كيف تلقّت السلطة الحاكمة التدقيق الجنائي؟ حصان المحاسبة في مواجهة وحول المماطلة


2023-10-18    |   

كيف تلقّت السلطة الحاكمة التدقيق الجنائي؟ حصان المحاسبة في مواجهة وحول المماطلة
رسم رائد شرف

في تاريخ 11/8/2023، أصبح تقرير التدقيق الجنائي الذي أعدّته شركة “ألفاريز ومارسال” متداولًا على المواقع الإلكترونية. وقد نقلتْ بعض الصحافة الغربيّة (مثل “فايننشل تايمز” ووكالتي “رويترز” ووكالة الصحافة الفرنسية) بعض عناوين التقرير وكذلك فعلت الصحافة اللبنانية، تاركةً القراءة التفصيلية إلى وقت لاحق، نظرًا لحجم التقرير (332 صفحة). في المقابل، كانت ملفتةً برودة استجابة القوى السياسيّة لنتائج التدقيق، في مقابل حماسة العديد منها للانخراط في الجدل العام بشأن “المثلية”.  

ولتوضيح الصورة أكثر، أمكننا تصنيف ردود الأفعال على التقرير ضمن أربع فئات حسب وظيفتها:

تقزيم نتائج التدقيق الجنائي أو تجاهلها

رغم أنّ التقرير صدر بطلب من الحكومة اللبنانية، جاز القول إنّ رئيسها نجيب ميقاتي كان على رأس الذين تجاهلوا نتائجه. جلّ ما قام به هو توكيل الملف لوزيريْ العدل هنري خوري والماليّة يوسف خليل مع التركيز على أنّ المخالفة الأهمّ تمثّلت في “عدم اتّباع الأصول المحاسبية” وأنّ على وزير المال أن يعمل على حلّها. كما صرّح ميقاتي أنّه يعمل على تشكيل لجنة لإعادة النظر في قانون النقد والتسليف بهدف تحسين الحوكمة داخل مصرف لبنان عملًا بتوصيات التقرير (16 آب). وقد تفوّق عليه وزير المالية يوسف خليل بصمته في هذا الشأن. وتصبح هذه المواقف أكثر تعبيرًا عند مقارنتها بتصريح نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي لجهة أنّه “يجب التعاقد مع (ألفاريز ومرسال) لمواصلة التّدقيق وتمديد فترة التغطية إلى الفترة المتبقية، 2021 – 2023”.

وباستثناء تعليقين للنائبين علي حسن خليل وحسن فضل الله في إطار اجتماع للجنة المال والموازنة النيابية، فإنّ عموم قيادات ونوّاب حزب الله وحركة أمل لزموا الصمت. كما لم تستدع تشكيلة الفضائح في التقرير، تحرّك أيّ من الجيوش الإلكترونيّة لأحزاب السلطة، ما يوحي أنّه لا وجود لنزاع في ما يتعلّق بالتدقيق المالي ومساراته المحتملة.

تحويل التقرير إلى مادة للتراشق الإعلامي بشأن المسؤوليات

التلاعب والحديث عن الفجوة الماليّة هو ما أبرزته معظم وسائل الإعلام في اليوم الأوّل (11 آب) من نشر التقرير. كما سلّطت تقارير ذلك اليوم الضوء على فضيحة “فوري” والهبات والمساعدات و”الرعايات” (sponsorship) العالية الكلفة التي كان يمنحها المركزي لأشخاص ومؤسسات بعينها. لكن سرعان ما تحوّل الجدل إلى تراشق بالخطاب السياسي.

فقد ذهب جزء من الإعلام إلى تسليط الضوء أكثر على ما يرتبط بالهدر في قطاع الطاقة، هذا ما ذهب إليه مثلًا تقرير على محطّة “إم تي في” تحت عنوان “التدقيق الجنائي يكشف: تحويلات في عهد باسيل”، وتقرير آخر على “الجديد“، وتقرير على محطة “إل بي سي”. وهو ما تحدّث عنه الصحافي المحامي جوزيف أبو فاضل على منصة “إكس” أنّ “ألفاريز قالت في تدقيقها الجنائي في مصرف لبنان أنّ وزارة الطاقة أخذت 48 مليار دولار من 2010 حتى 2021 أي خلال 11 سنة فقط”” (12 آب). والمضمون ذاته أشار إليه نوّاب الجمهوريّة القويّة. وكان ردّ للنائبة ندى البستاني عبر منصة “إكس” اعتبرت فيه أنّهم “اجتزأوا تقرير التدقيق الجنائي عن سوء نية أو عدم دراية”. وأردفت ما حرفيّته: “هول من رياض سلامة مش من ألفاريز ومارسال يلي قالت بوضوح إنّها ما دققت فيهن” (15 آب). كما اعتبر رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل أنّ “التدقيق الجنائي كشف الحقيقة والتضليل الإعلامي يحاول رمي اللوم على وزارة الطاقة” (27 آب).

من أهمّ الجهات المعنيّة بنتائج التدقيق الجنائي إلى جانب الحكومة ووزارة المال، لجنة المال والموازنة النيابية ورئيسها إبراهيم كنعان. وقد وجدت هذه اللجنة نفسها موضع اتّهام على خلفية التصريح الذي أدلى به وزير المال السابق غازي وزني لـ “النهار” (25 آب) لجهة أنّ التقرير أنصف “خطة التعافي المالي التي أعدّتها حكومة حسان دياب في تحديد الخسائر التي قُدّرت حينذاك بحوالي 50.2 مليار دولار لدى مصرف لبنان وحوالي 18.6 مليار دولار لدى القطاع المصرفي وناقض بوضوح الأرقام التي قدّمت من لجنة المال والموازنة وجمعية المصارف التي أظهرت أنّها ليست دقيقة وليست صائبة”. أتى رد كنعان في مقابلة إذاعية متحدثًا عن بيع الأوهام في خطط استرداد أموال المودعين التي وضعتها حكومتا حسان دياب أو الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي. كما دعا أعضاء اللجنة إلى اجتماع في 28 آب حول الإجراءات التي سيتّخذها القضاء كما حول الإصلاحات المطلوبة في هذا الصدد، بما فيها تعديل القوانين أو إقرار قوانين جديدة. ويفهم من جدول الجلسة أنّ اللجنة تتهيّأ لرمي المسؤولية على القضاء (وهذا ما تمّ فعلًا رغم خضوع القضاء للاعتبارات السياسية وفق ما أوضحه النائب حسن فضل الله) وحصر وصيات التدقيق في إجراء إصلاحات قانونية كما أشار إليه ميقاتي. من جهته، وإذ تحدّث النائب علي حسن خليل عن ضرورة استكمال التدقيق لكشف كلّ التفاصيل، سارع إلى المطالبة بالتدقيق في “قطاع الكهرباء الذي حمّل الخزينة هذا العبء الكبير”. وفي ما بدا تصويبًا على حكومة حسّان دياب، قال: “صرفنا على الدعم أكثر من عشرة مليارات”.

وقد ارتأى النائب سامي الجميّل مهاجمة الأطراف مجتمعة من باب التصويب على حزب الله، فقال “المؤكد أن كل الاجهزة القضائية يمكن ان تتحرك جراء التقرير والمعلومات فيه بمثابة إخبار ولكن لا قضاء ولا حكومة ولا مجلس نيابي والدولة في الثلاجة بانتظار أن يحقق حزب الله ما يريد”.  (4 أيلول)

تمييع المسؤوليات الجنائية

بدأت الخطوات الرسميّة في 16 آب، إذ تقدّم وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال ​هنري الخوري​ بإخبار إلى ​النيابة العامة التمييزية​ بحقّ كلّ من ورد ذكره في التقرير. وفي 22 آب، أنهى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات مطالعته في هذا الشأن ليصدر قرارًا بإحالته إلى نيابات وهيئات عدّة لـ “إجراء التحقيقات اللازمة كلا ضمن اختصاصه”. وقد أصدرت مجموعة من الجمعيات (بينها “المفكرة القانونية”) بيانًا في تاريخ 24 آب تعليقًا على قرار  عويدات، رأت فيه أنّ “فكرة تجزئة التقرير، هي إحدى الاستراتيجيات التي يلجأ إليها القضاء في بعض الحالات لطمس الحقيقة. تتمثل هذه الطريقة في تقسيم التقرير إلى أقسام متفرّقة، ممّا يؤدّي إلى تشتت الصلاحيات وتضاربها. وبالتالي، تكون الأجهزة المعنية مجبرة على التعامل مع جزء محدّد فقط من المعلومات، وهو ما يقلّل من تركيز التحقيق”.

من جهته، لزم حاكم “المركزي” بالإنابة وسيم منصوري عمومًا الصمت حول الإجراءات التي ينوي اتخاذها. وفيما كان يُنتظر منه أن يبادر إلى استكمال التحقيقات أو اتخاذ إجراءات بشأن الحاكم السابق أو أي من الأشخاص المتواطئين معه، اكتفى بتأكيد استعداده للتعاون مع أي تحقيق مستقبلي والكشف عن المستندات لشركة “ألفاريز” (التي أنهت التحقيقات، أي في حال إعادة تكليفها). كما أكد على جهوزيّته تسليم المستندات فور طلبها من وزارة المالية فضلًا عن التعاون مع القضاء.

كما نسجّل في الاتجاه نفسه أنّ تكتّل الجمهورية القوية اكتفى بتقديم إخبار للمدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات (29 آب)، وإخبار آخر لدى هيئة مكافحة الفساد حول التدقيق الجنائي في مصرف لبنان (31 آب). وقد بدت هذه الخطوة بمثابة رفع عتب طالما أنّ التدقيق الجنائي بات معلومًا من الجميع ولا يحتاج استثمار نتائجه إلى إخبار بل إلى بناء إرادة سياسية بذلك ورأي عام داعم. 

الضغط من أجل استكمال التدقيق الجنائي

أوّل المطالبين باستكمال التدقيق هو نائب رئيس الوزراء الشامي. وقد طالب صراحة حكومته باتخاذ الإجراءات في “التعاقد معألفاريز لمواصلة التدقيق” وإتاحة جميع البيانات المطلوبة لها (17 آب). كما طالب بتشكيل لجنة داخل مصرف لبنان “لاتخاذ الإجراءات التصحيحية في إدارة المؤسسة”، وتحديد الانتهاكات واتخاذ التدابير اللازمة بحق المنتهكين.

في الاتجاه نفسه، أطلقت مجموعة من الوزراء السابقين بينهم وزيرة العدل السابقة ماري كلود نجم ووزير الاقتصاد السابق منصور بطيش اللذيْن كان لهما الدور الأبرز في إقرار “التدقيق الجنائي”، وكذلك الوزير السابق جان لوي قرداحي، والمحامي كريم ضاهر، عريضة تطالب مصرف لبنان بكَشف كلّ الحَقائق أمام شَركة التَدقيق و”الإعلان عن أسماء جَميع المُستَفيدين من هذه التَجاوزات والهَرطَقات الماليّة التي أدَّتْ في ما أدَّتْ إلَيه إلى سَلْب الناس مُعظَم ودائِعِهم (19 آب). وقد وقّع العريضة عَشرات الاقتِصاديّين والقانونيِّين والأكاديميِّين والإعلاميِّين. وفي 23 آب، تقدّم النواب إبراهيم منيمنة وياسين ياسين وفراس حمدان بطلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية وإعطائها بعض صلاحيات قضاة التحقيق.

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص في العدد 70 من مجلة المفكرة القانونية- لبنان

للاطلاع على العدد كاملا بنسخة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، مصارف ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية