لا مكان للجامعيين في مجلس القضاء العدلي في تونس ..لماذا؟


2015-05-28    |   

لا مكان للجامعيين في مجلس القضاء العدلي في تونس ..لماذا؟

قد يكون من المفارقات أن نعتبر ان الاهتمام بالمجلس الاعلى للقضاء في تونس من قبل القضاة اساسا وجانب من المجتمع المدني أدى الى حجب اهتمام هؤلاء بمجلس القضاء العدلي بوصفه أحد مكونات المجلس الأعلى للقضاء. كان يفترض ان يتسلط جانب اكبر من الاهتمام على مجلس القضاء العدلي باعتبار ان القاضي العدلي في مهامه القضائية يبدو الاكثر التصاقا بالحريات الفردية وكان ينتظر ان يؤول هذا الاهتمام الى نقاش مجتمعي عنوانه الابرز دور هذا المجلس في تعزيز حماية الحريات الفردية. ويحاول الاستاذ عبد السلام الككلي في مقاله هذا ان يفضح الصمت الحاصل باعتماد ما رصده من تحول النقاش حول عضوية مجلس القضاء العدلي لمناسبة للمحاصصة القطاعية استبعدت الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب بمناسبتها الجامعيين من عضوية المجلس الاعلى للقضاء العدلي ليؤشر هذا الاقصاء الى توجه لجعل مجلس القضاء العدلي منغلقا خلافا لارادة المشرع الدستوري (المحرر).
 
تضمن مشروع وزارة العدل التونسية ومشروع لجنة التشريع العام صلب مجلس نواب الشعب في تركيبة المجالس القضائية الثلاثة التي يتألف منها المجلس الأعلى للقضاء مع الجلسة العامة وجود أساتذة جامعيين في جميعها وهي مسألة متعارف عليها في كل مجالس القضاء في العالم، مع العلم أن الهيئة الوقتية للقضاء العدلي التي ستترك مكانها للمجلس الأعلى للقضاء حال إرسائه بشكل نهائي تضمنت في تركيبتها من غير القضاة وجود 5 أساتذة جامعيين منهم اثنان يجمعان بين التدريس والمحاماة. ولقد أثارت التركيبة المقترحة سواء بالنسبة إلى مجلس القضاء العدلي أو المالي أو الإداري جدلا واسعا إذ اعتبر كثير من المتدخلين في الشأن القضائي» أنّ المشروع قبل المصادقة عليه قد اتّجه إلى استبعاد عدد من الاختصاصات الأساسية من عضوية المجلس الأعلى للقضاء وحصر ذلك في مهن محدّدة استنادا إلى تأويل خاطئ للدستور وهو ما أدّى إلى خلوّ تركيبة المجلس الأعلى للقضاء من تمثيلية واسعة وغياب التّنوع في التوجهات الذي تعكسه المنظومة القضائية.» (بيان الهياكل القضائية 18 ماي 2015). ومن أجل الحدّ من الغضب العام داخل هذه الهياكل ولمزيد التنويع في هذه التركيبة أو الإيهام بذلك، اقترح بعض النواب وسايرتهم الجلسة العامة في ذلك إضافة عدل تنفيذ في عضوية مجلس القضاء العدلي الذي كان يتضمن في نسخته الأصلية الصادرة عن لجنة التشريع العام 4 محامين واستاذا جامعيا. لكن المشكل أن هذه الإضافة كان لا بد أن تختار منطقيا حلا من حلين (باعتبار أن عدد الثلث وهو خمسة لا يمكن المساس به لأنه من المقررات الدستورية نظرا إلى أن العدد الجملي لأعضاء المجلس كما اختارت اللجنة هو 15 عضوا ) إما التقليص من عدد المحامين الأربعة بجعلهم ثلاثة فقط أو إقصاء الأستاذ الجامعي الوحيد. ولقد أدت هذه الإضافة في آخر الأمر ودون أي تبرير منطقي إلى استبعاد الأستاذ الجامعي الوحيد والإبقاء على عضوية المحامين الأربعة. ولا شك انه وقع إلغاء عضوية الخبير القانوني الوحيد وصاحب الاختصاص الممتاز من حيث المعرفة النظرية والتجربة الأكاديمية لأنه الحلقة الأضعف في هذا الصراع المثير حول احتلال مكان صلب مجلس الأعلى للقضاء إذ لا أحد من الهياكل الجامعية العلمية أو النقابية يبدو معنيا بهذه العضوية ولا مدافعا عن الجامعة ضمن السلطة القضائية. وهو ما يعني أن مجلس القضاء العدلي لن يتضمن إذا دخل القانون حيز النفاذ أي خبير في القانون في وضعية تبدو شاذة ليس فقط بالنظر إلى الهيئة الوقتية للقضاء العدلي القائمة والتي تتضمن كما ذكرنا 5 جامعيين بل بالنظر إلى التجارب المقارنة مثل المثال الاسباني او الفرنسي أو غيرهما التي تسند لأصحاب الاختصاص من المبرزين في القانون مكانا مرموقا ضمن القسم المخصص لغير القضاة. فماذا يمكن أن نستخلص من كل ذلك؟

لقد ورد في الفصل التاسع من مشروع القانون الأساسي عدد 16: 2015 في فقرته الثالثة أنه "يتكون مجلس القضاء العدلي من خمسة عشر عضوا كما يلي:

·         خمس شخصيات مستقلة من ذوي الاختصاص منتخبون من نظرائهم كما يلي:

·       أربعة محامين

·       عدل تنفيذ منفذ

·       ونستخلص من الفصل التاسع من مشروع القانون أنه لم يتم تمثيل الأساتذة الجامعيين في تركيبة مجلس القضاء العدلي خلافا لما هو عليه الأمر بالنسبة لمجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي. كما نستخلص أن الفصل العاشر يقيم تمييزا لا معنى ولا مبرر منطقي له بين المجلس الثلاثة. فأي شيء يبرر وجود الجامعيين في مجلس وعدم وجودهم في مجلس آخر من المجالس القطاعية التي يتضمنها المجلس الأعلى للقضاء؟ كما نستخلص من مجموع الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر من القانون أن هناك إرادة راسخة لتمثيل المحامين وعدم المساس بهذه التمثيلية مهما كانت التعديلات المجراة على التركيبة بعدد غير مبرر مقارنة ببقية الأصناف وخاصة الجامعيين الذين لا خلاف البتة حول اختصاصهم واستقلاليتهم بحسب ما يقرره الدستور في فصله 112 . لقد تابعنا النقاش الذي جرى في الجلسة العامة حول هذه النقطة بالذات غير أننا مع الأسف لم نتبين أي تبرير لإلغاء عضوية الأستاذ الجامعي في مجلس القضاء العدلي. والحال انه وقع الاحتفاظ بهذه العضوية في المجلسين المالي والإداري. وهو أمر بالإضافة إلى ذلك لا يتلاءم البتة مع قواعد التناظر والتناسب بين المجالس القضائية الثلاثة.

·       نخشى أخيراً أن تكون النزعة القطاعية هي التي تفسر ما حدث وهي النزعة التي أشارت إليها كثير من الطعون التي تضمنتها عريضة الثلاثين نائبا إلى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين.التي ستبت فيها اذا ما قبلت عريضة الطعن شكلا بعد طلب عضوين من الحزب الوطني الحر سحب إمضائهما في آخر لحظة.

 نشر هذا المقال من قبل في الموقع التونسي "اسطرلاب"
 
أستاذ جامعي

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية