كي لا يعطّل التعسّف في استعداء القضاة عملهم: اقتراح لحماية التحقيق في قضية المرفأ… دون سائر القضايا


2023-01-19    |   

كي لا يعطّل التعسّف في استعداء القضاة عملهم: اقتراح لحماية التحقيق في قضية المرفأ… دون سائر القضايا

اتفق نوّاب من كتل مختلفة على تقديم اقتراح قانون معجّل مكرّر بهدف وضع حدّ لعرقلة التحقيق في قضية تفجير المرفأ. وقد حصل هذا الاتفاق بعدما كان تمّ سحب اقتراحات عدة قدمت سابقاً بهدف توحيد صيغتها. النواب هم: بولا يعقوبيان ونبيل بدر وبلال عبد الله ونعمة افرام وأشرف ريفي وأسامة سعد وسامي الجميل وملحم خلف وجورج عقيص.

رمى الاقتراح إلى معالجة الآثار الناجمة عن تقديم طلبات ردّ ضدّ المحقق العدلي في قضية المرفأ. ففي حين استغلّ عدد من المدعى عليهم في قضية المرفأ الإمكانية المتاحة لهم بكفّ يد المحقق العدلي بموجب أصول المحاكمات المدنية بمجرد تقديم طلبات ردّ وإن كانت مجردة من أي سبب جدّي، هدف الاقتراح بشكل خاص إلى تجريد هؤلاء من هذه الإمكانية. فوفق نصّه، لا تؤدي طلبات الردّ إلى كفّ يد المحقق العدلي المطلوب رده إلّا إذا قرّرت المحكمة المختصة (محكمة التمييز بحسب الاقتراح) ذلك. وعليه، يرتقب في حال إقراره تجنّب تعطيل التحقيق بإرادة المدعى عليهم. فضلا عن ذلك، حسم الاقتراح مسألة المحكمة المختصة للنظر في طلبات رد المحقق العدلي بأن جعلها محكمة التمييز، وذلك على غرار ما ذهبت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها المؤرخ في 25/11/2021 حين أناطت هذه الصلاحية بمحكمة التمييز.

ولم يكتفِ الاقتراح بمعالجة موضوع طلبات الردّ والتنحي، بل تطرّق أيضا إلى عامل آخر يؤدّي إلى تعطيل التحقيق، وهو تقديم نوع آخر من الدعاوى التي هي الأخرى تودّي إلى كفّ يد المحقّق العدلي تلقائيا عن اتخاذ أيّ إجراء بحقّ المدّعي(ن). هذه الدّعاوى تقوم على مخاصمة الدولة الناجمة عن أعمال المحقق العدلي وهي تقدّم أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز. ويذكر هنا أن هذا العامل أدى عمليا ليس فقط إلى تعطيل الدعوى بل أيضا إلى تجميدها إلى أجل غير مسمّى. حصل ذلك بفعل فقدان الهيئة العامّة لمحكمة التمييز قدرتها على الانعقاد للنظر في الدعاوى المقدمة إليها تبعا لفقدان نصابها بعد تقاعد عدد من أعضائها. وقد أخذ هذا التعطيل طابعا سياسيا بعدما عطّل وزير المال يوسف الخليل التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية. ولتجاوز سبب التعطيل هنا، ذهب الاقتراح في نفس الاتجاه المعتمد بما يتصل بطلبات الردّ أو التنحّي، بحيث جرّد دعاوى المخاصمة من مفعولها التلقائي في كفّ يد المحقق العدلي، فلا يحصل ذلك إلّا بموجب قرار من الهيئة العامة لمحكمة التمييز بعد التأكد من جدية الدعوى.

وعليه، من شأن الاقتراح في حال إقراره أن يضع حدّا للتعسف في استخدام آليات كفّ يد القضاء بهدف تعطيل التحقيق في قضية المرفأ وأن يعيد عجلة التحقيق إلى السير. 

بالمقابل، يسجّل على الاقتراح أنه هدف إلى الحدّ من التعسّف في استخدام هذه الوسائل في قضية المرفأ، من دون التنبه إلى تحول هذا الأسلوب نفسه إلى نموذج لجأ إليه الدفاع بانتظام في العديد من القضايا الأخرى وأهمها القضايا المقامة ضدّ حاكم مصرف لبنان والمصارف أو قضايا الفساد وآخرها قضية النافعة. فكأنما مقدمي الاقتراح يولون عن حقّ أهمية قصوى لإعادة سير التحقيق في قضية المرفأ من دون أن يعلّقوا أيّ اهتمام لوضع حدّ للتعسف في تعطيل التحقيقات في كمّ كبير من الدعاوى الأخرى وبعضها ذات أهمية اجتماعية فائقة.

وعليه، يستدعي هذا الاقتراح الملاحظات التالية:

تعاون نيابي إيجابي: هل يأتي بثماره؟

أول ما نلحظه عند النظر في هوية مقدّمي الاقتراح أنه يأتي كثمرة تعاون مأمول بين عدّة كتل نيابية. فبعدما كان ممثلون عن عدد من الكتل قد تقدّموا باقتراحات عديدة ومتفرّقة في الشأن نفسه، تمّ التوافق على سحب  هذه الاقتراحات لتقديم اقتراح مشترك، بهدف تعزيز حظوظ إقراره، وبخاصة في ظل وجود إرادات سياسية وازنة ترمي إلى إسقاطه. وقد تطرّق المرصد البرلماني في المفكرة القانونية إلى ذلك في تقريره الشامل حول الأداء المجلس النيابي خلال ولاية 2018-2022، حيث تبيّن أنّ حظوظ إقرار مقترح تم تقديمه من كتلتَيْن وأكثر (تبلغ 33%) أكثر من مرَّتَيْن من حظوظ إقرار مقترح تم تقديمه من كتلة واحدة (16%).

وفي هذه الحالة، يتبدّى أنّ موقعي الاقتراح يمثلون أكثر من 5 كتل تضمّ 45 نائبا، إضافة إلى توقيع عدد من النواب المستقلّين عليه مما يرفع عدد المؤيدين إلى 50 على الأقل. وفي حين أنّ الحضور في جلسات المجلس النيابي التشريعية لا يزيد عادة عن 100 نائب، فإن من شأن التزام جميع المؤيدين له أن يوفّر الغالبية المطلوبة لإقراره. لكن يبقى أن المخاوف من وجود ممانعة قويّة ضدّ إقراره (وهي ممانعة قد تتجلى من خلال رفض مكتب المجلس وضعه على جدول الأعمال أو من خلال تزوير نتيجة التصويت أو من خلال تعطيل نصاب الجلسة)، فإنه يستحسن بذل مزيد من الجهد لإقناع كتل إضافية، وبخاصة كتلة لبنان القوي، أو على الأقل وضعها أمام مسؤولياتها. فعدا عن أن هذه الأخيرة تدعي حرصها على التحقيق في جريمة المرفأ، حاول نوابها مؤخرا بشتّى الطرق (بما فيها تقديم اقتراح قانون بإنشاء هيئة اتهامية لفسخ قرارات المحقق العدلي) إيجاد طريقة للبتّ بطلبات إخلاء سبيل الموقوفين في قضية المرفأ في ظل منع المحقق العدلي من القيام بذلك، في حين أن الطريقة الأسلم المتاحة قانونا حاليا هي إقرار اقتراح يضع حدّا للتعسف في تعطيل التحقيق.

تدّخّل تشريعي أكثر من ضروري في قضية المرفأ

كشفت التحقيقات في جريمة تفجير المرفأ عن ثغرات قانونية تسمح بالتعسّف باستعمال حقوق الدفاع وصولاً إلى تعليق التحقيقات والمحاكمات برمّتها في أيّ قضية مهما بلغت خطورتها. وطالما أنّ الخلل يتأتّى عن استغلال ثغرة تشريعية، فإنّ الحلّ الأنسب والأكثر فاعلية لذلك يكون تشريعيا أيضا. لا بل أنّ التدخل التشريعي يتوجب أن يكون مستعجلا لإعادة سير التحقيق المجمّد منذ أكثر من سنة في هذه الجريمة.

وما يزيد من هذه الضرورة هو أن بعض المدعّى عليهم في قضية المرفأ قد عمدوا إلى مراكمة التعسف في استخدام هذه الآليات، على نحو يمكّنهم من ضمان تعطيل التحقيق إلى أطول مدة ممكنة. وهذا ما نستشفّه من مزاوجة العديد منهم بين تقديم طلب ردّ ضد المحقق العدلي وتقديم دعوى مخاصمة ضد الدولة من جراء عمل المحقق العدلي أو عمل المحكمة الناظرة في طلب الردّ ضدّه. هذا فضلا عن تدخل قوى سياسية لضمان الفراغ في الهيئة العامة لمحكمة التمييز بهدف تأبيد تعطيل التحقيق. 

ماذا بشأن تعطيل القضايا الأخرى بالأساليب نفسها؟ 

ومع تسجيل أهمية إقرار الاقتراح من أجل إعادة تحقيق المرفأ إلى مساره، إلا أنه يسجل على الاقتراح أنه انحصر في معالجة التعسف الحاصل في كف يد “المحقّق العدلي” في قضية المرفأ أو الممكن حصوله لاحقا في أي قضية أخرى قد تُحال إلى المجلس العدلي (وعددها قليل جدا)، من دون أي اهتمام بالتعطيل الذي يطال حاليا أو قد يطال وبفعل الأساليب نفسها الدعاوى الأخرى العالقة أو التي قد تقدّم أمام المحاكم الجزائية العادية، ومنها الدعوى المقامة ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قضايا فساد كما سبق بيانه (وعددها أكبر بكثير). فألا يجدر بالمشرع الذي عاين الثغرة التشريعية واستغلالها تعسفا في ممارسة حق الدفاع، أن يضع حدا لهذه الثغرة وما قد ينشأ عنها من مخاطر في جميع الحالات من دون تمييز؟ وألا يظهر الاقتراح انتقائيا في حال حصره على هذا الوجه، وبخاصة أنه يظهر إذ ذاك وكأنه يعمل على إزالة العوائق أمام القضاء الاستثنائي في حين أنه يبقي نفس العوائق قائمة أمام القضاء العادي، وذلك خلافا للحد الأدنى من المنطق القانوني؟     

الجواب الوحيد الذي يبرز ردا على هذا السؤال هو حرص مقدّميه على تعزيز حظوظ إقراره، حيث يخشى هؤلاء من أي يؤدي أيّ توسيع له إلى نسف هذه الحظوظ. وّإذ يبرر بعضهم هذه الخشية باحتمال ربط أيّ تعديل أوسع بضرورة ضمه إلى ورشة أوسع لتعديل قانوني أصول المحاكمات المدنية أو أصول المحاكمات الجزائية، فإن ثمة أسبابا أخرى تبقى مسكوتا عنها لمخاوف هؤلاء وقوامها أنّ أي توسيع للاقتراح ليشمل قضايا المصارف أو الفساد قد يقلل من عدد النواب المؤيدين له. بمعزل عن مدى مشروعية هذه المخاوف، يبقى أن ما نشهده من إفلات معمّم من العقاب في قضية المرفأ كما في قضايا تفقير المجتمع وإذلاله، بات يستوجب ردودا أكثر قوة وشمولية، ردودا تكون بمثابة التزام في تغليب العدالة والصالح العام على أي مصلحة فئوية مارقة. فلنراقب.

للاطلاع على اقتراح القانون كاملا اضغطوا هنا

انشر المقال



متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، إقتراح قانون ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مجزرة المرفأ



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية