لارا الناجية من محاولة قتل على يد زوجها: دفعتُ دمي ثمناً لتحيا ابنتي بسلام


2021-03-02    |   

لارا الناجية من محاولة قتل على يد زوجها: دفعتُ دمي ثمناً لتحيا ابنتي بسلام
الرسم لرواند عيسى

عادت لارا شعبان (24 عاماً) إلى منزل أهلها في حيّ السلّم بعد مرور أكثر من أسبوعين قضتهما في المستشفى بعد محاولة قتل تعرّضت لها على يد زوجها س.س.. تستعيد لارا شريط ذلك الصباح المشؤوم الذي كمن فيه زوجها لها أمام مصعد المبنى الذي تسكن فيه مع أهلها وابنتها ذات السنتين هرباً من تعنيفه لها وبانتظار البتّ في الدعاوى العالقة بينهما. وقبل توجّهها إلى المستشفى حيث تعمل كممرّضة، باغتها بضربات ثمانية منها على رأسها وأخرى مزّقت رئتيها وكبدها وأدخلتها العناية الفائقة. تستعيد لارا في لقاء مع “المفكرة القانونية” أحداث ذلك اليوم الذي كاد أن يجعل منها الضحية رقم 5 في عداد النساء اللواتي قضين بسبب جرائم العنف الأسريّ منذ بداية العام 2021 في لبنان، وهنّ زينة كنجو، وأحكام درباس، ووداد حسون، ونجود خداج. وتتحدث عن دوّامة الخوف التي تعيش فيها منذ ما يعتبر “محاولة القتل” التي تعرّضت لها والتي لا ترى لها نهاية سوى بإنصافها.

“هالمرّة زمطت”

أسدلت لارا الستار على قصة حبّ دامت ستّ سنوات وتكلّلت بالزواج منذ ما يزيد عن عامين. “لم يمرّ شهر على زواجنا حتى باغتني بأوّل “قتلة”، تروي لـ”المفكرة”. “تعرّضت للعنف مرّات عدّة لكنني التزمت الصمت خوفاً من الفضيحة. لم أتقدّم بشكوى. راهنت على تغيّره مع الأيام. ومع ولادة ابنتي صرت أعضّ على جرحي من أجلها، ومن أجلها أيضاً قررت لاحقاً العودة إلى منزل أهلي خوفاً عليها من تكرار مشاهد العنف أمامها”.

“هالمرّة زمطت، المرة الجايي ما بعرف شو ممكن يصير. خايفة ومرعوبة”، تضيف ملخّصة حالة الخوف التي تعيشها منذ الحادثة.

لارا شعبان

بعد خمسة أيام من تعرّضها للاعتداء العنيف من زوجها، ومع بدء استعادتها عافيتها، أدلت لارا بإفادتها من داخل المستشفى. “تكلّمت عمّا حصل معي بالتفصيل في ذلك اليوم. سألوني إذا ما كان يتعاطى “الحشيشة” أو تحت تأثير الكحول! أكّدت لهم أنّه لم يفعل ذلك يوماً وكان بكامل وعيه عندما أقدم على هذه الجريمة التي كانت مسبوقة بتهديدات بالقتل قبل وقوعها بيوم واحد”. وفي المقابل تمّ الاستماع إلى أقوال الزوج المدّعى عليه الموقوف في مخفر المريجة بناء لإشارة القضاء المختص. والمدعى عليه لم يبدِ سوى “الندم” مشيراً إلى أنه أقدم على فعلته هذه بدافع ما أسماه “الحب” قائلاً “بدي اقتلها لأن يا بتكون لإلي أو مش لحدا تاني”. هو عذر أقبح من ذنب.

يؤكّد وكيل دفاع لارا، المحامي جعفر شحيمي، لـ”المفكرة” أنّ “هذه القضية هي محاولة قتل عن سابق إصرار”، كاشفاً أنّ الزوج كان يراقب منزل المغدورة منذ 3 أيام ما يعني أنه قد خطط لجريمته وهو بكامل وعيه. وقد وثّق تقريرا طبيبين شرعيين حالة لارا التي تعرّضت لـ 8 طعنات باستخدام “عُدّة إجرامية” على حدّ تعبير شحيمي، وقد تضمّنت سكيناً وكفاً حديدياً ورذاذاً حارقاً للعيون، بالإضافة إلى صاعق كهربائيّ كان بحوزته “تحسّباً لأي تدخّل من أهل لارا قد يضعه في موقع الدفاع عن النفس”، بحسب ما قال الزوج، متجاهلاً أنّه المهاجم في الأساس.

ينتظر المدعى عليه تحقيقٌ استنطاقيّ بعد إحالته من مفرزة الضاحية الجنوبية إلى النيابة العامّة في بعبدا على أن يصدر قرار توقيف بحقّه. وبناء عليه، من المفترض بحسب شحيمي، أن يصدر بحقّه قرار ظنّي بتهمة محاولة القتل ويتمّ إدخاله الى السجن لمدة يحددها القاضي.

 لارا تطالب بـ “المؤبّد” لزوجها وتناشد المحكمة الجعفرية

“التنصّل من العقاب والحصول على حكم تخفيفي غير ممكن” يقول شحيمي، مشيراً إلى أنّ “تصرّفات الزوج توضح أنّه بكامل قواه العقلية وليس فاقداً للأهلية”، وبالتالي فإنّ العقاب آت لا محال، وكذلك الطلاق حكماً. ويؤكّد محامي المغدورة أنّها ومنذ عام تقريباً تحاول أن تنتزع من المحكمة الجعفرية قرار نفقة لها ولابنتها التي تتكفّل لارا بكافّة نفقاتها المادية بعد انفصالها عن زوجها ورفضه تطليقها، وأضاف “في حال دخول الزوج إلى السجن يتكفّل الجدّ بالنفقة باعتباره وليّ الوليّ، إلّا أنّ هذا الأمر نادراً ما يطبّق”.

وبحسب المفتش العام لدى المحاكم الجعفرية القاضي حسن الشامي، فإنّه خلال فترة الانفصال وقبل الطلاق يحقّ للمرأة أن تأخذ نفقة لابنتها تسمّى “نفقة مؤقّتة” لتصرف عليها.

في المقابل، رفع الزوج دعوى إطاعة ومساكنة، وبحسب الفقه التقليدي الإسلامي، الأصل في الزوجة الطاعة، وأنّها إذا امتنعت عن طاعة الزوج تكون ناشزة، وتسقط نفقتها عليه من تاريخ هذا الامتناع، وسبب ذلك برأيهم أنّ الشريعة الإسلامية جعلت حقوق الزوجية، وواجباتها متقابلة، فألزمت الزوج بالإنفاق على زوجته في حدود استطاعته، وأوجبت على الزوجة طاعته بأن تستقر معه في منزل الزوجية الذي هيّأه. ونجد تعريفاً “للناشزة” في المادة 171 من أحكام محمد قدري باشا “الناشزة وهي التي خالفت زوجها وخرجت من بيته بلا إذنه بغير وجه شرعي يسقط حقها في النفقة مدة نشوزها وإن كانت لها نفقة مفروضة متجمدة تسقط أيضا بنشوزها…”.

ولم يصدر أي حكم أو قرار في ملف لارا بسبب تأجيل الجلسات مع استمرار جائحة كورونا، مع العلم أن الجلسة المقبلة كانت مقررة في الـ 18 من شباط. ويوضح شحيمي أنّ “أمن النفس أولى من إطاعة الزوج، وبالتالي من واجب المحكمة الجعفرية أن تحمي لارا وتصدر حكم الطلاق خشيةً على سلامتها منه”، حيث تقدّم بوكالته عنها بعد الحادثة بدعوى “طلاق وسوء عشرة والضرر الفادح”.

 تحمّل لارا، من جهتها، المحكمة الجعفرية مسؤولية تعرّضها إلى محاولة القتل، معتبرة أنّها أوّل الجهات الملزمة بتأمين الحماية لها ولطفلتها “لو ما التأجيل والإهمال ما كنت رح أوصل لهون”، تعلّق وتراكم أسئلتها “لماذا يطلبون من المرأة تقرير طبيب شرعيّ رغم وجود صور توثّق تعرّضها للضرب؟ لماذا لا يزال هناك وجود لدعوى الإطاعة؟ هل كان عليّ العودة إلى منزل زوجي للتعرّض للمزيد من العنف والمخاطرة بحياتي فقط للاستحصال على تقرير طبيب شرعيّ؟”. تناشد الشابة المغدورة المحكمة بمطلب يتيم هو الطلاق، منتظرة من القضاء إنصافها يإصدار حكم بالسجن المؤبّد للزوج لكي لا تحيا “مرعوبة” طيلة حياتها بعدما دفعت دمها ثمناً لتحيا ابنتها بسلام.

في هذا السياق، تشدّد رئيسة حملة رفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية زينة إبراهيم في حديث مع “المفكرة” على أنّ “تصرّفات المدّعى عليه أثبتت عدم أهليته لأن يكون زوجاً أو أباً”، وعليه رأت أن مسؤولية المحكمة الجعفرية تكمن في الاستجابة لدعوى الطلاق وإعطاء الحضانة الكاملة للأم. وفي هذا الإطار، اكتفى أحد قضاة المحكمة الجعفرية خلال حديثه مع “المفكرة” بالإشارة إلى أنّ “القرار الجزائي الذي يتّخذ يكون له مفاعيل على قرار المحكمة”.

 من ينصف النساء في وجه العنف الأسري؟

ترى المحامية في منظمة “كفى” ليلى عواضة في حديث مع “المفكرة” أنّ القانون في لبنان قادر على حماية النساء في حالتين حصراً، الأولى هي عند تمكّنهنّ من التبليغ في الوقت المناسب، والثانية هي متابعة الشكوى من قبل قاضٍ يطبّق القانون بمضمونه الفعّال، مشيرة إلى “غياب آليّة موحّدة في الاستجابة للشكاوى مما يتيح الاستنسابية في التطبيق، وبالتالي فإنّ بعض القضاة يعملون بجدية، في حين أنّ البعض الآخر ذكوريون ويطغى تفكيرهم الاجتماعي الذاتي على القانوني”. وتؤكّد عواضة على الحاجة الملحّة لوجود تدريب متخصّص يخضع له القضاة ذلك لأن النص القانونيّ غير كاف وحده.

وتعتبر مديرة منظمة “fe-male” حياة مرشاد أنّ المشكلة تكمن في آلية تطبيق قانون العنف الأسري وكيفية التعاطي مع جرائم قتل النساء. وتتطرّق إلى الاستهتار الذي يشوب عمل القوى الأمنية في بعض الأحيان لجهة التعاطي مع هكذا قضايا حساسة، رغم وجود مدوّنة سلوك لديهم تنظّم طريقة تعاملهم معها. وإضافة إلى ما سبق أشارت إلى “مماطلة” القضاء بدل الإسراع في المحاكمات، مؤكّدة أنّ غياب التشدّد من شأنه أن يؤثر سلباً على المسار العام للقضايا التي تتعلّق بتحقيق العدالة للنساء.

وبالرغم من هذه الثغرات، إلّا أنّ التخفيف من جرائم العنف ضدّ النساء يتطلّب تحولات جذرية، بداية من التصويب على معالجة مبدأ السلطة الأحادية داخل العائلة والتي يترأّسها الرجل، بحسب عواضة، حيث تشدّد الأخيرة على أهمية تغيير الذهنية في المجتمع اللبناني وإشراك النساء في السلطة، الأمر الذي لن يتحقّق إلّا من خلال “قانون موحّد للأحوال الشخصية يعترف بالمرأة كفرد مستقلّ داخل الأسرة ويحرّرها من التبعية للرجل، بدل القوانين الحالية التي تكرّس الذكورية وتزيد من تهميش النساء”، على حدّ قولها.

ارتفاع في جرائم العنف الأسري في العام 2021

لارا شعبان هي واحدة من بين آلاف النساء في لبنان اللواتي تُهدد حيواتهنّ ويمارس بحقّهنّ أبشع أنواع العنف التي في معظم الأحيان تكون جدران المنازل الشاهد الوحيد عليها، وحتى عندما قررت الشابة العشرينية الانتفاض على واقعها لم يكن الأمر بهذه السهولة، بل تعرّضت لـ “محاولة قتل” علنية على مرأى من المجتمع الذكوري الذي يعتبر المرأة ملكية خاصة ويبرّر قتلها وتأديبها.

تظهر أرقام مديرية قوى الأمن الداخلي، من جهتها، تصاعداً في العنف الأسري تزامناً مع فترة الحجر المنزليّ وتواجد الضحية بوجه معنّفها لفترات أطول في المنزل، فبعدما كان عدد الشكاوى 126 شكوى في العام 2018 ارتفع إلى 716 في العام 2019 وإلى 1276 شكوى العام 2020 أي ما يعادل 104 شكاوى في الشهر الواحد، وقد ارتفع هذا الرقم ليصل الى 116 بلاغ عنف أسري في الشهر الأول من العام 2021.

وبحسب منظمة “شريكة ولكن”، ارتفعت جرائم قتل النساء في لبنان في العام 2020 بنسبة 107% مقارنة بالعام 2019. حيث شهد العام 2019 وقوع 13 جريمة قتل ضد النساء والفتيات، مقارنة بـ 27 جريمة في العام 2020، فيما شهد العام 2021 وقوع 4 جرائم خلال فترة تقلّ عن شهرين.

مقتل الشابة زينة كنجو خنقاً على يد زوجها ابراهيم غزال مع نهاية شهر كانون الثاني كان واحداً من سلسلة الجرائم ضدّ النساء التي باتت تثير الخوف، بخاصّة بعد أن برّر زوجها جريمته بأنّه كان يحاول إيقاف صراخها وغضبها خلال نقاشهما، قائلاً “سكّتتها متل أي رجل بيسكّت مرتو”، وكأنّما العنف الذي يمارسه كونه رجل هو جزء من تركيبته ومن سلطته التي استمدها من الثقافة السائدة في المجتمع الأبوي.  

“العثور على السيدة وداد جثة هامدة على شاطئ البحر في المخيم نهر البارد”، “نجود خداج ضحية عنف أسري قُتلت بـ21 رصاصة”، “العثور على جثة سيدة مقتولة ومدفونة أمام منزلها في عكّار”، “اعتدى على ابنتيه في عرسال بالضرب والحرق”، كثيرة هي العناوين وما كثرتها إلّا دلالة على ضرورة كسر الصمت في وجه قضايا تعنيف النساء وضرورة استخدام أساليب تردع ازديادها ومحاسبة مرتكبيها على الجرم الذي أقدموا عليه، بعيداً عن لوم الضحية وتبرير قتل النساء والتحرّي حول حياتهنّ بحثاً عن أيّ معلومة من شأنها التماس “أعذار” لمن يرتكب جريمة.

وفي خضمّ غياب خطّة واضحة لحماية النساء، ورفضاً لتسمية “جريمة الشرف” التي من شأنها تبرير الفعل وتبرئة الرجل، أُطلقت حملة إلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، تحت وسم “#اسمها_جريمة”، وثّقت نسب ارتفاع جرائم قتل النساء معيدة إلى الذاكرة تبريرات الرجال التي تبسّط ثقافة العنف في محاولة فاشلة منهم لإخفاء حقيقة أنهم “مجرمون”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أطراف معنية ، أنواع القرار ، المرصد القضائي ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، قضاء ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكم دينية ، محاكمة عادلة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *