كتابة المحكمة، الحلقة المنسية في حديث اصلاح القضاء


2013-02-12    |   

كتابة المحكمة، الحلقة المنسية في حديث اصلاح القضاء

تعد كتابة المحكمة أحد أهم أسس العمل القضائي. ويبرز هذا الدور في الاشتراط التشريعي لوجوده كأحد عناصر العمل القضائي يشهد بصحة الاجراءات ويحرر محاضرها. ويضطلع كتبة المحاكم بدور محوري في تنظيم عمل المحاكم على اعتبار أنهم من يتلقون فعليا الشكايات والمحاضر والعرائض ويسهرون على حسن مسكها وتقديمها للجهة القضائية ويضاف الى ذلك ما يقومون به من أعمال ادارية تتمثل في تسليم الشهائد الادارية وما يقومون به يوميا من استقبال للمتقاضين ونوابهم لارشادهم عن مآل قضاياهم ومدهم بما يطلبون من معلومات. وتمثل كتابة المحكمة اعتبارا لتعدد أدوارها وتشعب أعمالها روح المحاكم وواجهتها الحقيقية. غير أن الرؤية الكلاسيكية للمؤسسة القضائية التي تختزل القضاء في القضاة وتغيب غيرهم من شركائهم في العمل القضائي أفضت الى جعل كتابة المحكمة حلقة منسية.
فقد أدى تصور ينظر بدونية لكتابة المحكمة ساد لفترة طويلة ويقوم على اعتبار الكتابة مجرد جهاز  مساعد للقاضي وعنصر مكمل يأتمر بأمره الحرفي دون اجتهاد، إلى إهمال متعمد لاستحقاقات إصلاح سلك كتبة المحاكم. ورغم تطور الاهتمام بإصلاح القضاء بعد الثورة فانه يلاحظ تواصل ذات الإهمال لأهمية النهوض بكتابة المحكمة كشرط أساسي لإصلاح القضاء وتطويره. ويتعين في إطار مقاربة تقوم على الإصلاح الشامل للقضاء إعادة طرح السؤال حول انتظارات هذا القطاع من مجهود الإصلاح بالنظر لاستحالة تحققه دون أن يشملهم. ويتعين قبل طرح الاصلاح دراسة الواقع الراهن لهذا القطاع في اتجاه تسليط الضوء على النقائص والتقصي عن مكامن الخلل. ويبين تشخيص واقع كتابة المحكمة في حالتها الراهنة أن أعوان كتابة المحاكم يعانون صعوبات يمكن حصر أهمها في مسألتين أولهما يتعلق بظروف عملهم وثانيها في الاطار الترتيبي الذي يحكم القطاع ويمنع تطوره.
يؤدي نقص عدد الكتبة العاملين بالمحاكم إلى تكفل الكاتب الواحد بأعمال يومية تتجاوز طاقته الفعلية على العمل. كما جعل ضيق مقرات المحاكم إلى جعل الكتبة يتقاسمون عددا محدودا من المكاتب التي تكون في أغلب الأحيان غير مجهزة بالتكييف أو بلوازم التدفئة. فيصبح كاتب المحكمة مطالبا بعمل مضاعف في ظرف موضوعي يمنعه من العمل بأريحية. ويعمق من أزمة ظروف العمل أن أغلب مكاتب الكتبة مفتوحة للعموم ليسترشدوا على مآل قضاياهم فيكون العمل في قسم كتابة المحكمة خصوصا خلال الحصة الصباحية من العمل مناسبة مشقة خالصة. وتؤدي صعوبة ظروف العمل في كثير من الأحيان إلى استنزاف لأعصاب العاملين بسبب عدم تفهم الوافدين لخصوصية عملهم وتعدد حالات التهجم على الأعوان من قبلهم.
يحمّل المتقاضون الكتبة عبء غياب ثقافة الإرشاد بالمحاكم وبطء فصل قضاياهم ويعجز القضاة عن تفهم ظروف عمل زملائهم الكتبة بسبب عقلية موروثة أدت إلى ايجاد فاصل نفسي بين القطاعين رغم تطور اللحمة بينهما في الفترة الأخيرة، فيما يتعمد عدد من المحامين التصادم مع كتبة المحاكم في إطار ضغط العمل اليومي. وكل العوامل المذكورة تجعل من عمل كتبة المحاكم في عديد الحالات معاناة يومية وهو ما دفع بهياكلهم المهنية الى تنظيم عدد من الاحتجاجات والسعي الى إبرام اتفاقات مع هياكل المحامين ومساعدي القضاء لتأطير التجاوزات ومعالجتها.
ظروف العمل الصعبة التي يمارسها الكتبة يوميا توازيها مغريات هامة وعمليات إغواء مستمرة تعترض الكتبة. إذ يسعى عدد من المتقاضين ممن تشبعوا بثقافة المحسوبية والبحث عن الرشوة كسبيل لتسهيل قضاء حوائجهم إلى استمالة كتبة المحكمة ودفعهم إلى الفساد. وقد أدت هشاشة الوضعية القانونية وضعف مستوى تأجير الكتبة مقابل غلاء المعيشة وتفشي ثقافة الفساد في المجتمع والمحاكم إلى دفع عدد من الكتبة إلى التحول الى وسطاء في فساد القضاة والمحامين المالي والى الانخراط في منظومة الفساد. يتم الحديث عن شبكات فساد جمعت قضاة بكتبة محكمة يلعب فيها كتبة دور وسطاء في ارتشاء قضاة. كما يتم الحديث عن تورط عدد من الكتبة في أعمال استجلاب الحرفاء لبعض المحامين مقابل عمولات يتقاضونها. و تتداول المجالس أخبار العمولات التي يفرضها بعض أعوان المحاكم على المتقاضين ليرشدوهم ويمكنوهم من الوثائق التي يطلبونها.
ويستدعي الحديث عن تنامي ظاهرة الفساد في كتابة المحكمة تجاوز النظرة الفردية للتجاوزات، لأن  تلك المقاربة التي تختزل الفساد في الأفراد المنخرطين في منظومته وتدعو الى محاسبتهم وعقابهم كحل يكفي بذاته لتحقيق التطهير والاصلاح دون تحر عن الأسباب الحقيقية التي سهلت حصوله، يمكنها أن تعيد انتاجه بذات الوتيرة بشكل دائم. ويكون البحث في عمق ظاهرة الفساد بالنظر في مسبباتها الموضوعية هو الأداة التي تكفل التوصل لمعالجتها من جذورها وهو ما يسمح في صورة تحقق المعالجة من الحد من تنامي الظاهرة وحصرها في تصرفات منحرفة تكفي المحاسبة بردعها.
 ويؤدي البحث عن الأسباب التي تنتج الفساد وتشجع ممارسته الى اظهار ما يعانيه كتبة المحكمة من سوء تقدير لدورهم على مستوى التأجير والتقدير لجهدهم. فقد أدى ضعف نسق الانتدابات في إطار كتبة المحكمة خلال الحقبة الفائتة الى جعل الرؤساء المباشرين لكتابات المحاكم يضطرون على تكليف أعوان الحجابة والتوجيه الذين يعملون بالمحاكم بأعمال مكتبية تعود لصلاحيات كتابة المحكمة. كما دفعت ذات المشكلة السلط العامة التي عطلت الانتدابات في الوظيفة العمومية خلال العشرية الفائتة الى تشجيع ظاهرة التشغيل الهش لطالبي الشغل بكتابات المحاكم في اطار برامج انتداب مؤقت لا يتمتع المنتفعون بها بأجر قانوني وانما بمنح تقل عن الأجر الأدنى المهني المضمون. وبالتوازي مع ذلك، عجزت هذه السلط عن فتح آفاق الارتقاء المهني لكتبة المحاكم من خلال برامج التكوين المهني المستمر والاستجابة لتطلعات الكتبة في تطوير حالتهم المادية بسبب محدودية الاعتمادات التي كانت تخصص لتوفير الترقيات المهنية.
ويشكل موضوعيا ضعف تأجير كتبة المحاكم وتواصل السماح لأعوان لم يتلقوا تكوينا مهنيا وعلميا يكشف لهم أهمية دور كتابة المحكمة وواجبات الكاتب الأخلاقية والمهنية وتكليف أشخاص بأعمال ادارية هامة دون منحهم أجرا قانونيا يحفظ كرامتهم وحقهم في الحياة عوامل تشجع الفساد وتنميه.
كما أدى ضعف الاهتمام بتنظيم استقبال الموطنين بالمحاكم بعدما تم لوقت طويل التوقف عن انتداب أعوان استقبال بالمحاكم بشكل يكفي لتغطية الحاجة الى جعل الفساد يجد لنفسه مبررا في التواجد في أروقة المحاكم بعدما استغل عدد من الدخلاء ذلك ليمتهنوا السمسرة أمام المحاكم وفي أروقتها بتصيد المتقاضين التائهين وايهامهم أنهم من كتبة المحكمة أو أنهم من أفراد الأسرة القضائية ودفعهم بعد استغلال حالة الضرورة التي هم يعانون منها الى دفع رشاوى وأتاوات.
ويكون من المتعين اليوم وفي اطار الحديث عن اصلاح القضاء تجاوز اهمال الاهتمام باصلاح كتابة المحكمة بعدما تبين أن أي اصلاح لا يشمل هذا القطاع لا يمكن أن يحقق الغاية المرجوة منه. ويكون من أولويات هذا الإصلاح مراجعة النصوص القانونية التي تنظم عمل هذا القطاع بشكل يؤدي الى الاعتراف الصريح لكتابة المحكمة بدور الشريك الأصلي في إقامة العدل. هذا الاعتراف الذي يترجم ضرورة بتطوير شروط انتداب الكتبة في اتجاه اشتراط حد أدنى للتحصيل العلمي لمن ينتدب للعمل بكتابة المحكمة يكون في حدود الحصول على مؤهل جامعي متخصص خصوصا. وأن الجامعة التونسية وفي مفارقة غريبة كونت عددا هاما من الجامعيين ممن تخصصوا في أعمال كتابة المحكمة لا زال أغلبهم يعاني البطالة ورغم ذلك لم تتم مراجعة القوانين المنظمة لشروط انتداب الكتبة إذ ما زال الأمر المنظم لكتابة المحكم يجعل الانتماء لهذا الإطار ممكنا لمن لم يتحصل على التكوين المذكور. وبالتوازي مع العمل على تطوير إطار الكتبة في مستوى الانتداب، بامكان فتح آفاق التكوين والترقية المهنية لأكبر عدد من الكتبة أن يسهم في تطوير اداء الكتابة وتحكم العاملين فيها بالتقنيات الاتصالية الحديثة التي من شأنها أن تطور اساليب العمل بالمحاكم وتيسر التواصل بينها والمتقاضين.  ويتعين تنقية هذا الاطار من العمالة الوقتية وذلك بانتداب العامليين الوقتتين بشكل رسمي وتمتيعهم بأجور تلائم عملهم. كما يتعين التفكير في ترفيع أجور كتبة المحكمة بشكل يقطع مع ضعف امكانياتهم المادية ويحميهم من المغريات.
ويحتاج في ذات السياق كتبة المحكمة لحماية من التواصل غير المنظم مع المتقاضين ومن تجاوزات الأفراد تجاههم وذلك يتحقق بتطوير أسلوب شبابيك الارشاد وتدعيمها وجعلها تضمن للأطراف المعنية امكانية الاستشارة وطلب الخدمة عن بعد. كما تتعين حماية فضاءات المحاكم من المتطفلين والسماسرة في اطار تصور يفضي الى ايجاد جهاز أمن متخصص لحماية المحاكم يضطلع بدور مكافحة جرائم المحاكم التي تتمثل أساسا في أعمال التحيل على المتقاضين والتدخل الفوضوي في مسالك العمل القضائي وحماية أمن الأعوان الذين يعملون بالمحاكم. ويظل الاستماع للكتبة وتنظيم الحوار بينهم وبقية شركائهم في العمل القضائي من شروط تحقيق الاصلاح الذي يجب السعي الى تحقيقه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، استقلال القضاء



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية