لا تدابير صحية موحدة للمدارس العامة والخاصة في تونس: أزمة التعليم وقد عرّتها الكورونا


2020-09-21    |   

لا تدابير صحية موحدة للمدارس العامة والخاصة في تونس: أزمة التعليم وقد عرّتها الكورونا
رسم عثمان سالمي

قبل أيام من الموعد الرسمي للعودة المدرسية للسنة الدراسية 2020-2021، باشرت وزارة التربية والتعليم التونسية مفاوضات مع النقابات الأساسية لمهن قطاع التعليم التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل موضوعها تحديد موعد العودة المدرسية وتفاصيل إجراءات التوقي من انتشار فيروس الكورونا التي ستتخذ بمختلف المؤسسات التربوية. انتهت المفاوضات إلى تشكيل لجنة مشتركة ضمّت في تركيبتها الكتّاب العامّين لمختلف النقابات القطاعية الأساسية وممثلين عن وزارة التربية أسندوا لها تسمية اللجنة العليا للحوار حول سيناريوهات العودة المدرسية. قررت هذه اللجنة بنهاية يوم 10-09-2020 مجموعة من التدابير، أبرزها تثبيت موعد العودة ليوم 14 سبتمبر للإطار التربوي ويوم 15 سبتمبر للتلاميذ وإقرار مبدأ تفريع تلاميذ القسم الواحد إلى فوجين، كل فوج يدرس يوما ويتعطل في اليوم الموالي ليدرس الفوج الثاني على ألا يتجاوز عدد تلاميذ الفوج الواحد 18 تلميذا وتعميم هذا التقسيم مهما كان عدد تلاميذ الفصل وذلك ضمانا لتكافؤ الفرص.

كما قررت اللجنة المذكورة تكليف اللجان الفنية بالنظر في “تخفيف محتويات البرنامج ليتماشى مع حجم ساعات التمدرس للتلميذ الناجم عن تفريع القسم إلى فوجين على أن تنهي أشغالها قبل موعد الانتهاء من فترة التدارك التي ستتواصل إلى نهاية شهر أكتوبر”.

أشّرت الإنطلاقة المتأخرة للتفكير في العودة المدرسية رغم سبق العلم بالتحديات الخصوصية التي تفرضها إلى غياب التخطيط على مستوى وزارة التربية والتعليم، بما يعري أزمة التعليم التونسي ويعمّقها.

الإرتجال حيث وجب التخطيط والتبصر

تمسكت وزارة التربية في كل التصريحات التي صدرت عن ممثلها بالإلتزام بموعد العودة المدرسية الاعتيادي أي منتصف الشهر التاسع وعن كون البروتوكول الصحي الذي تمّ إعداده من قبل خبراء مختصين وأمضاه سبعة وزراء[1] من الحكومة بتاريخ 27-08-2020 سيضمن سلامتها. وقد أوجب هذا البروتوكول أن تتم عمليات فحص دوري ودائمة بمداخل المؤسسات التربوية والتعليمية لاكتشاف الحالات المشتبه بإصابتها بالكورونا. كما أنه فرض على العاملين بتلك المؤسسات والتلاميذ ممن يتجاوز عمرهم 12 سنة ارتداء الكمامات ونصّ على أن تخصص بكل مؤسسة قاعة عزل يفرد بها من يشتبه في إصابته وكان قاصرا في انتظار حضور ولي أمره لتسليمه. عبرت حينها النقابات عن خشيتها من عدم القدرة على إنفاذ تلك الإجراءات بسبب ضعف الإمكانيات والاكتظاظ الذي تعرفه المؤسسات التربوية، لكن هذا لم يثنِ الوزارة عن التمسك بموعد العودة المدرسية وبكونها قادرة على إنجاحها كما أنجحت امتحانات آخر السنة.

حينها، كان يُنتظر من وزارة التربية أن تبادر بعد حوار مع كل المتداخلين إلى صياغة تصورات عملية تكون فعليا قابلة للتطبيق وقادرة على إزالة مخاوف المربين والأولياء من عودة مدرسية تحصل في زمن عاد فيه فيروس كوفيد 19 للتفشي بتونس. وكان يُفترض أن ترد قراراتها قبل موعد العودة المدرسية بأجل معقول بما يسمح بالاستعداد الجيد بإنفاذها. كما كان يجب أن تكون  مؤيدة علميا وبيداغوجيا لكن ما كان منتظرا لم يحصل، إذ لم ينطلق الحوار الجدي حول تلك العودة إلا بتاريخ 08-09-2020 أي قبل أيام قليلة من موعد العودة المدرسية ولم يكن من أطرافه إلا نقابات التعليم العمومي وأغفل الرأي الطبي والفضاء التربوي بمفهومه الواسع سواء منه ذاك الذي يكمل مؤسسات التعليم العمومي أو الذي يشكل مؤسسات التعليم الخاص وهو ما كان له تأثير على مخرجاته والمواقف منها.

الرأي الطبي: الحل في البروتوكول الصحي لا في مراجعة الزمن

في بلاغ صدر عنها بتاريخ 13-09-2020، أكدت الجمعية التونسية لطب الأطفال أن العودة المدرسية تمثل حاجة نفسية مهمة للأطفال بعد تعطلهم عن الدراسة لمدة ناهزت السبعة أشهر بما يكون معه ما اتخذ من إجراءات مصدرا لضرر نفسي محتمل لهم لا يمكن تبريره بالخشية عليهم من العدوى بالكوفيد 19 لغياب هذا الخطر علميا وواقعيا. وقد أوضحت أن معدل الإصابة في صفوف الأطفال منخفضة وكذلك مخاطرها واستدلت على موقفها بأن من بين 5000 إصابة عرفتها تونس لم تنقل العدوى إلا ل248 طفل كان جميعهم حاملين للفيروس من دون أعراض ظاهرة. من جهتها، تمسكت إدارة الطب المدرسي والجامعي بوزارة الصحة بكونه لم يتم الاستئناس برأيها في مقررات العودة المدرسية المتدرجة وبأهمية تطبيق البروتوكول الصحي الذي اعتبره العاملون بها شرط نجاح السنة الدراسية. ويدفع هذا الرأي  للإعتقاد بأن ما سمي نظام التدريس بالأفواج عنوان لتقصير الحكومة في توفير الحماية الصحية بكل المؤسسات التربوية بدليل أنه نظام يكشف النظر فيه عن معوقات موضوعية تمنعه من تحقيق أهدافه في التعليم العمومي مجال انطباقه.

 

تغطية متعمدة عن محيط المدرسة العمومية: الرؤية القاصرة

يؤدي بُعد محلات سكنى التلاميذ عن المؤسسات التعليمية التي يدرسون بها سواء في المدن أو في الأرياف لتعويل جانب كبير منهم على النقل المدرسي أو العمومي في تنقلاتهم اليومية. كما فرض التمايز بين الزمن المدرسي وتوقيت العمل للأولياء أن يعتمد هؤلاء على مؤسسات خاصة تتكفل بحفظ الأبناء والمراجعة لهم لحين نهاية يوم عملهم.

يحتكر القطاع العام قطاع النقل المدرسي. واعتبارا لعدم ربحيته، يتم في العادة تخصيص وسائل نقل له قديمة علاوة على كونها لا تكفي فعليا عدد ركابها بما يؤدي لاكتظاظ كبير بها، فيما يستثمر القطاع الخاص في مؤسسات الإقامة المدرسية والتي تندرج جميعها في إطار المؤسسات الصغرى. ويؤدي ضيق مقراتها والحاجة لعدد هام من التلاميذ لضمان مردوديتها الاقتصادية لأن يكون عدد من ينتظمون في كل قسم من أقسامها هاما نسبيا مقارنة بالفضاء المتاح. وينتظر هنا أن يؤدي نظام الدراسة بالأفواج لتطوير الازدحام بتلك المؤسسات.

يتبين مما سلف أن من شأن نظام الدراسة بالأفواج أن يخفف الازدحام داخل أسوار المؤسسات التربوية من دون أن يؤدي فعليا لحماية التلميذ من الازدحام ومخاطره على صحته. فيكون الحل المعتمد مجرد مسكن للهواجس لا ينفذ لأصل العلة المتمثلة في ضعف بنية مؤسسات التعليم العمومي التي تعيق الالتزام بالبروتوكول الصحي وما يفرضه من توفير وسائل نظافة للتلميذ والمربي. ويخشى هنا أن يؤدي التقصير في  توفير إجابات جدية عن الهواجس الصحية للأولياء والمربين وتعويض ذلك بمقررات مرتجلة سببا في حسم معركة جودة التعليم لغير فائدة المدرسة العمومية.

التعليم الخاص: الابتعاد عن الارتجال الرسمي ميزة جديدة

ينقسم التعليم الخاص في تونس إلى صنفين: مدارس خاصة تدرس وفق المناهج التربوية التونسية ومدارس خاصة تدرس وفق أنظمة تربوية أجنبية. وبنهاية السنة الدراسة 2019-2020، كان عدد المدارس الخاصة المنتصبة بالبلاد التونسية والتي تدرس وفق برامج دراسة أجنبية 13 مدرسة ابتدائية مرسم بها 3329 تلميذا و10 مؤسسات تعليم إعدادي وثانوي مرسم بها 3763 تلميذ. فيما كان عدد المدارس الابتدائية الخاصة التي تطبق برامج التعليم التونسية 600 مرسم بها 97843 تلميذا وعدد المدارس الإعدادية والثانوية من ذات الصنف 445 مرسم بها 87986 تلميذ.

قد تكون نسبة من هم متمدرسون بهذه المؤسسات على اختلاف تصنيفاتها غير كبيرة مقارنة بالعدد الجملي للتلاميذ الذي بلغ خلال ذات السنة الدراسية مليونين ومائة وأربعة وسبعين ألفا. لكن مقاربة المسألة باعتبار معيار الحق في التعليم وضرورة احترام واجب توفير فرص متكافئة لكل الأطفال في تحصيله يفرض المقارنة في التعاطي مع الجائحة بين المدارس العامة والمدارس الخاصة. وهي مقارنة تبدو على أهمية خاصة لعلاقتها بالسؤال حول جودة المدرسة العمومية.

في هذا الإطار، تبدو المدارس الأجنبية غير معنية تماما بإجراءات وزارة التربية التونسية. وهو ما لا تعارضه هذه الأخيرة رغم كونها تتمسك بكون ما اتخذت من تدابير يتعلق بالنظام العام الصحي بما  يفرض السؤال حول تصور وزارة التربية لدورها فيما تعلق بهذه المدارس.

في الجانب الآخر من المشهد، تمسك الطرف النقابي بضرورة أن تشمل الاجراءات المتخذة كل المؤسسات التربوية أيا كان صنفها أو عدد التلاميذ في كل قسم من اقسامها ضمانا للمساواة بين التلاميذ. وهو أمر ترفضه حتّى الآن المدارس الخاصة التي تطبق المناهج التونسية بحجة أن الصعوبات المالية التي تعاني منها أغلبها قد تتعمق في حال مراجعة للتوقيت الدراسي تغضب الأولياء.

وإذا ما استثنينا عددا محدودا من المدارس الكبرى المملوكة لمجموعات تربوية كبرى أو لمؤسسات دينية مسيحية منتصبة بتونس، فإن سائر المؤسسات التربوية الخاصة يملكها ويديرها مدرسون متقاعدون دخلوا غمار تجربتها معوّلين على خبرتهم في المجال لا على ثروتهم المالية. هذا الأمر يفرض أن استثمارهم  خصوصا في بداياته محدود الموارد المالية وليس له احتياطي مالي كفيل بحماية توازناته في حالة الأزمات الطارئة. وقد أكدت نهاية السنة الدراسية 2019 -2020 في الثلاثي (الفصل) الثاني وما استتبع ذلك من مقررات حجرت على المدارس تحصيل معاليم الثلاثي الثالث من الأولياء هذا الواقع. وقد واجه أصحاب المدارس الخاصة هذه الأزمة بحجب أجور العاملين معهم لمدد بلغت في العديد من الحالات ستة أشهر كاملة. واعتبارا لكون ذلك الحل المجحف خلّف امتعاضا لدى العاملين معهم ولم يعد من الممكن التمادي فيه دون أن يكون مصدر تهديد لاستمرار عملهم، فقد بادر أصحاب المؤسسات التربوية الخاصة لإعلان رفض كل تحوير قد يمس بالزمن المدرسي ويدفع بالتالي الأولياء للامتناع عن خلاص كل المستحقات الواجبة.

يؤكد أول أيام العودة المدرسية أن المدارس الخاصة نجحت حتى الآن في أن تكون خارج نطاق المعنيين بنظام التدريس بالأفواج. وينتظر أن تعمد هذه المدارس متى فرض عليها الالتزام بتخفيف البرنامج التربوي لتطوير جودة مادتها التعليمية وهو أمر قد يؤدي لفرض تميّزها عن المدرسة العمومية.

نصف توقيت نصف برامج في التعليم العمومي: هل هي بداية السقوط؟

يكشف جدول تنقلات التلاميذ من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي ومن التعليم العمومي للتعليم الخاص عن كون نسبة من يختار من الأولياء ترسيم أبنائهم بمدارس ابتدائية عمومية بعد تجربة مع التعليم الخاص تفوق بشكل لافت نسبة من يختارون أن يسلكوا المسار المعاكس. ثبوت هذا المعطى يؤشر على ثقة ما زالت قائمة في جدية الإطار التربوي في التعليم العمومي وفي اقتداره البيداغوجي. وتكشف ذات المعطيات عن كون من يغادرون التعليم العمومي إلى التعليم الخاص في المرحلتين الإعدادية والثانوية هم غالبا ممن يعانون من صعوبات تعلم أدت لفصلهم من مؤسساتهم. في المقابل، تكشف نسب النجاح في مناظرة الدخول للمدارس الإعدادية النموذجية عن تفوق للمدارس الخاصة على المدارس العمومية في المجال[2]. وهو أمر تدعم في السنة الدراسية 2019-2020 بشكل هام بما قد ينذر ببداية التراجع لقدرة المدرسة العمومية على مقاومة رياح الخصخصة. ويخشى هنا أن تكون المراجعات غير المدروسة للزمن المدرسي وللبرامج الدراسية سببا في عزوف مستقبلي من الأولياء عن المدارس العمومية ودافعا لهم للتوجه نحو المدارس الخاصة كلما سمحت لهم إمكانياتهم المالية بذلك بما يعزز التعليم الخاص الذي يبدو ورغم مشاكله المؤسساتية المستفيد الأكبر من بداية سنة دراسية غاب عنها التخطيط وحضر فيها الارتجال.

مقالات ذات صلة:

عدد المفكرة القانونية في تونس حول التعليم

 

 

[1]  وهم وزراء الصحة والتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني والتشغيل والشؤون الاجتماعية والمرأة والأسرة والطفولة وكبار السن والشؤون الدينية

[2] سنة 2019  كانت نسبة النجاح التي حققتها المدارس الخاصة في المناظرة  15,9 ./.  وهي نسبة هامة جدا

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في التعليم ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *