كيف تمّ تمديد عقد Sonatrach ‏4 مرات في مجلس الوزراء؟ مسرحة الشراء العام في زمن المحاصصة


2020-10-07    |   

كيف تمّ تمديد عقد Sonatrach ‏4 مرات في مجلس الوزراء؟ مسرحة الشراء العام في زمن المحاصصة
رسم رائد شرف

يشكّل عقدSonatrach  لشراء الفيول إحدى أبرز صفقات الفساد الحاصلة في العقدين الأخيرين. فالمعلومات المتوفرة عن استيراد الفيول المغشوش إنما تؤشر إلى أن تنفيذه أدّى إلى هدر مبالغ طائلة، يرجح أنها تجاوزت 300 مليون د.أ سنويا طوال 15 سنة أي ما مجموعه 4 مليارات ونصف مليار د.أ خلال الفترة المذكورة. فضلا عن ذلك، فقد تميزت هذه القضية بأنها حظيَتْ بخلاف قضايا فساد كثيرة، بتحقيق جزائيّ أماط اللثام عن كثير من جوانب الفساد في الإدارة العامة، وبخاصة في وزارة الطاقة واالمختبرات، وإن ما يزال التحقيق يحتاج إلى مزيد من التعمق لكشف المزيد من المسؤوليات، وبخاصة السياسية منها. وإذ أسهب القرار الظنيّ الصادر في 10 تموز 2020 في تبيان العديد من هذه الجوانب والرشى المدفوعة لصغار الموظفين أو للمدراء العامين، فإنه تطرق أيضا إلى وقائع المناقشات في مجلس الوزراء والحاصلة منذ 2011 حتى 2017 وتحديدا بمناسبة مناقشة مدى ملاءمة إنهاء العقد أو تجديده، علما أن التجديد قد حصل بموجب بند تمديد تلقائي للعقد كل ثلاث سنوات. بالنظر إلى أهمية هذه القضية، نشرت “المفكرة القانونية” حلقة أولى عنه خصصتها لتبيان اللاتوازن ضد الدولة ولصالح الشركة والذي يشوب العقد الموقع مع الشركة في 2005. هذه الحلقة نخصّصها لفهم كيفية تمديد العقد 4 مرات لتصبح مدته 15 سنة في مجلس الوزراء، على أن نخصّص حلقة أخيرة نتناول فيها جوانب الفساد في تنفيذ العقد (المحرر). 

فيما كانت وزيرة الطاقة ندى البستاني تتلقّى التهاني بكسر احتكار كارتيل النفط للمواد النفطية عبر فوز شركة ZR energy  بمناقصة البنزين في 9/12/2019، كانت سفن الشركة ذاتها التي تحتكر سوق الفيول-الأويل تجوب الساحل اللبناني محمّلة بالفيول المغشوش. لم تدُمْ الفرحة طويلا إذ بعد 3 أشهر بدأت ملاحقة شركة ZR energy قضائيا إثر الكشف على أنها المورد الحقيقي للفيول-أويل المغشوش على متن سفينة Baltic  التي وصلت إلى لبنان في 11/3/2020 تحت غطاء شركة Sonatrach. وقد فضح القرار الظني في هذا الملف الإحتكار الحاصل من قبل شركة ZR Energy من خلال احتكارها تنفيذ العقد الموقّع بين الدولة وSonatrach والذي تجدّد تلقائيا حتى الآن أربع مرات في ظروف أقل ما يقال عنها أنها مشبوهة. وفيما نشرنا من قبل الحلقة الأولى من هذا المقال حول اللاتوازن في هذا العقد لصالح شركة Sonatrach، فإننا نتساءل في هذه الحلقة عن كيفية التجديد لهذا العقد.

وبالعودة إلى تفاصيل القضيّة، تذكر أن وزارة الطاقة كانت تعاقدت رضائيا مع شركةSonatrach  (غير الجزائرية) في 9/11/2005 لتوريد الفيول-أويل لمدّة 3 سنوات. وقد ضمنت العقد التزاما بالحفاظ على سريته، كما ضمنته بندا بتجديده تلقائيّا كلّ ثلاث سنوات إلا إذا وجّه أحد الفرقاء إنذارا بالإلغاء قبل 90 يوما على الأقلّ من انتهاء مدته. وفيما أن التوقيع على العقد الأساسيّ شكّل تجاوزا لقواعد الشراء العام الواردة في قانون المحاسبة العمومية والتي تفترض حصول شراء كهذا من خلال مناقصة عمومية، كشف تمديد العقد ل 15 سنة خطورة هذا البند الذي يناقض ليس فقط هذه القواعد إنما أيضا الدستور سواء لناحية الإلتزام بقاعدة سنوية عقود اللوازم والأشغال أو لناحية المنافسة والشفافية، وفق ما أوضحناه في الحلقة السابقة. ويلحظ أن المواقف في مجلس الوزراء لم تكن موحّدة بشأن تمديد العقد، أقله ظاهريا، بدليل عجز الوزراء عن الوصول إلى قرارات بهذا الشأن. لكن، ورغم المواقف المعارضة لتمديد العقد، فإن تعطيل القرار داخل هذا المجلس أنتج مفاعيله لجهة تمديد أحد العقود الأكثر كلفة للدولة دوريا بفعل بند التجديد التلقائي للعقد. وهكذا استمر هذا العقد بعد انقضاء مدته الأساسية (1/1/2006 إلى 31/12/2008) لأربع فترات متتالية ما بين 2009-2011، و2012-2014، و2015-2017 و2018-2020 ، بعدما تحوّل اللاقرار بفعل بنود العقد الأساسية (وتحديدا بند التجديد الضمني) مرادفا لقرار التمديد.

وتبرز أهميّة القرار الظني في ملفSonatrach  بأنّه لأول مرّة يكشف للرأي العام فحوى المناقشات الحاصلة داخل مجلس الوزراء بشأن أحد العقود الأكثر كلفة في موازنة الدولة. وهذا ما يتحصل من تضمين القرار الظني إفادة كل من وزيري الطاقة السابقين ندى البستاني ومحمد فنيش اللذين استمع إليهما قاضي التحقيق فضلا عن مقاطع واسعة حول فحوى محاضر لجلسات عدة لمجلس الوزراء ناقشت تمديد هذا العقد[1].

وتبعا للتدقيق في هذا القرار، أمكن القول أنه يشكل إضاءة على أربع توجهات سلبية في هذا الشأن، سنعلّق عليها في سياق عرضها، وهي توجهات تكشف الكثير حول ممارسات الهدر والاحتكارات والفساد وطرق إدارة الشأن العام.

 

1-المماطلة

أول هذه الممارسات هي التأخير والمماطلة، وصولا إلى وضع مجلس الوزراء أمام أمر واقع قوامه تمديد العقد لثلاث سنوات. وهذا ما نستشفه من مضمون القرار الظني بخصوص النقاشات الحاصلة في مجلس الوزراء عند قرب استحقاق تمديد العقود، أقله بالنسبة إلى سنوات 2011 و2014 و2017.

ومن أهم الشواهد على هذه المماطلة، مطالبة عدد من الوزراء بإرجاء النظر في العقد بالنظر إلى حساسيته داعين لمناقشته في إطار التفاوض بين الكتل السياسية. من أهم الشهادات على ذلك، ما نسب للوزير نبيل دي فريج في حكومة تمام سلام الذي صرح في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة أن ثمة أمورا تتجاوزه ويتوجب عليه العودة بها إلى كتلته السياسية لحسمها.

أمر آخر يُؤشّر إلى المماطلة هو ربط إبلاغ الشركة بالرغبة بعدم تجديد العقد بنتائج المناقصة المزمع إجراؤها لشراء الفيول، وذلك تحّسبا لأي ردود أفعال لدى الشركة قد تؤدي إلى تأخير وصول الفيول وتاليا إلى تعطيل تأمين الكهرباء. وقد عبّر الوزير محمد فنيش بشكل خاص عن هذا الموقف، معلّلا إياه أن أيّ تسرع في إنهاء العقد قبل إجراء المناقصة قد يؤدي إلى الإضرار بمصالح الدولة. وفيما بدا هذا الموقف مبررا، فإنه أعطى معارضي وقف العقد فرصة إضافية للمماطلة من خلال اختلاق نزاعات واختلافات حول شروط دفتر الشروط لإطلاق المناقصة. وقد أدى هذا الأمر إلى التقاعس في إجراء المناقصة رغم الاتفاق على مبدئها منذ 2011.

ففي 2011، أدّت الأزمة السياسية إلى تأخير إجراء المناقصة العمومية التي تم الإتفاق على إجرائها في السنة ذاتها مما أدى إلى تأخير البحث في التجديد للعقد فتجدّد تلقائيّا. وفي حين رفع دفتر المناقصات عام 2012 إلى وزارة المالية، لم يتم توقيعه من الوزير آنذاك محمد الصفدي بل استمر تأجيل إقراره في الوزارة حتى صار علي حسن خليل وزيرا للمالية. وإذ قرّر مجلس الوزراء مرة ثانية بتاريخ 13/11/2014 تأجيل البحث بعرض وزارة الطاقة والمياه للصيغة النهائية لدفتر الشروط المتعلق بشراء الفيول، عادت وزيرة الطاقة السابقة ندى بستاني لتبرز المحضرين رقم 44 و45 المنظمين في 2015، حيث انتهى مجلس الوزراء إلى تأجيل البحث بعرض وزارة الطاقة والمياه للسير بدفتر الشروط المتعلق بشراء مادة الفيول أويل لمزيد من الدرس.

وفيما لم يجد الوزير فنيش حرجا في دعوة مجلس الوزراء إلى التسليم بتجديد العقد بعد انقضاء المهلة الضرورية لإبلاغ الشركة القرار بعدم تجديده (2017)، فإن الوزيرين باسيل الوزير باسيل وسيزار أبي خليل شككا صراحة عدة مرات بنوايا الوزراء بتأجيل النقاش بهدف أن تصل الحكومة إلى الوقت المحدد من دون أن تتخذ أي قرار.

كما تجدر الإشارة إلى أن مسؤولية استمرار العقد لهذه الفترة الطويلة لا يتحملها فقط الفريق المؤيد لتجديد العقد، ولكن أيضا الفريق المعارض لتجديد العقد والذي غالبا ما أبدى اعتراضه على تجديد العقد متأخرا، أقله عند تجديده في آخر 2011 أو في آخر 2014. وللدلالة على ذلك، يلحظ أن وزير الطاقة السابق جبران باسيل لم يبدِ اعتراضه على تجديد العقد في 2011 إلا بعد انقضاء المهلة التي يقتضي خلالها ممارسة حق الإعلان عن عدم تجديد العقد، بحيث طالب بوضع قضية العقد على جدول أعمال مجلس الوزراء في 5/10/2011. فرغم أن العقد كان قد مرّ عليه  أكثر من 6 سنوات وأنه أحد العقود الأكثر كلفة للوزارة بل للحكومة، فقد تقدّم بطلبه قبل أقل من تسعين يوما من انتهاء مدة العقد المجددة، وتاليا بعد زوال حق الدولة بإعلام الشركة بعدم رغبتها بتجديد العقد.

 

2-ذرائع لا تصمد أمام أي جدل جدي:

هنا، نلقى ذرائع عدة قدمها المعارضون لرفض عدم تجديد عقد سونتراك أبرزها الآتية:

ذريعة أولى: الحفاظ على علاقات جيدة مع الجزائر والكويت

من أشرس المعترضين على عدم تجديد العقود الوزير نبيل دي فراج عام 2014 (تيار المستقبل) بذريعة أن العقد هو مع دولة عربية ولعدم خلق اشكالية معها. كما تذرّع عام 2015 بأنه يجب إعطاء أفضلية للشركات التي تملكها دول منتجة للنفط (رغم أن الجزائر لا تنتج الفيول-أويل الذي نستورده مما يفرّغ هذا الشرط من معناه). وقد أثار المسألة رئيس الوزراء في 2017 سعد الحريري مجددا بصيغة أخرى متسائلا في حال طرح مناقصة ما اذا كان سيترتب عليها مشاكل مع الكويت.

من ناحيته، أشار الوزير جبران باسيل بأن لا شيء يمنع أن تشترك بالمناقصة شركات تنتمي إلى دول، وأن العقد مع Sonatrach ومع KPS ليس بمنطق من دولة إلى أخرى بل هي مع شركتين تملكهما دولتان، ويمكن أن تتقدم شركات أخرى تملكها دول وتعطي أسعارا أفضل من الأسعار المقدمة من الشركتين. وقد أشار الوزير علي حسن خليل بهذا الصدد أن العقد مع الجزائريين على عكس العقد مع الكويتيين هو مبهم الى أقصى الحدود ومفتوح على الكثير من التفسيرات.

ذريعة ثانية: الأمن الطاقوي

أما الذريعة الثانية للمتمسكين بعقد Sonatrach فهي الأمن الطاقوي. وقد سعى الوزير محمّد فنيش إلى إدخال هذا المفهوم إلى نقاشات مجلس الوزراء فاعتبر أن مخزون الفيول-أويل يؤمن الأمن الطاقوي واعتبر أن عقد Sonatrach  أساسي لهذا الأمن ويشكّل محطة مفصلية سمحت بالإبتعاد عن المشاكل المتعلّقة بقطاع الكهرباء التي سبقت عهد استلامه للوزارة في عام 2005 والمرتبطة بإمدادات الفيول-أويل كما شدّد على أنّه ضد السماح للشركات بأن تتحكم في الدولة لجهة التدقيق بالمواصفات والوقت والنوعية وكيفية إدخالها. وطالب بالإستمرار بتحسين الشروط عبر التفاوض مع الشركتين وهو ما يسمح به العقد خاصة فيما يتعلّق بالتفاوض على قيمة الجعالة. كما رفض رفضا مطلقا إلغاء العقود والعودة إلى حقبة ما قبل سنة 2005 وصرح بأنه لا يمانع بإجراء مناقصات شرط إبقاء توريد الحد الأدنى من الفيول-أويل بعهدة الشركتين ضمانا للأمن الطاقوي.

من جهته أشار الوزير بيار بو عاصي في مداخلته ردّا على الوزير فنيش  بأنه لا يوجد ما اسمه الأمن الطاقوي وأن الطاقة هي عرض وطلب، والبضاعة موجودة في أيّ مكان، وتصل بكلّ الوسائل الممكنة وفي حالة الحرب يتوقف مجيء السفن من كل الأمكنة وينضب المخزون كما يجب إجراء مناقصة لتحقيق وفر في حال نجحت وإلا الإبقاء على العقود.

تجدر الإشارة إلى أن الأمن الطاقوي يهدف إلى تحقيق الإستدامة في تأمين الطاقة. وإذا كان الأمن الطاقوي يعني بحسب تعريف الأمم المتّحدة تأمين مصادر الطاقة بشكل غير منقطع بأسعار معقولة، فذلك لا يقتصر على تأمين الطاقة من المواد النفطية الخام بل على العكس يطرح أكثر فأكثر استبدال المواد النفطية غير المتجدّدة بمواد طاقة متجدّدة مثل الطاقة الشمسية والهيدروليكية والهواء خاصة للدول غير المنتجة للمواد النفطية التي من الصعب أن تبقي لديها مخزون من المواد النفطية لأكثر من بضع سنوات. وهو أمر لم يسعَ لبنان لتطويره على مدى 15 سنة. كما أن الأمن الطاقوي يشمل توفر منشآت فعّالة لتوليد الطاقة على مدار الساعة. أكثر من ذلك باتت  اليوم حتى الدول المصدرة لمصادر الطاقة مثل الجزائر تستصعب في المستقبل تأمين أمن طاقوي من دون تخفيف الإعتماد على المواد النفطية غير المتجدّدة. من هنا فإن الحديث عن أمن طاقوي متحقّق في لبنان بفعل توفّر مخزون فيول-أويل لمدّة سنة واحدة وعدم المس بعقود احتكار درءا لخطر انقطاع الكهرباء لا معنى له ويقف عائقا أمام وضع سياسة طاقوية حقيقية مستدامة.

وما تحذير الوزير فنيش عام 2017 من خطورة إبلاغ الشركات الموردة بإنهاء العقود قبل إجراء المناقصات ومعرفة نتائجها إلا اعتراف ضمنيّ بعدم تحقّق الأمن الطاقوي واعتراف بقدرة الشركات على تهديد لبنان بقطع الكهرباء وهو ما كان يمكن حدوثه لو كانت هذه العقود توفّر حقيقة الأمن الطاقوي.

ذريعة ثالثة: التوجس من المناقصة “المشبوهة”

أخيرا، أوضح فنيش في مداخلته أن إحدى أهم ميزات عقد Sonatrach أنه أخرج البلد من كل الاجراءات السابقة لجهة المناقصات التي كانت تجري وتفوح حولها الكثير من الشبهات، سواء لجهة المواصفات أو لجهة التأخير بوصول الباخرة وانقطاع الكهرباء وما دار حول ذلك من ملابسات وتشكيك ومن خسائر وانقطاع كهرباء علما أن التفتيش المركزي أشار منذ العام 2013 إلى أن شركة Sonatrach  تدور حولها شبهات فساد كثيرة ويجب إرفاق العقد بالأحكام الصادرة بحقها وبكتب ضمان. كما كان الوزير علي حسن خليل قد شكك بهويتها في مجلس الوزراء. أما في ما يتعلق بنوعية الفيول فقد دارت العديد من الشبهات حول عدم مطابقته للمواصفات.

ذريعة رابعة: عدم تعريض مسؤولية الدولة للخطر

الذريعة الرابعة تمثلت في النتائج الوخيمة المتأتية عن إعلام الشركة قرار الفسخ (وهي ذريعة تأتي عموما تبعا للمماطلة وبنتيجتها). ومن أهم المؤشرات على ذلك هو جواب فنيش على تساءل وزير الشغال العامة والنقل يوسف فنيانوس في عام 2017 عما إذا كان هناك بند جزائي في حال لم تجدد الحكومة العقد، أجابه الوزير فنيش بالإيجاب رغم عدم وجود بند مماثل.

 

3-عقد الشراء العام مسألة سياسية يجدر مناقشتها خارج مؤسسات الدولة

بالنظر إلى الوقائع المثبتة في القرار الظني، تظهر مناقشات مجلس الوزراء بشأن تمديد عقدSonatrach  في فترة 2011-2017 توجّها واضحا لدى العديد من القوى السياسية لتسييس عقد شراء الفيول. فلا يتم التعامل معه على أنه مسألة شراء عام يفترض الحصول فيها على أفضل شروط ممكنة وفق قانون المحاسبة العمومية، بل على أنها مسألة سياسية تخضع لمبادئ تقاسم السلطة أي المحاصصة. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد هو أن بعض الوزراء أكدوا صراحة أو ضمنا أن مسائل كهذه يتم التحاور بشأنها بين القوى السياسية، خارج مجلس الوزراء وتاليا في الكواليس، بما يوحي أن تحديد هوية المتعاقدين لا يتم لا بطريقة شفافة ولا على ضوء مصالح الدولة أو ما يقدمونه أو لا يقدمونه من خدمات أو عروض، بل على ضوء روابطهم مع القوى السياسية والتوافقات التي تحصل بين هذه القوى.

وقد برز هذا التوجه بشكل خاص في مداخلات الوزير نبيل دي فريج في جلسات مجلس الوزراء والتي أثيرت فيها مسألة تجديد العقود حيث عبّر عن تصوره لدوره كوزير ولكيفية اتخاذ قرارات مماثلة في مجلس الوزراء بل لمحدودية مجلس الوزراء نفسه. ومن أبرز هذه المداخلات:

  • أنه كوزير “هناك مواضيع يستطيع الكلام فيها وله حرية الكلام عنها، ولكن ليستْ له الحرية الكاملة في عملية من هذا النوع”. وبذلك عبّر عن تصوّره لمحدوديّة دوره كوزير حيث يبقى مقيدا بمواقف فريقه السياسي فيما يتصل بعمليات معينة، ومنها حسبما نفهم العمليات المشابهة والتي تشمل عقود الشراء العام،
  • “أن هناك حدوداً للنقاش في مجلس الوزراء”. وهذا التصريح إنما يؤشر إلى تصوّر دي فريج لدور مجلس الوزراء. فبخلاف ما يفرضه الدستور الذي ينيط بهذا المجلس “السلطة الإجرائية” ومن ضمنها “وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات … واتخاذ الاجراءات اللازمة لتطبيقها”، يذهب تصريح دي فريج إلى تجريده من هذه السلطة من خلال تحويله إلى مجرد أداة لإبرام ما قد تتّفق عليه القوى السياسية الحاكمة خارجه،
  • أنه صرح علاوة على ما تقدم “أنه بكل صراحة ثمة أمورا يُفضّل حلها بطريقة أخرى”. وهذا التصريح إنما يشير إلى أن المسائل التي تخرج عن تصوره لسلطة الوزير وسلطة مجلس الوزراء ويجدر حلها بطرق أخرى، لا تتصل بالضرورة بقضايا مصيرية أو ذات خطورة سيادية أو أمنية، إنما بشكل خاص عقود الشراء العامّ. وهذا الأمر إنما يعكس أولويات القوى السياسية التي تولي وفق هذا التصريح أهمية خاصة لصفقات الشراء العام التي تعقدها الدولة،
  • أنّه صرح أنّه يفضّل أن يتحاور وزير المالية علي حسن خليل ووزير الطاقة والمياه آرتور نظريان مباشرة مع رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة وفريق عمله (علما أن السنيورة لم يكن وزيرا آنذاك)، وأن بإمكانه أن ينضم إليهم. وهذا التصريح إنما يعطينا معلومات قيمة ونادرة حول الأسباب التي تقوده إلى تقليص سلطته كوزير أو سلطة مجلس الوزراء كسلطة إجرائية في قضايا الشراء العام. فهو من جهة أولى يحدد الأشخاص الذين سيتعين عليهم اتخاذ القرار، وهم يمثلون القوى الثلاث الكبرى في الحكم، وهم التيار الوطني الحر وحركة أمل (ممثلين بالوزيرين نظريان وخليل) فضلا عن كتلة المستقبل ممثلة بالسنيورة. ومن جهة ثانية، يوضح أن اللقاء يهدف للتحاور أي التفاوض من دون الإشارة إلى أي دراسات اقتصادية أو مالية. وإذ نفهم من هذا التصريح أن الغاية من التحاور ليست تقييم مدى ملاءمة استمرار العقد أو البحث عن الآلية الفضلى لشراء الفيول، إنما بالدرجة الأولى ضمان التوازن بين الفرقاء بما يتصل بعقود الشراء العام على نحو يرضي هؤلاء الفرقاء الثلاثة. وهو توازن قد يتحقق من خلال هذا العقد أو من خارجه، وكلها أمور يصعب مناقشتها في مجلس الوزراء أو في أي من المؤسسات العامة، لارتباطها بتوازنات بين مصالح فئوية أكثر من ارتباطها بمصلحة عامة.

 

4- عقد الشراء العام يتمّ في الكواليس دون معرفة الرأي العامّ

يضاف إلى ذلك أن مجمل المواقف، المؤيدة كما المعارضة لتمديد العقد، إنما تتم في الكواليس. ففيما يستشف من مداخلات دي فريج رغبته في حسم الخيار الحكومي في مفاوضات تجري خارج مجلس الوزراء أي سرا وبمنأى عن أي شفافية، فإن اعتراضات الجهة المعترضة (وفي مقدمتها التيار الوطني الحر) بقيت هي الأخرى طوال قرابة عقد من الزمن سرية ضمن مجلس الوزراء من دون أي احتكام للرأي العام. ففيما وصف الوزير جبران باسيل ما يحصل ب “أكبر فضيحة”، فإنه أكد “أنه يجب تجنب الحديث عن الأمر في العلن كون المواطنون سيتساءلون عندها لماذا لم يوفّر الوزراء إذا كان بمقدورهم ذلك”.

الوزير علي حسن خليل وزير المالية نفسه لزم الصمت واستمر في صرف الأموال لشركة Sonatrach رغم إقراره داخل مجلس الوزراء “أنه لا يعرف ما إذا كانت الشركة الجزائرية مملوكة من الحكومة الجزائرية”، أي أنه استمر في تسديد الأموال لشركة لا نعرف الكثير عنها من دون تنبيه أي من أجهزة الرقابة.

وما يزيد من هذا الأمر قابلية للنقد هو أن التمسك بهذه السرية إنما يحصل بمناسبة مناقشة عقد شراء عام بمبالغ طائلة، أي في مجال يفترض أن يخضع لأعلى قدر ممكن من الشفافية.

[1] الصفحات 72-88 من القرار الظني الصادر في 10/7/2020

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *