عاماً فعّالاً”[38].

ومؤخّراً (3/1/2021)، وفي حديث تلفزيوني، أشار وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن في تعليقه على رسم بياني لتوزّع عدد الحالات بحسب الأقضية إلى أنّ أغلب الحالات سجّلت في مناطق فيها أكثرية مسيحية، وأنه و”لهذا السبّب، تواصل مع غبطة البطريرك (بشارة الرّاعي)، كما ينوي زيارته”.

في سبيل تدعيم مكتسبات 17 تشرين: وحدها دولة الرّعاية الاجتماعية تحمي المجتمع

تفرض الأزمة المستجدّة استخلاص العبر ووضع سياسات عامّة تُعزّز “شبكة الأمان الاجتماعية”، وتكريس مشروعية الدولة ووظيفتها الاجتماعية، بدءاً من صون الحق في الصحّة وتأمين وصول الجميع إلى أنظمة رعاية صحّية عامّة (إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية الأخرى من تعليم وعمل وحماية اجتماعية). وهذا التحدّي ليس محصوراً بلبنان بل يأخذ أبعاداً عالمية، حيث يعود إلى الواجهة بقوّة الحديث عن “عودة دولة الرّعاية” التي تصوّر كأنّها الوحيدة القادرة على حماية المجتمع في وسط أزمات كتلك التي نشهدها. وقد برز هنا معيار التمييز بين الإجراءات التي اتّخذتها الدول لمكافحة انتشار الفيروس[39]: في حين تعمل الأنظمة النيولبرالية المحكومة بمصالح قلّة قليلة على وضع كلّ الجهود “لتسطيح منحنى الإصابات” من خلال أشكال مختلفة من الحجر تضع الثقل والمسؤولية كلّها على الأفراد، تعمد دولة الرّعاية الاجتماعية على “رفع سقف جهوزية” الأنظمة الصحّية. إذ تبيّن أنّ سياسات التقشّف بالإنفاق العام على القطاع الصحّي أدّت إلى كشف العديد من الدول “المتقدّمة” أمام الفيروس، وحصده أعداداً قياسية من الضحايا[40].

وتقتضي الإشارة هنا إلى أنه وفي 17/10/2019، صدر قرار عن الاتحاد البرلماني الدولي بشأن تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول 2030، يدعو البرلمانات إلى “اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحقيق التغطية الصحّية الشاملة”، وإلى وضع أطر قانونية متينة وتخصيص موارد كافية في سبيل ذلك. وأتى ذلك بعد شهر من اعتماد رؤساء الدول إعلان الأمم المتّحدة بشأن التغطية الصحّية الشاملة في نيويورك[41].

بالعودة إلى لبنان، لا بدّ من التذكير في هذا الإطار بمحاولة وزير العمل السابق شربل نحاس (2011) الذي طرح مشروع قانون يرمي إلى تأمين تغطية صحّية شاملة تغطّي جميع المقيمين، بمعزل عن وضعهم القانوني في العمل. وأوصى بتمويل هذا المشروع بعد إلغاء الاشتراكات للضمان عبر الضرائب، خصوصاً على الريوع المصرفية والعقارية[42]. وبالطّبع تمّ إجهاض المشروع من قبل المنظومة الحاكمة. ولكن تعود إلى الواجهة اليوم جدوى هذا المشروع كأوّل مدماك ضمن “شبكة الأمان الاجتماعية” نظراً إلى المخاطر المرتفعة المرتبطة بازدياد نسبة البطالة بشكل غير مسبوق في إثر الأزمة الحادّة التي يشهدها لبنان، والتي أتت جائحة كورونا والتدابير المتخذة لتزيد من آثارها على سوق العمل، وتضع مزيداً من السكّان في أوضاع اجتماعية شديدة الصعوبة. وتبقى إذاً قائمة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى الاعتبارات التي بُني عليها “مشروع التغطية الصحّية الشاملة” وهي ضرورة “استحداث سياسات تخفّف من الأعباء على عوامل الإنتاج وتعزّز إيجاد فرص العمل وطابعه النظامي، وبالتالي فإنّ إلغاء هذه الاشتراكات وتمويل التغطية الصحّية الشاملة من الموازنة العامّة يصبّ في هذا الاتجاه” [43].

طبعاً، لا بدّ أن تترافق المحاولات هذه بضرورة تكييف مصادر التمويل التي كانت متاحة عندها مع وضعية الدولة المفلسة حالياً، واستحداث نظم جديدة للتمويل العام لا مكان هنا للغوص فيها، نذكر منها فقط الضريبة الاستثنائية على رأس المال التي تسمح بإعادة تكوين مخزون من مقدّرات الدولة. ونكتفي بالإحالة إلى مقالات أخرى في “المفكّرة القانونية” تصدّت لهذه الإشكالية.

يبقى أن نختم بالسؤال: هل سيشكّل الظرف الحالي فرصة لمنظومة التحالف القائمة بين الزعماء وقلّة قليلة محتكرة للثروات لإعادة إنتاج نفسها وسطوتها على حيواتنا من خلال دعامات التبعية والزبانئية والمحسوبية؟ أم تشكّل هذه اللحظة فرصة لكسر هذه المحاولة ولتصويب النقاش حول ضرورة تكريس رابطة الحقوق بين المواطنين والدولة، بدءاً بالحق في الصحة، وحماية مكتسبات 17 تشرين وما يتطلّبه ذلك من تطوير للخدمات العامّة؟

 

لقراءة المقالة مترجمة إلى اللغة الانكليزية

 

  1. وهو حق من حقوق الإنسان كرّسته المواثيق والقوانين الدولية لا سيما المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
  2. رغم توجّه آخر يعتبر أنّ النظام اللبناني لم يتغيّر منذ تأسيس دولة لبنان الكبير (نظام محاصصة مللي)، مع حقبات معيّنة تعدّ استثناءات تحديداً حقبة فؤاد شهاب (1958-1964) التي شهدت سنّ قوانين وتأسيس مؤسّسات رسمت معالم دولة الرّعاية.
  3. لا سيما المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
  4. ولعلّ هذه النسبة قد ارتفعت اليوم
  5. أي تحديداً فرع ضمان المرض والأمومة.
  6. أنظر البيان المشترك حول استجابة الحكومة اللبنانية لأزمة انتشار جائحة كوفيد-19 الذي وقّعت عليه 27 جمعية غير حكومية، 8/4/2020.
  7. الأسباب الموجبة لمشروع التغطية الصحّية الذي قدّمه وزير العمل السابق شربل نحاس، 2011.
  8. أنظر محمد حمدان، دراسة معدّة في إطار حملة “حقّي عليّي”، غير منشورة.
  9. المادة 2 من مرسوم تنظيم وزارة الصحّة العامّة رقم 8377، الصادر في 30/12/1961.
  10. تشير دراسات البنك الدولي عام 2005 إلى أنّ 27% من الفاتورة الصحّية تؤمّن من خلال أنظمة التغطية الصحّية المختلفة؛ 15% من خلال الشركات الخاصّة؛ 14% من خلال وزارة الصحّة؛ و44% من خلال ميزانيّات الأسر. وترتفع نسبة تحمّل ميزانيات الأسر الفاتورة الصحّية إلى 80% إذا احتسبناها ضمن الإنفاق الخاص على الصحّة فقط.
  11. الأسباب الموجبة لمشروع التغطية الصحّية….؛ حسين منصور، “القطاع الصحّي في لبنان: لا بديل من الحلول الجذرية”، الأخبار 26/6/2019.
  12. Idem
  13. أصدرت وزارة الخارجية في 18/3/2020 التعميم رقم 5/1381 موجّهاً إلى جميع البعثات اللبنانية في الخارج تعلمهم فيه عن أرقام الحسابات المصرفية التي فتحتها وزارة المالية بهدف تلقّي التبرّعات، نظراً لحاجة لبنان الماسّة إلى تجهيزات وأدوية ومعدات لمكافحة انتشار الفيروس. أنظر أيضاً على سبيل المثال، وفيق الهواري، “ماذا عن التجهيزات المطلوبة للمستشفيات؟”، المركز اللبناني للأبحاث والدراسات، 28/3/2020: “مشكلة المستشفى الحكومي في صيدا هي نفسها مشكلة معظم المستشفيات الحكومية مشكلة غياب التجهيزات اللازمة وعدم تأهيل الفرق الطبية من أجل حمايتها والمحافظة عليها”.
  14. الأسباب الموجبة لمشروع التغطية الصحية….
  15. استناداً إلى المادة 39 من قانون تنظيم وزارة الصحّة العامّة.
  16. موقع النشرة الإلكتروني، 13/12/2020.
  17. الضمان الاختياري لطيّاري شركة طيران الشرق الأوسط MEA، والذي تمّ إلغاؤه لاستحالة تأمين استدامته المالية.
  18. كما شهدت الفترات السابقة محاولات مستمرّة لتقليص دور الضمان من خلال استثناء المنطقة الحرّة في طرابلس من الخضوع لقانون العمل وتالياً لموجب التصريح عن الأجراء لصندوق الضمان، وتجارب الضمان الاختياري من دون وضع الدراسات اللازمة وتأمين الشروط المناسبة لتأمين استدامته المالية.
  19. أنظري لائحة المستشفيات المؤهّلة إجراء الفحص المنشورة من قبل وزارة الصحة في 3/4/2020
  20. أعلنت الجامعة اللبنانية الأميركية LAU في 4/4/2020 عن عيادة متنقّلة Mobile clinic service لإجراء فحوصات PCR في الأطراف، وبدون أي كلفة للأشخاص غير القادرين على الخضوع له إن لعدم تمتّعهم بأيّ نوع من التغطية الصحّية أو التأمين الصحي، أم لعدم قدرتهم على تحمّل تكلفته. وبدأت مهامها من مستشفى النبطية الحكومي.
  21. لعلّ أحد الأسباب آثارها المادية الكارثية على الشركات نظراً لأعداد زبائنها الذين قد يضطرّون إلى دخول المستشفى.
  22. مذكرة إعلامية، 11/3/2020.
  23. عزّة الحاج حسن، “إذا تفشى كورونا في لبنان: هذه حال مستشفياتنا“، المدن 23/2/2020.
  24. المرجع نفسه.
  25. بتاريخ 5/1/2021
  26. المرسوم الاشتراعي رقم 52/1983.
  27. Thomas Lemahieu, L’Espagne n’hésite pas à réquisitionner, L’Humanité, 17 mars 2020.
  28. See Tamirace Fakhoury, Political Parties and Redistributive Power in the Lebanese State, LCPS, April 2020.
  29. خلال الحلقة الخاصة التي نظّمها الإعلامي مارسيل غانم وقناة MTV في 20/3/2020.
  30. رئيس حكومة سابق ونائب حالي.
  31. وزير ونائب سابق، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.
  32. في 1/4/2020.
  33. زوجة النائب السابق عن زحلة الياس سكاف.
  34. التقدمي الاشتراكي (الأنباء، 16 آذار 2020)، تيار المستقبل ، القوات اللبنانية، العزم (نجيب ميقاتي): خلية الأزمة في تيار العزم تعقد اجتماعاً في عكّار لمواجهة الكورونا (مقرّرات 17 آذار 2020)، الكتائب.
  35. بيان اللجنة المركزية للإعلام في التيار الوطني الحر، 17/3/2020.
  36. في 15/3/2020.
  37. “بتوجيه من الرئيس ميقاتي: تيار العزم إلى خطوات عملية لمواجهة كورونا في طرابلس” (مقرّرات اجتماع 15 آذار 2020).
  38. بيان مشترك لعدد من الجمعيات غير الحكومية “حول استجابة الحكومة اللبنانية الى ازمة انتشار جائحة كوفيد-19”.
  39. Gaël Giraud, Covid-19 : le retour
de l’Etat-providence?, Libération, 26 mars 2020.
  40. Ce qui les distingue, c’est leur rapport à la droite horizontale. Cette dernière ne tombe pas du ciel : elle est le résultat des politiques de santé publique menées au cours des décennies qui ont précédé. En France, nous disposons d’un lit de réanimation pour 13 600 personnes. En Italie, 1 pour 17 000. Outre-Rhin, 1 pour 8 300. Si aujourd’hui des Français meurent du coronavirus, c’est parce que trois décennies d’austérité budgétaire ont réduit la capacité de charge de notre système hospitalier public (…).L’Etat néolibéral, capturé par les intérêts privés de quelques-uns, considère la courbe horizontale comme une donnée «naturelle», intangible. Il n’a pas d’«argent magique» pour financer ses hôpitaux, accroître leur capacité d’accueil, sauver des vies. Il ne lui reste alors qu’à tenter d’agir sur la seule courbe grise en pratiquant, ou non, diverses variantes de confinement ». (Gaël Giraud, Covid-19.., op. cit.)
  41. https://www.who.int/ar/news-room/detail/18-02-1441-universal-health-coverage-passes-key-global-milestone.
  42. جاء في العرض التقديمي للمشروع، أنّ “التغطية الصحّية الشاملة والمموّلة من الموازنة العامّة تشكّل إحدى مكوّنات الأجر الإجتماعي”، وتسمح بـ”ترميم مشروعية الدولة ودورها، وترجمة التكافل الاجتماعي عملياً، وتصحيح استخدام الموارد، وتوسيع القدرة الشرائية للأسر والسوق الداخلية للمؤسّسات” (2 تشرين الثاني 2011).
  43. الأسباب الموجبة لمشروع التغطية الصحية.
انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، لبنان ، مجلة ، مجلة لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم