كامل نتائج جلسة 29 آذار 2021: الكهرباء تلتهم ما تبقّى من “قدسية” الودائع ودور القضاء في إعادة المال المنهوب “خارج الموضوع”

كامل نتائج جلسة 29 آذار 2021: الكهرباء تلتهم ما تبقّى من “قدسية” الودائع ودور القضاء في إعادة المال المنهوب “خارج الموضوع”
من إحدى جلسات مجلس النوّاب في الأونيسكو

عقد مجلس النواب جلسة تشريعية في 29/3/2020 وعلى جدول أعمالها اقتراح قانون إعطاء مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة لعام 2021 واقتراح قانون استعادة الأموال العامة المنهوبة وقد تم تصديق كليهما. كما تم طرح ثلاثة بنود من خارج جدول الأعمال، صُدّق واحد منها وهو مشروع القانون بالموافقة على إبرام معاهدة تعاون بين وزارة الصحة والبيئة في العراق ووزارة الصحة العامة في لبنان في المجال الصحي. بالمقابل، سحب بند اقتراح تمديد المهل وأحيل اقتراح قانون إعطاء معاشات إلى ضحايا فيروس كورونا العاملين في القطاع الصحي إلى اللجان للدراسة.

وتميّز النقاش البرلماني بمحاولة غسل المجلس يديه من مسؤولية الإنهيار، بعدما أدى تفاقم نتائجه ومخاطره التي باتت منظورة إلى فرض النقاش حوله. كما اعتمد البرلمان مجددا “خطاباً قاسياً” تجاه حكومة تصريف الأعمال داعياً إياها إلى العمل عوض التهرّب من ذلك، في محاولة باهتة لإخفاء حقيقة أن الكتل النيابية تشاركت وتحاصصت عموما الحكم خلال العقود الماضية. كما بدا لافتاً انحسار “قدسيّة” عدم المساس بأموال المودعين، في إشارة إلى إقرار البرلمان بالأمر الواقع وبنفاذ الأموال.

على صعيد القوانين التي تمت المصادقة عليها:

1-اقتراح قانون منح مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة لشراء المحروقات

صدّق اقتراح القانون المعجّل المكرّر المقدّم من النواب سيزار أبي خليل، حكمت ديب، زياد أسود وفريد البستاني في 3/3/2021، والرامي إلى منح مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة لشراء المحروقات معدّلا رغم عدم إقرار موازنة 2021 ضمن المهل الدستورية. وكانت اللجان النيابية المشتركة قد عقدت جلسة في 16/3/2021 لمناقشة هذا الاقتراح (ضمت كل من لجنة المال والموازنة، الإدارة والعدل، الأشغال العامة والنقل)، برئاسة نائب رئيس مجلس النوّاب إيلي الفرزلي، وبحضور وزيري المالية والطاقة، انتهت بإجراء تعديلات على الاقتراح الأساسي. وكنّا قد أشرنا إلى أبرز التعديلات التي كانت قد أقرّتها اللجنة على صيغة الاقتراح الأساسية والتي تم الأخذ بها.

أما أبرز المخاوف من الاقتراح التي عبّر عنها المرصد البرلماني فهي ضرورة تحديد موارد هذه السلفة والتخوف من أن تمسّ أموال المودعين (من خلال المسّ بالاحتياطي الإلزامي لدى المصرف المركزي)، كما عدم وجود أي رؤية شاملة إصلاحية تسمح بتخطي الأزمة المستمرة في قطاع الكهرباء.

وقد تميزت نقاشات المجلس في هذا الخصوص بالأمور الآتية:

إلقاء مسؤولية الفشل على الحكومة الحالية والتشديد على ضرورة تشكيل حكومة جديدة مع اقتراب خطر الانهيار الشامل

خيّم شبح الأزمة على الجلسة النيابية عند الحديث عن سلفة الكهرباء التي سينتهي لبنان في حال عدم إقرارها في العتمة. وعليه، اعتبر رئيس المجلس النيابي نبيه برّي أن البلد كله في خطر مشبّها إياه بسفينة التايتنيك، وأن الأوان قد حان ليستفيق الجميع لأنه بغرق البلد سيغرق الجميع معه من دون استثناء معتبرا أنه إذا لم تشكّل حكومة خلال شهر ونصف فلا بلد. وقد وافقه الرأي النائب هادي أبو الحسن الذي طالب بتشكيل حكومة مهمّة، والنائب نقولا نحاس الذي أشار إلى ضرورة تشكيل حكومة جديدة حيث أنه لا يمكن لهذه السلفة أن يكون لها معنى دون حكومة وأن عدم تشكيلها سيوصل لبنان إلى انفجار حقيقي.

وقد حمّل النواب الوزراء والحكومة مسؤولية الفشل في إدارة الأزمة. فشدّد بري على أن الحكومة قد أضاعت أولوياتها حيث أنها تطالب بتفسير الدستور بدل العمل، في حين أن المادة 64 من الدستور، التي لم تكن موجودة قبل الطائف، واضحة لجهة حصرها صلاحيات الحكومة المستقيلة بنطاق ضيق. وهي تشمل كل الصلاحيات الدستورية وكل الأمور الضرورية التي تفيد أو تدفع الضرر عن الشعب. كما اعتبر أنه إذا كان المطلوب من طلب التفسير تغيير الدستور، فالأمر ليس على جدول أعمال المجلس ومن الأفضل للحكومة أن تعمل، مستشهدا بمشروع ترشيد الدعم الذي قد جهز ولم يرسل إلى المجلس محذرا بأن يلحق هذا القانون ب73 قانونا أقروا ولم ينفّذوا.

وفي هذا الإطار أشار النائب ابراهيم كنعان أن سياسات الحكومات المتعاقبة كانت تكلف الدولة أموالا باهظة. وأنه في ظل الانهيار الكبير، ولو أنه يتم اليوم مناقشة موضوع السلفة لضرورتها، فإن الأزمة أعمق من ذلك. وشدد على أن المطلوب اليوم من الحكومة تصريف الأعمال لا توقيف الأعمال، وأن تقوم بعملها، ومن بينها اتخاذ قرار باعادة ترشيد الدعم مشدّدا على أن المجلس لا يمكنه أن يتخذ هذا القرار.

وقد وافقه النائب جورج عدوان الرأي معتبرا أنه من واجب الحكومة تحمل مسؤولياتها وأن أبسط أمور تصريف الأعمال كالموازنة والكورونا غائبة عن السمع.

من جهته أكد النائب أسامة سعد على أن هذا الإقتراح يجب أن يأتي من الحكومة وتساءل عن سبب عدم وضع سياسات حكومية في مجال الكهرباء وعدم تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء ومجلس الإدارة الجديد لمؤسسة كهرباء لبنان حتى الآن. وقد تميزت مداخلته بعدم إلقاء اللوم على الحكومة حصرا مشددا على ضرورة أن يلعب المجلس النيابي دوره السياسي مطالبا بمرحلة انتقالية إنقاذية يتبناها مجلس النواب ويسير بها.

المفاضلة بين الكهرباء وحقوق المودعين

ذهب النقاش في مجلس النواب إلى حدّ المفاضلة بين التضحية بأموال المودعين أو إغراق لبنان في الظلام الدامس. وكان بيّنا من المسار التشريعي أن الحديث عن حماية أموال المودعين وعدم المسّ بها إنما هو مجرد شعار بدءا من عدم إقرار قانون كابيتال كونترول رغم التشديد على ضرورته، ثم استخدام أموال مصرف لبنان لما سمي “بالدعم” وأخيرا إقرار السلف كما يجري اليوم وهو ما يتوقع أن يقضم أكثر فأكثر من الإحتياطي الإلزامي، ما يهدّد حتى بحرمان المودعين من ضمان الودائع الذي لا تتخطى أصلا قيمته 75 مليون ليرة. إلا أن الجلسة الأخيرة كشفت تحوّلا في خطاب المجلس لناحية عدم قبول المسّ بأموال المودعين فانقسم المجلس إلى رأيين:

– الأول رأى في إقرار السلفة لتأمين الكهرباء أولوية. فعلى سبيل المثال اعتبر الرئيس بري أنه يتكلم باسم المجلس النيابي ككل عندما يعتبر في مجال الكهرباء أن المجلس أمام أمرين أحلاهما مرّ إما السلفة والكهرباء وإما اتهام مجلس النواب بتعتيم البلد. وأشاد باللجان المشتركة لسعيها لإنجاز هذا الاقتراح. وقد وافقه الرأي النائب ياسين جابر لناحية محدودية الخيارات لكنه ذكّر بموضوع النفط العراقي الذي يمكن أن يؤمن حلا طويل الأجل مشيرا إلى أنه لم يلمح متابعة جدية له. وأكد أن الأمر نفسه ينطبق بالنسبة لبواخر الغاز خاصة أن أهم معملين لإنتاج الطاقة أي معملي دير العمار والزهراني لا يزالان يستعملان الفيول رغم أن مناقصة بواخر الغاز قد أنجزت منذ 2018 وأن الغاز يوفر الملايين واعتبر أنه كان من الأفضل استعمال الدعم لشراء محطتين من الودائع لإنتاج الطاقة. وذكر أنه كان على لبنان تطوير الطاقة المتجدّدة التي لحظها قانون الكهرباء والذي لم يطبّق حتى الآن.

أما النائب جميل السيد، وضمن هذا الفريق الأوّل، فقد تمايز برأيه وإن وقف مع إقرار السلفة حيث أدان الإزدواجية في أداء السلطة مشيرا إلى أن المجلس يناقش موضوعا فيما هناك مريض “هتكنا عرضه واليوم نتجادل إذا كنا سنعطيه المصل أم لا”. واعتبر أن المجلس النيابي مجبر على إعطاء السلفة. وسخر النائب السيّد من محاولة صبغ الاحتياطي الالزامي بالقدسية ناعتا إياها بالكذبة حيث أنه كان من الأجدى لمن يسعى للحفاظ على القطاع المصرفي والاحتياطي أن يحافظ على 180 مليار د.أ وليس على 17 مليار د.أ تبقت منها. وذكّر بتقرير لجنة الرقابة عن المصارف الذي منع نشره والذي يبين تخفيض الإحتياطي والقروض المدعومة التي منحت وهو ما استفادت منه 40 مؤسسة معدّدا من بينها Aishti وجامعات خاصة ومؤسسات دينية وحتى أن فرنا واحدا أخذ 14 مليون دولار لتصل قيمة ما منح إلى 771 مليون دولار.

وردّ عليه النائب ايلي الفرزلي بتأكيده على قدسية الاحتياطي وأنه في أي اجتماعات مستقبلية لن يقر النواب أي سلفة. أما النائب نقولا نحاس فقد اعتبر أن السلفة ليست سلفة وأن الدعم هو من أموال الناس وهو ما يخالف الدستور مطالبا عند إقرار أي سلفة جديدة أن يكون هناك حكومة جديدة.

أخيرا اكتسبت مداخلة النائب حسن خليل أهمية خاصة حيث أشار أنه في الظاهر قيمة السلفة المطلوبة قد خفضت من 1500 مليار ليرة إلى 300 مليار ليرة ولكن في الحقيقة فإن السلفة التي يتم الموافقة عليها تساوي 200 مليون دولار أي 3000 مليار لا 300 مليار ليرة لأنه سيتم بعث المال إلى البنك المركزي حتى يقرّشها من أجل استيراد الفيول على أساس سعر الصرف 1500 ليرة لكل دولار. كما رأى بأن السلفة قانونية ولكنها لن تسدّد انطلاقا من التجارب السابقة . وطالب أن يشطب السطر من الاقتراح الذي يشير إلى أن السلفة تسدّد نقدا والذي كان قد اعترض عليه النائب أنور الخليل.

– أما الرأي الثاني فتمثّل برفض إعطاء سلفة، فاعتبر النائب جورج عدوان أنها ليست سلفة، لا بالقانون ولا بالواقع، وأنه لم تأخذ مؤسسة كهرباء لبنان يوما قرشا وأعادته، وأن ما يجري تكرار لما سبق. وذكر أن وزيرة الطاقة السابقة ندى البستاني كانت قد تعهّدت بسلسلة اجراءات دون أن تنفّذ منها شيئا في ما خصّ الكهرباء وحذّر من أن أي مس بالاحتياطي الالزامي هو مس بأموال المودعين، يتحمل مسؤوليته الجزائية وزير المالية وحاكم مصرف لبنان وأعضاء الحكومة شخصيا. وقد عبر كذلك النائب إدي دامرجيان بأنه ضدّ السلفة لأنها لن تردّ كمثيلاتها.

وهنا تقتضي الإشارة إلى رأي رئيس دائرة المناقصات جان علية الذي اعتبر أن هذا الاقتراح يؤدي إلى فتح اعتماد من خارج الموازنة وليس سلفة خزينة معتبرا ذلك مخالفة لمبدأ الشمول المكرس دستوريا وفي قانون المحاسبة العمومية ما يتيح الطعن به أمام المجلس الدستوري[1].

كما اعتبر النائب أسامة سعد أنه إذا كانت السلفة من أموال الناس فهو ضدّها وأنه يقع على الحكومة دور تأمين السلفة فلا يحق لأحد إعطاء أو التصرف بما لا يملك.

أما النائب هادي أبو الحسن فعبر عن رفض اللقاء الديموقراطي إعطاء السلفة معلقا إياها على تشكيل الحكومة لأنها تقدّم من أموال المودعين معتبرا أن المعادلة هي اليوم بين الإصلاح والعتمة وليس بين السلفة أو العتمة.

وبعد النقاش صدّقت صفة العجلة وصدّق الاقتراح. فاعترض النائب طارق المرعبي قائلا “قلت التصويت برفع الأيدي. ثم صدق ولم نر أيدي رفعت” متسائلا كيف تمّ التصويت. إلا أن رئيس مجلس النواب تجاهل اعتراضه تماما. ولم يطلب المعارضون للإقتراح بعدّ الأصوات ما يشير إلى عدم توفّر نية لإسقاط الاقتراح إنما فقط لتسجيل موقف وهو ما كان من المستصعب أن يحصل مثلا في حالة البحث بقانون العفو العام.

وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى ضرورة البحث في صحة التصويت الذي يرافق الجلسات حيث أن هناك شكوكا متكرّرة حول توفّر النصاب في ظل تغيّب كثيف عن الجلسات بالإضافة إلى النواب المستقيلين والمتوفين. كما أن هناك شكوكا حول مدى توفّر عدد الأصوات الكافي لإقرار الاقتراحات خاصة أن أحد النواب قد أثار هذا الأمر وأن كتلة اللقاء الديموقراطي وكتلة الجمهورية القوية كانتا قد عبّرتا عن رفضهما لهذا الاقتراح.

2-قانون استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد

صدّق اقتراح قانون “استعادة الأموال المتأتيّة من جرائم الفساد”. وهو الاقتراح الذي أقرّته اللجان المشتركة بعد اجتماعها بتاريخ 23/02/2021، انطلاقاً من اقتراح القانون الذي كانت تقدّمت به كتلة لبنان القوي بتاريخ 24/7/2019.

وكانت قد أدخلت اللجان المشتركة تعديلات عدّة هدفت لأقلمة الصيغة الأساسية للاقتراح مع تعديل قانون الإثراء غير المشروع الحاصل في جلسة 30/09/2020، حيث تم تضمين قانون تعديل الإثراء غير المشروع آلية لاسترداد الأموال المكتسبة بطريق الإثراء غير المشروع، قوامها أنّ الحكم نفسه الذي يقضي بوقوع هكذا إثراء، يقضي بردّ الأموال المتأتية عنه إلى الجهات المعنية (مع تحفّظنا على هذا الشق) أو المتضرّرة إن وجدت وإلا مصادرتها لحساب الخزينة العامة. فالقانون الذي صدّق لا يؤسس لآليات استرداد الأموال المتأتية عن الفساد (والتي أقرّت في تعديل الإثراء غير المشروع كما ذكرنا، وفي قانون مكافحة تبييض الأموال والإرهاب 44/2015 بالنسبة لهذه الجرائم)، بل ينظّم الهيكلية التي تتابع عملية الاسترداد واستخدام الأموال المستردّة فقط.

وافتتح النائب ابراهيم كنعان النقاش بصفته ممثّلا عن لجنة المال والموازنة فأكّد أن اللجنة وكلّ الأفرقاء أشبعوا الاقتراح درسا وأنه ناقش مع وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم أسئلتها وملاحظاتها. وأشار إلى أن هذا الإقتراح ينشئ دائرة جديدة لاستعادة الأموال (داخل الهيئة الوطنية امكافحة الفساد) كما صندوقا لاستعادة الأموال، وتمنى السير به بمادة وحيدة وهو ما طالب به أيضا النائبان جورج عقيص وإيلي الفرزلي إلا أن النائبين محمد الحجار وأسامة سعد فضّلا السير به مادة مادة.

وتندرج معظم الملاحظات التي أبداها النوّاب في البرلمان حول هذا الإقتراح ضمن 4 أفكار رئيسية هي:

ضرورة إقرار هذا الإقتراح لاستكمال مجموعة قوانين مكافحة الفساد

عبّر عن ذلك النائب جورج عقيص بتأكيده أن إقرار هذا الإقتراح ضروري لإتمام تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بعد أن تم تصديق قانون مكافحة الفساد في القطاع العام الذي ينشئ هيئة مكافحة الفساد وقانون الإثراء غير المشروع معتبرا أن ما يقوم به هذا الاقتراح هو فقط الربط بين الهيئة وصندوق استعادة الأموال التي تطبق عليه “مبادئ سانتياغو” المعترف بها دوليا وعدم إقراره يبعث برسالة سلبية.

وتجدر الإشارة إلى أنه في ما خص قوانين مكافحة الفساد لا يزال مصير تعديل قانون السرية المصرفية (الذي أفرغ من مضمونه مع حجب امكانية رفع هذه السرية عن القضاء) مجهولا بعد أن رده رئيس الجمهورية. كما أن اقتراح قانون مكافحة الفساد في القطاع الخاص الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا يزال قيد الدرس في اللجان.

وأبدى في هذا الإطار النائب أنور الخليل ملاحظة حول ضرورة إقرار قانون استقلالية القضاء لتفعيل مجموعة هذه القوانين وهو ما اعتبره رئيس مجلس النوّاب خارجا عن الموضوع. وعلى عكس هذا الرأي تماماً، إن “استرداد الأموال المنهوبة” يبقى شعاراً شعبوياً لا مجال لتنفيذه وإحقاق أي نتائج في صدده دون قضاء مستقل، وتحديداً نيابات عامة محرّرة من سطوة السياسيين والزعماء الطائفيين. فاسترداد الأموال لا يحصل إلا بحكم يقضي بوجود إثراء غير مشروع أو جريمة فساد (بحسب تعريف قانون مكافحة الفساد في القطاع العام) أي نتيجة ملاحقة لهذا الجرم تحرّكها النيابات العامة (أو نتيجة حكم بتبييض الأموال تبعا لملاحقة تحرّكها هيئة التحقيق الخاصة المصرفية التي يرأسها حاكم مصرف لبنان).

 

مخاوف من تعطيل منظومة إعادة الأموال عبر ربط دائرة استعادة الأموال المتأتية عن الفساد بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

وقد عبّر بعض النواب عن مخاوف من ارتباط قوانين مكافحة الفساد ببعضها البعض لدرجة تعطيلها لبعضها. فاعتبر النائب جميل السيد بأن هذا الإقتراح يربط بين قانون مكافحة الفساد وقانون الإثراء غير المشروع. وسأل عن امكانية تنفيذ القانون مشيرا إلى أن المراسيم التطبيقية لإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لم توضع بعد ما يعني ربط دائرة استعادة الأموال المنهوبة بهيئة لم تتشكّل بعد وهو ما كان حذّر منه المرصد البرلماني أيضا. وقد اعتبر ألا حل سوى “الاستسلام للرداءة”.

وأبدى النائب أسامة سعد ملاحظاته على مواد الاقتراح لا سيما المادة الخامسة منه، مشيرا إلى التدخل السياسي في إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والشكوك حول استقلاليتها عند تشكيلها، والتي سيشكل رئيسها واثنين من أعضائها دائرة استعادة الأموال، وهو ما كان حذّر منه المرصد البرلماني أيضا. كما أبدى ملاحظة أخرى حول ضرورة ربط هذا القانون لجهة استخدام الأموال، بقوانين حمائية وليس بمراسيم، تتطرق لمواضيع مثل مكافحة الفقر والبطاقة التمويلية وتطوير المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية. فأجابه كنعان بأن من أهداف هذا الصندوق مكافحة الفقر ولكن نظام حوكمته يصدر بمراسيم تنظيمية من الحكومة وهو ما كان المرصد البرلماني أبدى خشيته منه.

توسيع صلاحيات دائرة استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد وتوضيح الأموال المشمولة بالاقتراح

أما النائب علي فيّاض فانتقد من جهته في البند 2 من المادة 4 حصر صلاحية دائرة استعادة الأموال باعداد الاستراتيجيات والخطط بشأن تنسيق متابعة أعمال استعادة الأموال بشكل عام في كافة مراحلها الإدارية والقضائية، وطالب بإعطائها صلاحية إعداد الاستراتيجيات والخطط لاستعادة الأموال بالإضافة إلى التنسيق. فعلق النائب ابراهيم كنعان بأن النص كان بالصيغة التي اقترحها فياض إلا أن وزارة العدل اعترضت على إعطاء دائرة استعادة الأموال ما اعتبرته سلطة تنفيذية. وقد أيّد النائب جورج عدوان رأي وزيرة العدل. وعبّر كنعان ألا مانع لديه بالسير بالتعديل. وصدق هذا التعديل برفع الأيدي. وقد يفتح ذلك مجالاً للطعن بدستورية القانون، حيث من المعلوم أن منح الهيئات المستقلة صلاحيات تعتبر داخلة ضمن صلاحيات الوزير قد طرح إشكالية في مرّات عديدة وأدى إلى إبطال المجلس الدستوري قوانين عدّة أقرّت، أبرزها قانون آلية التعيينات في وظائف الفئة الأولى، وتعديل قانون المياه والهيئة الوطنية للمياه.

كما انتقد في المادة 12 الخلط بين الأموال المستعادة وتلك “قيد الاستعادة”، واقترح حذف الأخيرة، حيث أنه لا يمكن التصرّف بالأموال في مرحلة التجميد أو الحجز أو بيعها، فماذا إذا تبين أنها غير ناتجة عن فساد؟ وهو ما كان لفت إليه المرصد البرلماني أيضا. وقد تم التصديق على التعديل.

وفي هذا الإطار طالب النائب الحجار بإيجاد تعريف للأموال في الإقتراح، مقترحا تعريفها على أنها كافة أنواع الأصول المادية أو غير المادية المنقولة أو غير المنقولة كي لا يكون التعريف ضعيفا وهو ما تم الموافقة عليه.

تحميل الحكومة مسؤولية عدم تطبيق القوانين

أخيرا استمر المجلس النيابي في انتقاد الحكومة. في هذا الإطار، عبّر النائب جورج عدوان عن رأيه بضرورة مساءلة الحكومة ووزير المالية وحاكم مصرف لبنان عن سبب عدم السير بقانون التدقيق الجنائي رغم إقراره منذ أكثر من3 أشهر. كما أثار مسألة هيئة التحقيق الخاصة التي أرسل لها القضاة طلبات في قضية الفيول المغشوش دون أن تتجاوب. وافقه رئيس المجلس النيابي نبيه بري الرأي في ما خص القوانين، مؤكّدا أنّه يمكن تعميم التجربة حيث أن البرلمان وضع 73 قانونا، تصبح 74 مع التصديق على هذا القانون، لم تطبّق وأن العبرة للقوانين في تطبيقها.

3- تصديق مشروع القانون للموافقة على اتفاقية التعاون بين لبنان والعراق في المجال الصحي

أخيرا تم التصديق من خارج جدول الأعمال بناءً على طلب النائب ياسين جابر، وبرفع الأيدي دون أي نقاش يذكر، على مشروع قانون[2] طلب الموافقة على إبرام معاهدة بين وزارة الصحة والبيئة في جمهورية العراق ووزارة الصحة العامة في لبنان، للتعاون في المجال الصحّي والموقعة بتاريخ 12/7/2019. وكانت لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين التي يرأسها النائب ياسين جابر قد وافقت عليه في 14/1/2019 كذلك لجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الإجتماعية برئاسة النائب عاصم عراجي في 24/12/2019.

وتهدف هذه المعاهدة إلى إعطاء الشركات اللبنانية الحائزة على شهادة GMP اللبنانية لمصانعها الفرصة للدخول إلى السوق العراقيّة من خلال الشراء المباشر أو المناقصات حسب الآليات المعتمدة في العراق، واعتماد المستحضرات اللبنانية المسجلة والتي لديها شهادات صادرة في الهيئات الصحيّة في لبنان حسب ضوابط وزارة الصحة في العراق، واعتماد شهادات الأدوية الصادرة من الهيئات الصحية في لبنان للأدوية السرطانية والبدائل الحيوية (biosimilar) في العراق.

كذلك تسعى الإتفاقية للتعاون في رصد العدوى المرافقة للرعاية الصحية والآليات والمؤشرات المعتمدة، كما إدارة ورصد مضادات الميكروبات والآليات المعتمدة لدى الطرفين. كما تهدف إلى التعاون في المجالات المختصة بعلاج المرضى من خلال إخلاء المرضى واستقدام الفرق الطبيّة كما التعامل في مجال تدريب الكوادر الطبية والتمريضية بمختلف الإختصاصات وإدارة المستشفيات وضبط جودة الخدمات الصحية. كما نصت الإتفاقية على تشكيل لجنة مشتركة من الجانبين لمتابعة تنفيذها.

وقد أشار النائب ياسين جابر إلى أن إقرار هذا المشروع أساسي لتفعيل موضوع استيراد الفيول من العراق.

أما على صعيد المقترحات الأخرى:

  • سحب اقتراح تمديد المهل

قام النائب علي حسن خليل بسحب الاقتراح المعجل المكرر الذي كان قد تقدّم به في 10/3/2021 والذي طرحه رئيس المجلس النيابي نبيه بري من خارج جدول الأعمال والمتعلق بتمديد العمل حتى 31/12/2021 بالقانون 212 تاريخ 16/1/2021 المتعلق بتمديد المهل.

يشمل هذا الإقتراح تمديد مهلة تقديم التصاريح المنصوص عنها في قانون “التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع” حتى 31/12/2021، بعد أن كانت تنتهي في 31/3/2021 بحسب القانون 212. كما يعلّق حكما جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها سواء كانت هذه المهل شكلية أو إجرائية أو امتدّ أثرها إلى أساس الحقّ طول فترة الإغلاق استنادا إلى قرار إعلان التعبئة العامة فيمدّدها حتى 31/12/2021 بعد أن كانت حتى 31/3/2021[3]. وبهذا يكون قد انتهى تمديد المهل الذي كان يعمل به والذي كان المرصد البرلماني قد حذّر من مخاطره مراراً.

وقد نبّه النائب جميل السيد من موضوع تمديد مهل تقديم التصاريح المتعلقة بالإثراء غير المشروع، محذّراً أنّ عمليات نقل ملكيات كبيرة لعاملين في القطاع العام لأموال غير منقولة وحسابات تحدث معتبرا أنه يجب اعتبار كل عملية تعديل أو نقل ملكية حساب أو عقار لاغية بعد 31/12/2020 عند التصريح عن الممتلكات. وهو ما رحّب به رئيس المجلس نبيه بري فطالب النائب علي حسن خليل إما بتمديد المهل لشهر أو عدم السير به ثم قام بسحب الإقتراح. بدوره أشار النائب نقولا نحاس بأن لتمديد المهل آثار سلبية عندما تسهم في مزيد من تدهور العملة الوطنية.

  • تعويضات لضحايا كورونا من الطاقم الطبي

أحيل إلى اللجان “اقتراح القانون المعجّل المكرّر الرامي إلى اعطاء معاشات وتعويضات إلى ضحايا فيروس كورونا من العاملين في القطاع الصحي وتمكين المصابين منهم من الاستفادة من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الوارد في قانون الضمان الاجتماعي 13955/63 ومن القانون المتعلق بذوي الاحتياجات الاضافية 220/2000”. وكان قد تقدم به النائب بلال عبد الله في 19/1/2021 ولكن لم يوضع على جدول أعمال جلسة 29/3/2021 فطرحه رئيس المجلس النيابي نبيه بري من خارج جدول الأعمال.

يوازي هذا الاقتراح العاملين في القطاع الصحي الذين استشهدوا والذين قد يستشهدون نتيجة فيروس كورونا بشهداء الجيش اللبناني، فيستفيدون من تعويضات ومعاشات تقاعد جندي استشهد أثناء تأدية الواجب، وتسري بحقهم الأحكام عينها المتعلقة بالتقديمات التي تسري على عوائل الشهداء. كما يعتبر من أصيب من هؤلاء بإعاقة دائمة أو جزئية أو يستلزم وضعهم علاجا من جراء إصابته بكورونا مشمولين مدى الحياة بتقديمات صندوق الضمان الإجتماعي، كما من المعونات والاعفاءات والحقوق التي يستفيد منها أصحاب الاحتياجات الإضافية.

يأتي هذا الاقتراح ليحاول إنصاف عاملي القطاع الصحي في الخطوط الأمامية في مواجهة جائحة كورونا. وفي حين أن شملهم بتقديمات الضمان الإجتماعي يبدو ضروريا، كما منحهم الإعفاءات والمعونات والحقوق في حال أصيبوا بإعاقة دائمة أو جزئية بسبب فيروس كورونا، غير أن منح تعويضات ومعاشات التقاعد وإن كانت محقة تفتقر إلى الدراسة لإقتصادية خصوصاً ما بعد الانهيار، وندرة الإمكانات. ومن غير المعروف ما إذا كان من الممكن رصد الأموال الضرورية لذلك. فمن الضروري دراسة هذا الإقتراح من ضمن مشروع الموازنة لمعرفة إمكانية تطبيقه بشكل دقيق بعيدا عن الشعارات الشعبوية.

أثناء النقاش في الإقتراح، شدّد النائب بلال عبد الله على أهميته حيث أن العاملين في القطاع الصحي يحاربون بموارد قليلة ويخاطرون بحياتهم، مطالبا بإنصافهم. وأشار إلى أن هناك حتى اليوم 37 شهيدا في بيروت، و9 في طرابلس، و12 عاملاً صحياً، و15 ممرّضا و5 صيادلة مسجلين. من جهته، أعرب النائب ياسين جابر عن موافقته على الاقتراح في حال كان عدد المشمولين به محدّدا، إما بدراسته سريعا قبل إقراره إن لم يكن العدد محدّداً. كذلك ذكّرت النائبة عناية عز الدين إلى أن المجلس قد أقر قانونا لإعطاء تعويض ومعاشات لذوي الضحايا في تفجير مرفأ بيروت ولكنه لا يطبّق وسألت الحكومة عن كيفية تأمين التمويل. وأفضى النقاش النيابي إلى إسقاط صفة العجلة عن الاقتراح، وتمت إحالته إلى اللجان لتدرسه خلال مدة 15 يوما.

 

  1. “اعتماد في موازنة قبل تصديقها… بمسمّى سلفة خزينة، جان علية، جريدة الاخبار في 31/3/2021
  2. المحال من رئيس الجمهورية ميشال عون في 15/9/2019 إلى مجلس النواب بالمرسوم 5769
  3. كانت حتى 31/3/2021 حيث أنها كانت تعلق بموجب بموجب المرسوم 7315/2020 الذي يمدّد حالة التعبئة العامة من 1/1/2021 إلى 31/3/2021.
انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قضاء ، لبنان ، مصارف



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *