كيف نسقط سطو المصارف على يومياتنا في لبنان؟


2020-01-07    |   

كيف نسقط سطو المصارف على يومياتنا في لبنان؟

في يوم السبت 4 كانون الثاني، نشرت المفكرة مقالا بعنوان: “موقفان للعدلية ينتصران للمودعين في مواجهة المصارف: الكابيتال كونترول يتم بقانون عادل وليس بإرادة المصرف“. وقد تناول المقال وثيقتين بالغتي الأهمية صدرتا في 3 كانون الثاني: الأولى، البيان الصادر عن نقيب محامي بيروت ملحم خلف والثاني القرار الصادر عن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت كارلا شواح بقبول دعوى أحد المودعين بإلزام مصرف بنك البحر المتوسط بإجراء حوالات للمبالغ المودعة في حسابه الجاري للخارج. وقد تضمنت كلا الوثيقتان إدانة واضحة لسياسة تقييد الرساميل المعتمدة من المصارف وفي الآن نفسه استدعاء للمشرع لأداء دوره بوضع قواعد ناظمة تمنع الانتقائية وتضمن حقوق المودعين قدر الممكن والمساواة فيما بينهم. هنا، ننشر مقالا للحقوقي كريم نمور عن سطو المصارف على يوميات المودعين. كتب المقال قبل صدور الموقفين المذكورين، فاقتضى التوضيح. (المحرر).

مشهد مُبكٍ. أنتظر في فرع المصرف حيث فتحت حساباً جارياً لي منذ سنوات. تُحيط بي مجموعات من الزبائن والمودعين الذين ينتظرون أدوارهم لسحب ما يُتاح لهم من سيولة. قائمة الإنتظار طويلة، وهدوء المآتم يهيمن على الجو العام في قاعة الإنتظار. الوجوه كلها شاحبة، المشهد مُبكٍ. لكل مودع حاجاته الحيوية: فثمة من يريد تحويل المال لأولاده الذين يدرسون في المهجر، وثمة من عليه مستحقات يتوجب عليه تسديدها (فواتير متنوعة، أدوية، بدلات إيجار إلخ.). يتداولون جميعهم، الواحد تلو الآخر، أمام موظف البنك ليستفهموا عن سقف السحوبات المستحدث منذ أقل من 24 ساعة. “البارحة كان السقف 600 دولار أميركي”، أسمع أحد أمناء صندوق البنك يقول لأحد الزبائن، “اليوم أصبح 250 د.أ. للأسبوع الواحد”، وإذ بذاك الزبون، يئن ولكن بصوت خافت. فالإعتراض لا ينفع ولا المشاجرة ولا الصراخ. المشهد مُبكٍ. طابور الزبائن يتضخم. “صحيح ما سمعته؟” أسأل سهى1، مديرة الفرع، “إيه كريم…” تجيبني، “ما فينا نعمل شي… السقف هو 250 د.أ. هيدا أسبوع، أما الأسبوع القادم، فقد لا يكون هناك أي سقف أساساً، أي قد لن تستطيعون سحب أي دولار… هذا فضلاً عن وجود سقف أيضاً للسحوبات بالليرة اللبنانية… كل أسبوع شي…”. أما سعر صرف الدولار في البنك، فلا يزال على وهم ثباته أي 1515 ليرة لبنانية للدولار الواحد، مقارنة بسعره في “السوق” الذي تخطى 2000 ل.ل. منذ أسابيع. لدى سماع تصريح مديرة الفرع، تهافت طابور الزبائن معترضاً وغاضباً. هذا المشهد المُبكي: تقف سهى، ملامح الخوف والإنهاك تجتاح وجهها، وتدعو الزبائن لمرافقتها إلى الغرفة الزجاجية المجاورة (فهي أكثر عزلة)، لتفسر لهم الوضع الراهن. أراهم ينعزلون داخل الغرفة معها. لا أسمع ما تقوله لهم، لكنني أرى سهى واقفة تتكلم وراء الزجاج، وتؤشر في أياديها محاولة ضبط الوضع، على الأرجح مكررة للزبائن الغاضبين والخائفين مثلها، الرواية التي أُوصيت بها من قبل الإدارة العامة. لم تخضع لا هي ولا سائر زملائها داخل المصرف لأي تدريب داخلي هادف إلى مواجهة الحالة الإستثنائية التي تمر بها البلاد وكيفية التعاطي مع الزبائن في هذا الصدد. لا أعرف إن كانت تفهم أو تقتنع بالرواية التي تعيد تدويرها للزبائن. هي حتماً غاضبة وقلقة على الوضع مثلها مثلهم، لكنها مرغمة على لعب دور جندية النظام المالي والإقتصادي بوجه أقرانها في تلك المجزرة، لأن وظيفتها ومركزها ومصدر رزقها ولقمة عيشها أرغموها على تقمص جسم صمام أمان هذا النظام بوجه أقرانها من المواطنين. المشهد مُبكٍ فعلاً.

لكن المشهد مُضحك أيضا. يتسلل محمد وزملاؤه في فرقة الموسيقى شبه الميلادية داخل قاعة إنتظار أحد المصارف بالقرب من ساحة التباريس في الأشرفية. يصطفّون أمام الزبائن والموظفين كأي فرقة موسيقية ذات شأن، ويبدؤون بإنشاد أناشيد مشابهة للأناشيد الميلادية، لكنها أناشيد تنديد بالمصرف المُستضيف. هدفها: التذكير بما إستحصل عليه ذاك المصرف من أرباح طائلة بفعل إيداعات زبائنه وديون وفوائد إستحصل عليها من الدولة ومن المواطنين، مطالبين إياه بإعادة الأموال، لا سيما في ظل إستحداثه لسقف جديد للسحوبات، يفرضه اليوم على زبائنه. المشهد مُضحك، فالأناشيد ذكية ولاذعة وتتسم بنكهة تهكم فكاهية. أدخلتني عرضياً بأجواء أعياد آخر السنة، على الرغم من تعسر الوضع العام في البلد، لا سيما أنها ذكرتني أيضاً برواية “أنشودة عيد الميلاد” للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز2. فبطل تلك الرواية، إبنزر سكروج3، رجل قاسي القلب ومجرد المشاعر وبخيل. تظهر عليه خلال فترة عيد الميلاد في آخر السنة أشباح ثلاثة لتعكس له صورته المجردة وتداعياتها على المجتمع المحيط به وعلى حياته، هي: شبح عيد الميلاد الماضي، وشبح عيد الميلاد الحاضر، وشبح عيد الميلاد المستقبل. المشهد مُضحك، فلدى تلاوتها للأناشيد، ذكرتني فرقة الموسيقى تلك بشبح عيد الميلاد الماضي، مذكرة سكروج المصرفي بما إقترفه في الماضي وما كانت تداعياته على المودعين والمجتمع بشكل عام.

أما شبح عيد الميلاد الحاضر، فيتبلور يومياً، بما تواجهه سهى وزملاؤها من إعتراضات وغضب من قبل الزبائن اليائسين (بعيداً عن أعين مساهمي البنك ومجلس إدارته). وقد وصل أحياناً الأمر إلى حد التدافش والصريح في بعض المصارف، ووصل أيضاً إلى إحاطتنا بصور ستطبع مخيلتنا الجماعية: من العسكري الجالس على طاولة شباك موظف البنك، رافضاً النزول عنها إلى حين تقاضيه كامل راتبه نقداً، وصولاً إلى المودع الذي قطع مدخل مصرفه بشاحنته إعتراضاً على ما يفرضه عليه هذا المصرف من سقف للسحوبات وما ينتجه عن هذا الأمر من تداعيات سلبية على تجارته ومصدر رزقه. كل هذه المشاهد والصور تشكل إحدى التجليات الأساسية للأزمة الإقتصادية التي تمر بها البلاد (إلى جانب تلك المتعلقة بالليرة والإيجارات ووباء صرف أجراء لبنان وتخفيض رواتبهم). والواقع هو، أن تلك المشاهد هي مجرد مقدمة فقط للصراع القادم بين المصارف وزبائنها. فشبح عيد الميلاد المستقبل، بدأ يتبدى على الأفق، وهو يتنكر بزي محاسبة سكروج المصرفي. ولكن قبل رسم المستقبل الآتي، لا بد من العودة إلى مصدر الإشكالية: كابتال كنترول (Capital Control) الأمر الواقع، أو القيود المفروضة على السحوبات.

إشكالية الكابتال كنترول

بدأت هذه الإشكالية بالتزامن مع إنتفاضة 17 تشرين الأول، حيث عمدت بعض المصارف (لتشمل لاحقاً جميعها) إلى فرض قيود غير مُعلنة على سحوبات المودعين والزبائن – أي الحد من المبالغ النقدية التي يستطيع أي زبون مصرف سحبها من حسابه، لا سيما بالنسبة للمبالغ النقدية بالدولار الأميركي ولكن أيضاً بالنسبة لليرة اللبنانية، وهو ما يُشار إليه في رطانة المهنة بال ـ”كابتال كنترول” (Capital Control). وقد تفاقم هذا الأمر مع إقفال المصارف لأيام عدة تبعاً لـ 17 تشرين (لم تشهدها حتى أيّام الحرب اللبنانية)، تحت ذريعة قطع الطرقات و”الوضع الأمني” إلخ. ما أدى عملياً إلى زعزعة ثقة المودعين بالمصارف، وتالياً أدخلها في حلقة مفرغة بين شح الدولار وشح الثقة وشح أي مبادرة من أي نوع كانت من قبل أجهزة الدولة لضبط هذا الأمر وإنقاذ الإقتصاد الوطني من الإنهيار المحتم. وفي حين، تجلى هذا الأمر كشبح لا يستطيع أحد رؤيته ولمسه، فلم يصدر أي تعميم رسمي من قبل مصرف لبنان لفرض الكابتال كنترول. بالمقابل، أصدرت جمعية المصارف في فترة لاحقة بتاريخ 18/11/2019 (بعد شهر من بدء الإنتفاضة)، تعميما بهذا الشأن، أتى كمبرر خطي لقيود الأمر الواقع غير المُعلنة. ولكن، كان من اللافت أنه وبالرغم من صمت مصرف لبنان التام بهذا الشأن، ظهر دوره المباشر في هذه المسألة في معرض دعوى كانت مقامة من قبل أحد المودعين على مصرفه أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، حيث اعترف هذا المصرف في لوائحه للمحكمة، أنه عمد إلى فرض كابتال كنترول على زبائنه بناء لـ “توجيهات” من مصرف لبنان بالذات4، من دون أن يثبت هذا الأمر بمستند واضح. فيكون بالتالي أصبح الكابتال كنترول قاعدة للعمليات المصرفية حالياً بأمر غير مُعلن من قبل مصرف لبنان. لكن، ما هي قانونيته؟

المسألة تتمحور حول صلاحية حاكم مصرف لبنان لفرض كابتال كنترول بغياب أي نص تشريعي يرعى هذا الأمر. فقد يجد الحاكم ركيزة قانونية لهذا الأمر في المواد 70 و174 و175 من قانون النقد والتسليف5، التي تنص على أن مهمة المصرف العامة هي “المحافظة على النقد لتأمين أساس نمو إقتصادي وإجتماعي”، ولا سيما المحافظة على سلامة النقد اللبناني، وعلى الإستقرار الإقتصادي وعلى سلامة أوضاع النظام المصرفي (المادة 70). وللمصرف المركزي أيضاً، بعد استطلاع رأي جمعية مصارف لبنان، أن يضع التنظيمات العامة الضرورية لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها، كما أن له أن يحدد ويعدل كلما رأى ذلك ضرورياً، قواعد تسيير العمل التي على المصارف أن تتقيد بها “حفاظاً على حالة سيولتها وملاءتها” (المادة 174) والنسب الواجب توفرها بين الموجودات والمطلوبات (المادة 175). إلا أن هذه النصوص لا تكفي بحد ذاتها لإيجاد ركيزة قانونية للكابتال كنترول بغياب نص تشريعي خاص، وذلك للأسباب التالية:

  • أن النصوص أتت بشكل عام ومبهم. فهي لم تأتِ على ذكر صلاحية واضحة لوضع قيود على سحوبات المودعين (كابتال كنترول)، كإحدى صلاحيات المصرف المركزي منفرداً، مع الإشارة إلى أن هذا التدبير هو تدبير إستثنائي وخطير جداً نظراً لتداعياته الإقتصادية والإجتماعية الهائلة. فلا يعقل أن يستمد المصرف المركزي مثل هذه الصلاحية من نصوص عامة، أتت لتنظم علاقته بالمصارف وليس علاقته بأشخاص ثالثين مثل المودعين. فالقواعد التي يحق للحاكم فرضها على المصارف للحفاظ على حالة سيولتها وملاءتها، يقتضي أن تعني المصارف وحسب، كفرضه لهم زيادة رأس مالهم قبل نهاية العام وإلاّ دمجها بمصارف أخرى إلخ. (وهو عملياً أمر آخر يتم تداوله أيضاً حالياً إزاء المصارف اللبنانية)؛

  • أنه ونظراً لخطورة التدبير وإستثنائيته، فلا بد من إيجاد قانون خاص يرعى ويضبط القيود على السحوبات، وأن يضع فترة زمنية محدودة ومعقولة للعمل بهذا التدبير، على غرار ما أمكن تسجيله في القانون المقارن6،

  • أن إصدار قانون خاص ونشره، يضمن أيضاً الحق للوصول إلى المعلومات. فالتدابير المفروضة حالياً، وفي الوجه المفروضة فيه، أي في غياب تام لأي شفافية تسمح للمواطن معرفة ماهية القيود وضوابطها، تضرب بعرض الحائط أي حق للوصول إلى المعلومات وتغرق المواطن في بحر متغاير من القلق والتشويش. “كل أسبوع شي…” تقول لي سهى، “اليوم السقف هو 250 د.أ.، الأسبوع القادم قد يتم منع سحب الدولار في المطلق، ناهيك عن القيود على سحب الليرة”. والواقع هو أيضاً، التفاوت بين مصرف وآخر إزاء هذا الأمر، فلكل مصرف سقف للسحوبات الخاصة به. هذا هو أحد العوامل الأساسية لنزع الثقة من القطاع المصرفي، فلا ثقة يمكن أن تتبلور في فضاء ضبابي وغير شفاف مماثل.

  • لا بل أن إصدار أي قانون بهذا الشأن، يجب أن يرعى خصوصية إلتزامات لبنان الدولية بهذا الشأن، وذلك على ثلاثة أصعدة أساسية هي التالية:

1- أن لبنان هو عضو في صندوق النقد الدولي، وبالتالي ملتزم بقواعده الأساسية، والتي تنص على أن أي مخطط لإيجاد كابتال كنترول لدى إحدى دول الأعضاء يقتضي أن يقترن بموافقة من قبل البنك الدولي7؛

2- أن لبنان موقع على عدد من المعاهدات الدولية والثنائية الهادفة إلى تنشيط وحماية الإستثمارات المتآتية من الدول الأجنبية الموقعة مع لبنان على مثل هذه المعاهدات (مثل النمسا وكندا وفرنسا والكويت والأردن وألمانيا إلخ.)، والتي تنص جميعها على عدم جواز وضع القيود على التحويلات من وإلى المستثمرين. فتنص مثلاً إتفاقية تنشيط وحماية الإستثمارات المتبادلة بين لبنان وجمهورية ألمانيا الإتحادية بتاريخ 28/03/1997، والمبرمة بموجب القانون رقم 292 تاريخ 05/11/1998، على حماية تلك الإستثمارات وضمان التحويل الحر للمدفوعات المتعلقة بها (مواد 3 و4 من الإتفاقية المذكورة)، على أن تجري من دون أي تأخير. وعليه، يشكل وضع سقوف للسحوبات المرتبطة بهذه الإستثمارات خرقاً للإتفاقيات المذكورة وتهديداً لإستثمار الدول الأجنبية في الإقتصاد اللبناني؛

3- الأهم من كل ذلك، هو خرق كابتال كنترول الأمر الواقع الممارس حالياً في لبنان للمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية (الذي تبناه الدستور اللبناني في الفقرة “باء” من مقدمته، والذي بات جزءاً لا يتجزأ منه بموجب قرار المجلس الدستوري رقم 2، الصادر بتاريخ 10/05/2001). فالمادة 11 من هذا العهد تنص حرفياً على أن لكل شخص الحق “في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى”، ولكل شخص الحق في تحسين متواصل لظروفه المعيشية” و”التحرر من الجوع”. غير أن التدابير المصرفية الحالية تؤدي عملياً إلى ضرب هذا الحق الدستوري بعرض الحائط، لا سيما لشمول رواتب الأجراء بالقيود على السحوبات مع ما يتفرّع عن هذا الأمر من تداعيات سلبية على المودعين الأجراء إزاء تسيير أعمالهم ومشترياتهم اليومية وتأمين مستوى معيشي كاف للأجير ولأسرته. هذا فضلاً عمّا قد يتنج من تشجيع إستخدام البطاقات المصرفية أو الشيكات (المحررة حصراً لحامله)، من ضرب للمؤسسات الصغيرة (مثل سمّان الحي وغيره)، التي ترتكز في عمليات القبض على النقد بشكل أساسي أو حصري. وتالياً ما يتفرع عن كل هذه الأمور من تفاقم لظاهرة الجوع في صفوف القاطنين في لبنان.

وأمام فداحة هذا الواقع، بقي صمت الدولة يدوي في الفضاء العام. فهي لم تحرك ساكناً لإنقاذ الوضع ولو من باب تخفيف وطأة الأزمة. والواقع أن النظام، المشكل عملياً من تقاطع تاريخي بين السلطة السياسية والسلطة الإقتصادية، يتخبط خصوصا منذ 17 تشرين لإنقاذ ذاته متعنتاً ومتمسكاً بهويته الحالية بوجه نقمة الشعب الثائر، فإذ به يمعن بتقاعسه عن إيجاد خطة إنقاذية للبلد، ولضبط الأسواق والمصارف والليرة معاً. وفي ظل “تشبّح” أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية (إذا جاز التعبير)، يبقى القضاء هو الجهاز الرسمي الوحيد المُتاح حالياً للشعب – بالتزامن مع حق المقاومة والعصيان لمواجهة إستبداد النظام8 – لوضع المصارف (وتالياً النظام بأجمعه) في مواجهة مع شبح عيد الميلاد المستقبل. فكيف له أن يسقط سطو المصارف على حيوات الشعب إذاً؟

شبح المحاسبة يتبدى في الأفق

يقتضي التذكير بداية بالنظام القانوني الذي يرعى علاقة المصرف بالمودعين:

فالعقود المبرمة بين المودعين والمصارف تتصف عموماً بعقود إيداع وبالتالي تترتب عليها جميع المفاعيل القانونية المتعلقة بهذا النوع من العقود وفق القوانين اللبنانية، لا سيما في قانون التجارة البرية9 وفي قانون الموجبات والعقود10. فقد نصت المادة 307 من قانون التجارة البرية “أن المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب عليه أن يرده بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعينة في العقد”. ومن المُسلم به فقهاً وإجتهاداً أنه وفي هذه الحالة تُطبق أحكام قانون الموجبات والعقود المتعلقة بالوديعة وبعارية الإستهلاك11. وقد نصت المادة 690 من قانون الموجبات والعقود أن “الايداع عقد بمقتضاه يستلم الوديع من المودع شيئاً منقولاً ويلتزم حفظه ورده”. كما نصت المادة 691 من نفس القانون على أنه “اذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أشياء من المثليات، وأذن للوديع في استعمالها، عد العقد بمثابة عارية استهلاك”.

بالتالي يستفاد من ذلك، أن للوديعة المصرفية طبيعة عارية استهلاك وأنه على عاتق المصرف موجباً أساسياً هو موجب رد الأموال، وفق منطوق المادة 761 من قانون الموجبات والعقود (مفاعيل عارية الإستهلاك) التي تنص حرفياً على أن “على المقترض أن يرجع ما يضارع الشيء المقرض نوعاً وصفة”. أي أنه لا يحق للمصرف أن يرجع ما يعادل الشيء بالقيمة، بل عليه أن يرجعه بالنوع والصفة. وإن هذا الأمر مسلم به فقهاً وإجتهاداً، لا سيما عندما يكون هذا الشيء مبلغاً من النقود، وذلك عملاً بمبدأ القوة الإسمية للنقد (nominalisme monétaire)12. بمعنى آخر فإن وديعة الدولار الواحد مثلاً، يقتضي أن يتم ردها كدولار واحد، وليس على أساس ما يعادلها بالليرة اللبنانية إلخ، وإلاّ شكّل هذا الأمر مخالفة للمبدأ وللقوانين المذكورة.

خاتمة

في أنشودته الميلادية، أراد ديكنز أن يحثّ قرّاءه على القيام بأعمال خيرية تجاه الفقراء والفئات الإجتماعية المتعسرة. هذه ليست رسالتي… المطلوب هو حتماً ليس قيام المصارف بأعمال خيرية… المصارف أصبحت اليوم خصما غير شريف. خصم جنى مبالغ هائلة من الأرباح خلال السنوات التي مضت، لا سيما تبعاً لإستدانة الدولة منه وتسديدها الدين والفائدة الباهظة له على عقود. هو خصم متشابك مع السلطة السياسية بشكل وثيق بفعل ممن يكوّن مساهميه وأعضاء مجالس إدارته. وهو خصم لا شك أنه يساهم اليوم في عملية إفقار الشعب وتهميشه وتالياً إخضاعه – فالسياسات المصرفية ألزمت حتى من تفادى لسنوات على الدخول إلى فضاء المصارف (فلم يفتح يوماً حساباً له فيها) على الدخول مرغماً إليه. المطلوب هو محاسبة سكروج المصرفي وإرغامه على إعادة الأموال. فهو جزءٌ لا يتجزأ من النظام وأحد أركانه الأساسية، يقتضي التعاطي معه على هذا الأساس. ومقابل صمت الدولة المدوي، تغني 17 تشرين أناشيدها، فهل يغني معها القضاة ليكتمل المشهد؟

1 إسم مستعار.

2 “A Christmas Carol” by Charles Dickens.

3 Ebenezer Scrooge.

4 الحلقة 11 من البودكاست القانوني التابع للمفكرة القانونية: “تجليات الأزمة المالية (3): المصارف“، كريم نمّور يحاور المحامي كريم ضاهر.

5 المرسوم رقم 13513، “قانون النقد والتسليف وانشاء المصرف المركزي”، الصادر في 01/08/1963.

6 كريم ضاهر، الحلقة 11 من البودكاست القانونية، مذكور أعلاه.

7 المرجع نفسه.

8 يراجع كريم نمّور، “حق المقاومة والعصيان لمواجهة استبداد النظام“، المفكرة القانونية، 02/11/2019.

9 المرسوم الإشتراعي رقم 304، “قانون التجارة البرية”، الصادر بتاريخ 24/12/1942.

10 الصادر في 09/03/1932.

11 فابيا وصفا، الوجيز في شرح قانون التجارة، الجزء الأول، 2004، دار البيريل.

12 Jérome HUET, “Les Principaux Contrats Spéciaux », DELTA – L.G.D.J., 1996.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *