كيف تتعامل الدولة اللبنانية مع فضائحها؟ فضيحة التعذيب في رومية نموذجاً (1)


2015-07-22    |   

كيف تتعامل الدولة اللبنانية مع فضائحها؟ فضيحة التعذيب في رومية نموذجاً (1)

بعد نشر مشاهد تعذيب (ضرب وحشي بالعصي وتعرية) طال سجناء إسلاميين في سجن رومية وتناقُلها على مواقع التوصل الاجتماعي في 21-6-2015، كان على السلطات العامة أن تجابه نوعين من الخطابات. فمن جهة أولى، خطاب إسلامي وهو الخطاب الصادر عن جهات إسلامية تحركت في مناطق عدة في لبنان دفاعاً عن الموقوفين في رومية. وقد وصل هذا الخطاب الى حدّ المطالبة باستقالة وزير الداخلية نهاد المشنوق. ومن جهة ثانية، خطاب حقوقي تمثّل في بيان أصدرته منطمات حقوقيّة عدة في 26-6-2015. وقد رأت هذه المنظمات فيه أن هذه المشاهد حسمت النزاع القائم بينها وبين الحكومة، لجهة وصف التعذيب الحاصل في لبنان: فهو منهجي وليس فرديا. وفيما أنّ للخطاب الأول تداعيات أمنية خطيرة، للخطاب الثاني تداعيات لا تقل وقعاً على صعيد الوعي المواطنيّ العامّ ومدى التزام الحكومة باتفاقية مناهضة التعذيب. وما يزيد من أهمية الخطاب الثاني هو أنه يأتي في غضون أقلّ من سنة من تقرير اللجنة الدولية للتعذيب بأن لبنان يمارس التعذيب المنهجي، وهو تقرير عدّته الحكومة آنذاك غير صحيح وغير منصف.

وإزاء تنامي هذين الخطابين، كان لا بدّ من استيعاب الصدمة الناجمة عن الفضيحة تمهيداً لصياغة رواية رسميّة تتضمن تفسيراً مختلفاً تماما للمشاهد المسرّبة. فإذا لم يكن من الممكن نفي حصول الفضيحة ولا دحضها، فإن الموقف الذي يناسب السلطات العامة يكون اذاً في فرض رواية رسميّة لها، أي في فرض سياق أو وصف لهذه الأحداث يكون منسجماً قدر الممكن مع مصالحها. وبالطبع، من الضروريّ ردّاً على هذين الخطابين أن يتمحور خطاب الأجهزة الرسمية حول مسألة أساسية، وهي إثبات أن التعذيب الموثّق بالصوت والصورة هو فرديّ وحصل كردّة فعل لبعض العناصر في ظروف استثنائية وليس منهجياً. وبكلمة أكثر وضوحاً، من الضروري أن يترافق تحميل بعض العناصر مسؤولية الخطأ الحاصل مع إثبات براءة شاملة لمجمل أجهزة الدولة.

وما نريده من هذا المقال هو تحديداً وصف خطوات السلطات العامّة ردّا على هذه الفضيحة، وهي تصلح ربّما كنموذج يستحقّ الدرس بشأن منعة النظام اللبناني إزاء الفضائح وقدرته على الالتفاف حولها. فكيف تتعامل “السلطة” مع فضائحها؟ والى أي درجة يجد المسؤول المعني نفسه مضطراً أمام هولها أن يقوم بمبادرة لتهدئة الرأي العام المصدوم ولاستعادة ثقة أتباعه به وبأنفسهم؟ وما ماهية هذه المبادرات؟ وإلامَ تؤول فعليّا؟ وهل تنتهي مفاعيلها فور تهدئة الرأي العامّ أم أنّ لها آثاراً حقيقيّة على صعيد المحاسبة أو على صعيد المنظومة القانونية أو القضائية؟
وبالعودة الى فضيحتنا، وفيما تولى عدد من الأجهزة مهمة استيعاب الصدمة، تُرك للقضاء مهمة ختم الرواية الرسمية، بحيث تستخدم “الحقيقة القضائية المفترضة” كدرع ضدّ “الفضيحة” يؤدي الى تقويضها بشكل كامل أو على الأقل الى الحدّ بشكل كبير من مفاعيلها وآثارها. فلإنجاح هذه الرواية وإعطائها ما تحتاج اليه من قوة، لا بدّ من تظهيرها على أنها تتفوّق على سائر الروايات الأخرى. فهي الرواية الصادقة الواضحة المسندة الى أدلة وتحقيقات وهي الرواية المزيّنة بختم القضاء وهالاته فيما أن مجمل الروايات الأخرى هي تأويلات ملتبسة وغوغائية لا تستند الى أيّ معطى جدّي وتؤدي عن قصد أو غير قصد إلى زعزعة الاستقرار والمسّ بهيبة المؤسّسات الأمنيّة.

وقبل المضي في سرد هذه الخطوات، تجدر الإشارة الى أن الإعتراض الأساسي في هذا المقال ينبع ليس بالضرورة عن إمتلاك الكاتب لرواية أخرى مغايرة، بل عن إمتلاكه أسبابا كافية للتشكيك في المنهجية المتبعة من هذه الأجهزة والتي بدت وكأنها تهدف الى إثبات فرضيّة معيّنة أكثر مما تهدف الى تثبيت الحقائق.

بعض الماء في كأس الخمر

بداية، وبهدف استيعاب صدمة الفضيحة كما سبق بيانه، كان لا بدّ للدولة أن تسرع في وضع اليد عليها، أن تظهر مدى اهتمامها بها، وأن تبادر مؤسساتها، كلا في مجال اختصاصه، وبنشاط وسرعة استثنائيين، الى الإحاطة بها في اتجاه رسم الإطار المناسب للنقاش العام ولآليات المعالجة. واذا وضعنا جانباً بعض التجاذب المضمر الحاصل بداية بين وزير العدل أشرف ريفي ووزير الداخلية نهاد المشنوق، يسجّل إنسجام كامل بين المؤسسات العامة في هذا المضمار. وباختصار، بدت مجمل التدابير والتصريحات الرسمية وكأنّها تهدف الى إثبات أن المسألة لا تستحق كل هذا السخط والحمأة أو على الأقل الى التلميح والإيحاء بذلك. ومن هنا تنطبق عليها العبارة الفرنسية القائلة بصبّ الماء في كأس خمر. وهذا ما سنحاول تفصيله أدناه.

ليس مهما من عذّب، فلنبحث عمّن سرّب

ما أن انتشرت مشاهد الفيديو، حتى برز خطابٌ سياسيّ واسع حول من سرّب الفيديو وما هي غاياته. وقد وصل الأمر الى صوغ سيناريوات معقّدة لاتهام هذه الجهة أو تلك بالتسريب[1]. وفيما وضعت بعض التحليلات التسريب في إطار التنازع على السلطة بين وزيري العدل والداخلية داخل البيت الواحد (تيار المستقبل)، فإنّ البعض ربط إشكاليّة التّسريب بمساعٍ لدى البعض بتفجير الشارع السنّي الذي لا بدّ أن يتأثّر عند مشاهدة الاسلاميّين السلفيّين السّنة وهم يتعرضون للتعذيب والإهانة[2]. وانطلاقا من ذلك، يصبح تسريب الفيديو أشدّ خطورةً من أعمال التعذيب المرتكبة، طالما أنّ من شأن التّسريب أن يُفجّر الأمن في مدن لبنانيّة عدّة. ويُنتظر بنتيجة هذا الواقع أن تطغو مشاعر الإضطراب إزاء التسريب على مشاعر الإضطراب ازاء التعذيب. وإذا ذهبنا الى عمق هذا المنطق، يظهر أن المصلحة العامة تقضي لو أن هذه المشاهد بقيت مخفية وغير معروفة، لو أننا لم نرَ ولم نسمعْ ولم نعلمْ. أما وأن هذا الأمر قد حصل، فحبّذا لو نركّز على ملاحقة الذين سرّبوا الفيديو منعاً لتكرار ذلك، وأن نمتنع عن الحديث عن أعمال التعذيب في رومية تجنباً لنكء الجراح وإثارة الغضب في شارع الاسلاميين. وبذلك، تتحوّل علامة الاستفهام بشأن دور وزير الداخلية في تغطية التعذيب الى علامة تعاطف معه على أساس أنه عرضة لحملة تستهداف أداءه الجيّد[3] بل على اساس أنه نفسه ضحيّة… للتسريب. وبالطبع، لا يُسأل السيّاسيون وحدهم من جراء ذلك، بل تتحمل وسائل الاعلام الموجهة وغير الموجهة مسؤولية كبيرة في تغليب إشكالية التسريب مع ما تفترضه من خلفيات سياسية على إشكالية التعذيب مع ما تولّده من اضطراب ضميري ولعلّ خير دليل على الإبتذال في تضخيم إشكالية التسريب هو خروجها من النقاش العام فور إنحسار الغضب إزاء مشاهد التعذيب. وهذا ما يتأكد في القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق العسكري في 6-7-2015 والذي أدى عمليا الى تجهيل الجهة المسرّبة من دون أن يلقى ذلك أيّ انتقاد أو اعتراض. فطالما هدأت الخواطر، إشكالية التسريب كما إشكالية التعذيب لم تعد مهمة.

مساع للتبرؤ من التعذيب و… تبريره ضمناً

وفي موازاة السعي الى تحوير الإشكالية المطروحة، برزت مساعٍ حثيثة لتجريد مشاهد التعذيب من الأبعاد غير المرغوب بها. فما حصل هو أمر فردي ناتج عن أفعال وردود أفعال في ظروف استثنائية، وليس أوامر صادرة من القيادة ضمن سياسة منهجيةٍ للتعذيب في السجون. ومن هذا المنظار، اقترن تعهّد المسؤولين (وزيري الداخلية والعدل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي ابراهيم بصبوص) بمحاسبة المرتكبين بتبرئة الدولة بكامل أجهزتها من أي مسؤولية بل أحياناً بالإشادة بهذه الأجهزة التي لديها الشجاعة التامة للتحقيق في المخالفات المنسوبة الى عناصرها[4]. وقد وصل هذا الخطاب أبعد من ذلك: فرغم التأكيد على ضرورة معاقبة هؤلاء، تضمن الخطاب تبريراً مضمراً لتصرف العناصر المشاركين في التعذيب. وهذا ما نقرؤه بوضوح في دردشة لوزير الداخلية مع صحفيين. فبعد قوله “أن القضية انتهت وأصبحت أمام القضاء العسكري، فنحن لا نستطيع محاكمة مؤسسة فيها ثلاثون ألف عنصر بسبب ارتكابات ومخالفة خمسة أشخاص منها”، استغرب “التركيز على هذا الفيلم في الوقت الذي كان عرض قبل عشرين يوما فيلم عن تعذيب المساجين للعناصر الأمنية ولم يحرّك أحد ساكنا، ولم يعط هذا الموضوع الأهمية[5].وهو بذلك استهدفثلاثة عصافير بحجر واحد: فإلى جانب التأكيد على أن التعذيب فردي وليس منهجيا، استنهض من خلال تصريحه مزيجاً من المشاعر العصبية (مهنية ووطنية وطائفية معادية للتكفيريين) في مواجهة عصبية الاسلام السلفي. والأسوأ من ذلك، أنّه ظهّر مخالفات العناصر المشاركين في التعذيب مظهراً حسناً بحيث أنها بدت نتاج دوافع نبيلة قوامها الدفاع عن كرامة مؤسستهم وزملائهم الذين تعرضوا لاعتداءات شنيعة. وفي الاتجاه نفسه، عمدت شبكات تواصل اجتماعي عدّة الى التذكير بما ارتكبه الاسلاميون الموقوفون (الإرهابيون) هنا وهنالك، والى بث فيديوات عن التعرض لعناصر الأمن في مواجهة فيديوات التعذيب. وفيما دعت المفكرة القانونية مع عدد من المنظمات الحقوقية الى اعتصام تنديداً بالتعذيب وتضامناً مع ضحاياه، فانّها تلقت على صفحتها للتواصل الاجتماعي كمّاً كبيراً من التعليقات والشتائم. وقد ذهب العديد منها الى التشكيك بمصداقية المفكرة على خلفية أنها لم تعتصم عند الإعتداء على الجيش أو العناصر الأمنية. وقد وصل بعضهم الى حدّ المجاهرة بأن هؤلاء الموقوفين إرهابيون وليس لهم الحقّ بالتمتع بأي حقّ.

وقد سارع مفوّض الحكومة العسكري في غضون أقلّ من 48 ساعة من انتشار الفيديو الى الإدعاء على خمسة عسكريين وإحالتهم إلى قاضي التحقيق العسكري الذي وضع بدوره ختمه على الرواية الرسمية تلك في متن القرار الظني الذي أصدره في 6-7-2015 حسبما نعود اليه في القسم الثاني من هذا المقال.

فلنشرّع للمستقبل بدل الإسراف في مساءلة الماضي

هنا نتناول آلية أخرى لا تقل شيوعاً في التعاطي مع فضائح الدولة. ومفادها المسارعة الى إعلان مشاريع قوانين إصلاحية في موازاة الحدّ من مطالب المساءلة. والمبتغى من ذلك هو نقل النقاش الناجم عن انتهاكات كبرى من مجال المساءلة بما تستدعيه من خطوات واضحة وسريعة بحق مسؤولين بعينهم الى مجال الإصلاح التشريعي بما يستدعيه من خطوات طويلة الأمد ولا تستهدف أحداً. وهذا ما نقرؤه بوضوح كلّي في خطاب اللجنة النيابية لحقوق الانسان التي دعت الى عقد لقاء في 24-6-2015 بسرعة قياسية في غضون أقلّ من ثلاثة أيام من تسريب الفيديو. الا أنه وعلى نقيض المتوقّع على ضوء الاستعجال في عقد هذه الجلسة، خلا البيان الختامي المنشور على موقع الوكالة الوطنية من أي تدبير متصل بأعمال التعذيب الحاصلة في رومية، ليركز على إصلاح أوضاع السجون وتعزيز القوانين اللبنانية إزاء التعذيب بشكل عام. فكأن ما حدث ليس مهما بذاته انما فقط بما يكشفه من إشكالات وثغرات تشريعية وتنظيمية، سواء في مجال التعذيب أو في مجال السجون. وهذا ما عبرت عنه توصيات البيان بشكل بليغ حين استهلت بعبارة: “خلصت المناقشات الى ..الذهاب الى أبعد من هذه الحادثة، الى متابعة وضع التعذيب في السجون والنظارات تطبيقا للقوانين والاتفاقات الدولية”.وتبعا لهذه العبارة، استرسل البيان في عرض التوصيات التي تمحورت حول اصلاحات مستقبلية: اتخاذ اجراءات تنفيذية لتحسين أوضاع السجون، وتفعيل المادة 402 من أصول المحاكمات الجزائية التي تلزم القضاة بزيارة السجون وإقرار مشاريع قوانين عالقة أبرزها مشروع قانون تعديل المادة 401 الخاصة بالتعذيب وإنشاء وإقرار قانون الهيئة الوطنية لمناهضة التعذيب.

ومن دون التقليل من أهمية هذه التوصيات أو من ضرورة تطوير المنظومة التشريعية في هذا المجال، الا أنه يبقى لافتاً إعراض اللجنة عن أي إشارة ولو من باب رفع العتب إلى متابعتها أو رغبتها بمتابعة محاسبة المرتكبين أو تحديد المسؤوليّات في أحداث روميه، وخصوصا أن وزير الداخلية كان أنكر في سياق مفاخرته بقمع التمرد داخل السجن، إرتكاب أي من أعمال التعذيب. لا بل ذهب رئيس اللجنة النائب ميشال موسى أبعد من ذلك في اتجاه تأكيد التخلي عن ممارسة الصلاحية الرقابية، من خلال استباق التحقيقات القضائية بإعلان براءة ذمة وزير الداخلية والمؤسسة الأمنية المعنية ابراء حاسما ونهائيا. وهذا ما نقرؤه في جزمه على هامش الجلسة، بأن أعمال التعذيب فردية.

وبناء على هذه الاعتبارات، يظهر أن عقد الجلسة تلك إنما هدف الى استيعاب ردود الأفعال واستباق ما قد يأتي من استفسارات من قبل لجنة التعذيب الدولية، من خلال تعديل وجهة الإنتباه والنقاش، أكثر مما هدف الى استبيان الحقائق واستخلاص النتائج. وما يعزز هذا القول هو أن اللجنة النيابية أغفلت الدرس الأهم لفضيحة رومية على صعيد الاصلاح التشريعي، ومفاده عدم كفاية اقتراح القانون بتعديل المادة 401. فالتعذيب المشمول باقتراح التعديل لا ينطبق على حالات التعذيب الحاصلة خارج حالات التحقيق والاستقصاء، كما هي حالة الإعتداءات الحاصلة في روميه، وذلك في مخالفة صريحة لما نصت عليه اتفاقية مناهضة التعذيب[6]. واذ كان من المرتقب استغلال حادثة روميه لإعادة تصويب هذا الإقتراح، فان اللجنة أعادت التأكيد على مضمونه من دون أي تحفظ.

وبالطبع، إعتراضنا الأساسي هنا، ليس على الإصلاح التشريعي في مجال التعذيب والذي يبقى مهماً ومطلوباً رغم نواقصه، ولكن على استخدامه عن قصد أو غير قصد كإحدى أدوات حجب المساءلة، وكدليل جاهز لنفي أيّ اتهام للدولة بانتهاج التعذيب أو أيضاً لإثبات عزمها على مكافحته. وتأكيداً على ذلك، يكفي مقارنة خطاب اللجنة في هذه القضية بخطاب الحكومة اللبنانية ردّا على تقرير لجنة التعذيب الدولية المشار اليه أعلاه، والذي ركّز بالدرجة الأولى على مساعي المجلس النيابي لإقرار قوانين لمناهضة التعذيب. وما يزيد هذا الأمر قابلية للنقد هو البطء الشديد للعمل التشريعي، الأمر الذي يسمح بشهره واستخدامه مرة ومرارا وعلى طول سنوات في مواجهة ما قد يتسرب من فضائح تعذيب.

وهذا النهج –أي إجابة فضيحة بوعود إصلاحية- ليس جديداً. ولإدراك ذلك، من المفيد هنا التذكير بكيفية تعامل الدولة مع فضائح لا تقلّ وقعاً عن فضيحة التعذيب في رومية. وأكثر الردود على الفضائح دلالة في هذا الشأن، المنحى الذي سلكته الدولة تبعاً لفضيحة احتجاز الضباط الأربعة لأكثر من أربع سنوات تعسّفا في قضية مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري رغم خلوّ ملف التحقيقات من أي أدلة أو حتى شبهات على تورطهم فيها. فتجنّبا لمحاسبة القضاة المتورّطين آنذاك بالتوقيف التعسفي أو عزلهم عن مناصبهم السامية، إنبرى مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل الى تحويل الأنظار عنهم بحجّة أن المشكلة لا تكمن في سوء تصرفهم انما في النص القانوني الذي لا يضع حداً أقصى للتوقيف الاحتياطي في بعض القضايا المستثناة ومنها قضايا القتل. وكأنما يمكن للقاضي أن يحبس أياً كان ولو من دون أي دليل ما لم يمنعه نصّ عن ذلك. وخلال أيام قليلة، وتهدئة للخواطر، وضعت وزارة العدل مشروع قانون صادق عليه مجلس الوزراء بوضع حدّ أقصى للتوقيف الاحتياطي في جميع الجنايات بما فيها جنايات القتل، مع إلغاء جميع الاستثناءات على هذه القاعدة. وبذلك، أعطت الدولة مواطنيها انطباعاً بأنها تستوعب الدروس وتبادر من موقع مسؤوليتها وضمن أقصر المهل الى اتخاذ خطوات لمنع تكرار الأخطاء و…الفضائح. وإذ أدّت هذه الخطوات “المسؤولة” الى تهدئة صدمة الرأي العام إزاء فضيحة الإحتجاز التعسفيّ، تمّ بعد قرابة سنة إقرار مشروع القانون انما في صيغة مخالفة تماما لصيغته الأصلية ولأسبابه الموجبة. فبدل إلغاء الإستثناءات على قاعدة الحدّ الأقصى للتوقيف الإحتياطي، عمد المشرع الى إضافة استثناء جديد عليها وهو “جنايات الارهاب”[7]. واللافت أن استدارة ال180 درجة هذه حصلت وسط لامبالاة عامة، ومن دون أي تحفظ أو انتقاد، بعدما كان المواطنون نسوا تماما سبب وضع مشروع القانون والهدف منه. وعلى ضوء مبادرة الإصلاح هذه وما آلت اليه، بدت الدولة وكأنها لا تجد حرجاً في الإسراف بالوعود الإصلاحية لتهدئة صدمات الرأي العام ولو عن غير قناعة، على أن يرتبط تحقيق هذه الوعود بطبيعتها بروزنامة طويلة الأمد. فطول أمد انجاز الاصلاحات التشريعية يحرر الدولة من ضغط الفضيحة ويكسبها وقتا وتالياً هامشاً واسعاً للتحرر لاحقاً من هذه الوعود أو تحوير مسارها، مستفيدة من الظروف المستجدة والأهم من عامل النسيان.

هذا ما أمكننا قوله بشأن التوجات الاستيعابية للفضيحة. بقي أن نقرأ الرواية الرسمية التي تولى قاضي التحقيق العسكري ختمها.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا

:نشر هذا المقال في العدد | 30 | تموز/ يوليو 2015، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه

كيف تتعامل الدولة مع فضائحها؟ فضيحة التعذيب في رومية نموذجاً


[1] مثلا على ذلك: تصريحات ريفي بشأن تسريب الفيديو الى جريدة الجمهورية، 23-6-2015 وقد استرسل فيها ريفي في شرح المستفيد من التسريب الذي الهدف منه الهاء الرأي العام عن خسائر حزب الله والنظام السوري ومحاولة قسمة الشارع السني بين متطرف ومعتدل. وجريدة الأخبار، 25-6- 2015 حيث تم اتهام مستشار وزير العدل بالتسريب. كما نذكر تصريحا لمفتي طرابلس مالك الشعار والذي اعتبر أن التسريب هدف الى اثارة فتنة سنية سنية وذلك في خطبة في افطار رمضاني في 27-6-2015.
[2] مروان شربل في حديث للمنار، 23 حزيران 2015. والسفير والأخبار، 22 حزيران 2015.
[3] العبارة تعود لوزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس.
[4] البيان صدر في 21-6-2015.
[5] الوكالة الوطنية في 24-6-2015.
[6] لجنة الادارة والعدل تبتر اقتراح مخيبر لمعاقبة التعذيب، وتتشاطر في اعادة تعريفه، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 22، تشرين الأول 2014.
[7] نزار صاغية، بيداغوجيا المحكمة الدولية: تعديل المادة 108 نموذجا، الأخبار 13 تموز 2010.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، احتجاز وتعذيب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية