كتب مختارة: Joe Sacco, Footnotes in Gaza


2024-02-09    |   

كتب مختارة: Joe Sacco, Footnotes in Gaza
Metropolitan Books, 2010

تُخصّص المفكّرة – تونس في أعداد مجلّتها الفصليّة قسما لتقديم عدد من الكُتب المختارة، نراعي من خلالها تنوّع المواضيع ولغة الكتابة وجدّة الإصدار وراهنيّة الإشكاليات، وذلك بمساهمة من قرّاء وكتّاب متعاونين.

“جو ساكو والأرض”، سؤال ما يزال رسام الأشرطة المصوّرة والصحفي الأمريكي يبحث عن إجابة عليه حتى بعد صدور كتابه الأخير “دفع ثمن الأرض” Paying the Land والذي روى فيه كيف انتزعت الحكومات الاستعمارية أراضي شعب “الداني” في أعالي كندا من أجل استغلال النفط واستخراج الذهب. شعب قتل ولايزال يعاني من التهميش الممنهج و”الإبادة الثقافية”. روايات السكان الأصليين تتقابل في عدة أوجه مع قصص الغزّاويين الذي قابلهم جو ساكو وجاب معهم شوارع ومخيمات غزة لتسجيل روايتهم ورسمِها.

ساكو هو أحد رواد الصحافة المرسومة، يجوب بقاع العالم من العراق إلى البوسنة أو فلسطين ليقصّ علينا حكايات منسيّة. “غزة 1956، على هامش التاريخ” ليستْ مجرّد قصة شرائط مصورة تستعرض أحداثا تاريخية دموية من خلال منظور زمني بل مراوحة بين المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حقّ سكّان خان يونس في منتصف الخمسينيات وحياة الفلسطينيين في بداية الألفية الثانية وما يتعرضون إليه من إهانات يومية متكررة.

تدور أحداث الكتاب قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة. جال جو ساكو مع رفيقه عابد في مختلف المناطق والأحياء، وانغمس في حياتها اليومية، يستطلع ويحاور ويشاهد الانفجارات والاغتيالات والاختراقات، وتبيّن له ألّا فرق بين مشاهد اليوم أو مشاهد ما قبل أسبوع أو شهر أو سنة، فالقتل والاعتداءات هي نفسها تتكرر.

من الصعب أن نتخيّل أن ينجح عمل صحفي في سرد حكايات بالغة التعقيد مثلما يعيشه الشعب الفلسطيني ولكن ساكو استطاع بنجاح إعادة إحياء الذاكرة الفلسطينية وربطها بواقع معاش.

جراح لم تندمل بعدما نسي العديد سببها. حتى الفلسطينيين أنفسهم كانوا يسألون ساكو عن سبب نبشه لجذور الأحداث السابقة فيما أن وتيرة العنف المسلّط عليهم لم تتوقف بعد وأن واقعهم الحالي يعجّ بأحداث أخرى لا تقلّ دموية.

حاول المؤلف في البداية ومن خلال روبورتاج مصوّر قصير أن يفهم أسباب اندلاع الانتفاضة الثانية في 2000. ولكن ومع ضيق المساحة المخصصة للعمل اضطرّ ساكو لإزاحة الفقرات المتعلقة بالمذبحة القديمة وهذا ما جعله يعود للقطاع في 2002 و2003 ليجعل من الحكايات القديمة جزءا أساسيا من كتابه عن غزة، ذلك أن قصص الناجين من المجزرة الإسرائيلية كانت ولا تزال عند الكثيرين منسية، بل وغير معروفة.

مع بداية العدوان الثلاثيّ على مصر وبداية أزمة قناة السويس في 1956، اجتاح الجيش الإسرائيلي غزّة التي كانت غالبية سكانها من اللاجئين الفلسطينيين المهجرين أثر النكبة مقدما على قتل ما يقارب 275 فلسطينيا في بلدة خان يونس يوم 3 نوفمبر وإعدام 111 شخصا في رفح يوم 11 من نفس الشهر زاعما أنهم قتلوا في معارك مسلّحة في حين أنهم عزّل ولا يمتهنون أيّ ضرب من ضروب القتال المسلّح.

ساكو صحفي ورسام ذو مهنية عالية تجول في قطاع غزة ورسم شوارعها المغرقة في الوحل ومن قبلها في الدماء. عاين منازل الناجين من الإبادة وسور المدرسة الذي صفّ قبالته الفلسطينيين قبل رميهم بالرصاص.

دموية هذه الفظائع ما تزال حاضرة في عقول وضمائر سكان غزة ممن عايشوا أحداثها. هكذا ينقل ساكو عن عبد العزيز الرنتيسي – أحد قادة حماس (الذي قُتل لاحقًا بصاروخ إسرائيلي)، والذي كان يبلغ في عام 1956 تسع سنوات ويعيش في خان يونس – وصفه لمقتل عمه:” لقد ترك جرحًا في قلبي لا يمكن أن يُشفى أبدًا“. ويردف قائلا:” أنا أحكي هذه القصة وأنا على وشك البكاء… لقد زرعوا الكراهية في قلوبنا“.

كتاب جو ساكو أثار جدلا عند صدوره وقد شكك البعض في صحة رواياته بينما ذهب البعض إلى القول إن القضية الفلسطينية حسمت ولا حاجة إلى العودة إلى الوراء. لكن عمل ساكو دحض هذه الادّعاءات باعتماده على شهود عيان فلسطينيين وإسرائيليين عايشوا هذه المذابح إلى جانب جملة من وثائق الأمم المتحدة وأرشيفات إسرائيلية. عبر سرد مصور عن واقع مأزوم ومؤلم، استطاع الكاتب مزج الماضي بارتهانات الحاضر وتصوير الحياة اليومية الصعبة لمن ساعده في القطاع. كتاب يستعيد حضوره مع بداية حرب الإبادة الجديدة على غزة ويكنس سرديات بلد العسل والحليب الذي لم يدّخر ساسته وجيشه وأذرعه الإعلامية جهدا لطمس أحداثه.

نشر هذا المقال في مجلة المفكرة القانونية- تونس العدد رقم 28
للاطّلاع على العدد بصيغة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية