لا ورود لأمّهات شهداء 4 آب هذا العام


2021-03-22    |   

لا ورود لأمّهات شهداء 4 آب هذا العام
أمهات الشهداء في عيدهن

لا ورود ملوّنة تملأ منازل أمّهات شهداء تفجير المرفأ هذا العام، لا مفاجآت، لا هدايا، ولا حتى كلمة “ينعاد عليك يا أحلى ماما”. لا شيء سوى الحسرة على أيام جميلة مضت برفقة فلذات أكبادهنّ، ودعواتٍ من قلوبهنّ المحروقة تسقط كالسوط  على السياسيين والزعماء المسؤولين عن تفجير المرفأ.

“أني الليلة الماضية ما نمت، من مبارح ما نمت، عم اتذكّر كيف إبني علي كان يضلّ معجوق بعيد الأمهات”، تقول والدة الشهيد علي حسين زين الدين التي جاءت من البقاع لتشارك مع أمهات وزوجات وأخوات شهداء تفجير مرفأ بيروت في لقاء جمعهنّ السبت 20 آذار في كنيسة المخلّص للروم الكاثوليك بدعوةٍ من لجنة أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت وبحضور محافظ بيروت ورئيس بلديتها.

عويل الأمهات “ما في أصعب من الأم تدفن إبنها”

في صالون الكنيسة توزّعت النسوة، يواسين بعضهنّ البعض بالبكاء المشترك، وفي زاوية القاعة جلست والدة علي السبعينية التي أثقل الحزن كاهلها ومحيّاها، “تعبت من الطريق الطويلة، بس قلت ما كنت بدّي اتعب بيوم عرسه؟ اعتبرت هالنهار هو يوم عرسه لعلي”، تهدأ قليلاً وتعود لتناجي وحيدها  قائلة: “مين بدّو يجبلي الهدايا بكرا يا علي، مين بدو ينشغل فيني بكرا يا علي”، الدموع تلف وجنتيها وتنهمر على وشاحها، تستذكر العام الماضي وكيف أمضى علي الشتاء بكامله في منزل العائلة بعدما أقفلت البلاد بسبب جائحة كورونا، “كيّفت عاملوّل (عام الماضي) ضلني إسهر أنا وإيّاه للساعة 12 بالليل، يا ريت بترجع الأيام، هيدي السنة مرقت أمرّ من الصّبر (الصبّار)”. 

تجهش والدة الشهيد محمد دمج باكيةً، “ما في أعياد بغياب محمد كان فرحة البيت، كان الجسر لي موقّفنا على إجرينا”، تحتضن صورته وتبكي بحرقةٍ معتذرةً عن إكمال الحديث “مش عم يطلع صوتي اعذريني”. 

في باحة الكنيسة وبين المقاعد يلهو الأطفال اليتامى مرتدين ملابس بألوان زاهية، ينظرون في وجوه الأمهات الباكية، ينصتون إلى عويلهنّ، منهم من يفقه ما يجري، ومنهم من ستبقى هذه المناسبات مجرّد ومضاتٍ تلمع في ذاكراتهم في المستقبل البعيد، تذكّرهم بأنّ هناك من ناضل يوماً ما من أجل الحقيقة.

آل شماع زوجة الشهيد حسام البطل

وفي وسط القاعة حضرت سيدة، أنهك البكاء عينيها هي آلّ شمّاع زوجة الشهيد حسام البطل الذي استشهد في منزله مقابل المرفأ أمام ناظري طفليه البالغين من العمر 10 و12 عاماً، “أنا كنت تحت البيت وحسام قاعد عالبلكون، نزل عليه الزجاج كلّه، وصلت لقيت الأولاد منهارين عم يشوفوا بيّهم عم يموت”. قضى حسام نحبه على الفور، تستذكر آلّ كيف كان حسام والأولاد يحتفلون بعيد الأم “كانا يجيبولي ورد ويعملولي هنّي الغدا، أنا ممنوع أعمل شي بهيدا النهار”، كل ما تتمنّاه آلّ في هذا العيد أن تظلّ قوية كي تبقى سنداً لأولادها الذين يخضعون اليوم لمساندةٍ نفسية.

عويل والدة الشهيد علي اسماعيل أبكى الحاضرين جميعاً، يرتفع صراخها بين الحين والآخر غير آبهةٍ ببرنامج الحفل ولا بمن يخطب، تقاطع محافظ بيروت والمتكلمين جميعاً، صوتها كان صوت “الصدق” يشقّ طريقه وسط المظاهر والشكليّات، “قبل عيد الأم بجمعة بيكون ابني عم يجهزلي عيديّتي، بيعملّي إياها مفاجاة”. “كنت آكل بصلة وزيتونة لربّيته وبس كبر خسّروني إياه”، وما إن تبدأ بإكالة الدعوات على السياسيين حتى تلحقها دعوات بقية الأمهات في القاعة، “الله يخسّرهم أولادهم مثل ما خسّروني إياه”. 

زوجة الشهيد قيصر أبو مرهج

حطيط للمعنيين “غصب عنكم بدنا حقوقنا كاملةً وإلّا التصعيد” 

حملت كلمة إبراهيم حطيط شقيق الشهيد ثروت حطيط والناطق الرسمي باسم لجنة أهالي ضحايا تفجير المرفأ في طياتها رسائل سياسية وتصعيدية عدّة، معاهداً المفجوعات جميعاً بالاستمرار بوتيرة تصاعدية بدون كللٍ أو مللٍ ولا خوفٍ ولا وجل في سبيل الوصول لكامل الحقوق وعلى رأسها معاقبة المسؤولين عن قتل الشهداء مهما كلّف الثمن. وقال حطيط إنّ الأهالي باقون ثابتون وبإصرار على رفض كل التدخّلات السياسية في قضيّتهم، معتبراً جميع المشاركين في السلطة منذ العام 2013 متّهمون لحين إثبات براءتهم. واتهم حطيط مجلس النواب اللبناني بممارس لعبةً قذرةً تسانده فيها محكمة التمييز لإحباط التحقيق وتمييعه وصولاً لتضييعه عبر المماطلة وتضييع الوقت والدماء، وأكّد أنّ الأهالي لن يسمحوا بذلك داعياً إياهم إلى الاستعداد للمعركة ولمواجهة مجلس النواب.

وسلّط حطيط في كلمته الضوء على الإجحاف الذي يتعرّض له المتضرّرون من التفجير (شهداء، جرحى، وجرحى أصيبوا بإعاقاتٍ جسديةٍ)، مستغرباً عدم حصول الجرحى المصابين باعاقاتٍ جسديةٍ على تعويضات مالية، “من خسر يده ومن جسر رجله طارت عينه طبّبوه، بس من وين بياكل وبيشرب؟ ليه ما عنده راتب، ما في جواب”. كذلك أهالي الضحايا الذين لم ينلوا إلى اليوم أي تعويضٍ من الجيش اللبناني على الرغم من مرور ثمانية أشهرٍ على التفجير والسبب يعود إلى الإهمال وتقاذف المسؤوليات بحسب حطيط، وقد وضّح الأخير كيف استغربت وزيرة الدفاع عدم حصول الأهالي على تعويضٍ لغاية الساعة محيلةً المشكلة إلى وزارة المالية.

كذلك أثار حطيط هي مسألة عدم احتساب ما يسمّى ببدلات الطبابة والتعليم في التعويض الذي سيناله الأهالي، في حين أنّ القانون 196/2020 قد ساوى شهداء التفجير بشهداء الجيش اللبناني. وهدّد حطيط بأنّ هذا الإحجاف بحقّ العائلات لن يمرّ مرور الكرام، “هيدي ما رح تمرق، غصبن عنكم مش برضاكم بدكم تعطوا الأهالي حقوقهم كاملةً”. وتوجه مخاطباً وزيرة الدفاع التي وعدت بلقاء الأهالي قريباً، “من هلق موقفنا واضح إذا كان جواب الحصول على التعويضات كاملةً سلبي ما رح نرحم ولا رح نسكت، كنّا صابرين كنّا مفكرينهم بشر إنتو حرمتوا العائلات من أولادهم بدكم تعطوهم حقوقهم كاملة”. 

والدة الشهيد علي حسين زين الدين

وتناول حطيط في كلمته مسألة السير بالتحقيقات، معتبراً أنّ اللجنة منحت قاضي التحقيق العدلي في قضية تفجير المرفأ طارق بيطار الوقت الكافي للقيام بعمله، لكن الجهات المعنية بحسب حطيط تحاول التلكّؤ في تنفيذ ما وعدت به، حيث لم يتم إلى اليوم تعيين مساعد للقاضي بيطار بحجة أن المسألة تحتاج موافقة مجلس النواب. واعتبر حطيط أنّ المواجهة مع مجلس النواب والسياسين حاضرة في حال تم إعادة السيناريو ذاته الذي حصل مع استدعاء السياسيين والوزراء إلى التحقيق أثناء استلام القاضي فادي صوان للتحقيقات، “إذا مجلس النواب رح يعمل نفس المسرحية هالمرة مش رح تمرق، بدنا السياسيين يجوا عالتحقيق وإلّا هالمرة رايحين على بيوتهم، ما في عنا محرمات” طالباً من الأهالي الاستعداد لقطع “شريانٍ حيويٍ في البلاد”. 

محافظ بيروت “خسرنا كل شيء في تفجير المرفأ”

أما كلمة محافظ بيروت القاضي مروان عبود فجاءت مرتجلةً، حيث وقف عند حزن الأمهات معزياً داعماً. واضطر للتوقف عن الكلام أكثر من مرّة بعدما طغى صوت عويل ونواح الأمهات على كلمته. واعتبر أنّ لا جرح يضاهي جرح الأمهات اللواتي خسرن فلذات أكبادهنّ، وأنّ اللبنانيين في تفجير المرفأ خسروا مدينتهم وكرامتهم داعياً إلى التحلّي بالأمل. “خسرنا كل شيء في تفجير الرابع من آب خسرنا بلادنا وكرامتنا، لكن لن نخسر شعلة الأمل التي يجب أن تبقى بقلوبكم”. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، الحق في الحياة ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، عدالة انتقالية ، قضاء ، لبنان ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *