كابوس مخالفات البناء مجدّداً: اقتراحات لتعميم المخالفة ومن ثمّ التسوية


2020-10-02    |   

كابوس مخالفات البناء مجدّداً: اقتراحات لتعميم المخالفة ومن ثمّ التسوية

ورد على جدول أعمال الهيئة العامّة للبرلمان المنعقدة في 30 أيلول اقتراح قانون بتوسيع مجال المخالفات التي تستفيد من تطبيق قانون تسوية مخالفات البناء (139/2019). وقد ذهب هذا الاقتراح في الاتجاه نفسه الذي ذهب إليه تعميم وزير الداخلية محمد فهمي بمنح تراخيص البناء على مساحة 150 متراً والذي عاد ليعلّق العمل به بعد يوم واحد من صدوره. ويلحظ أنّ التعميم أجاز عمليّاً مخالفة قانون البناء خارج المدن الكبرى على أن يصار إلى تسويتها لاحقاً. وكما عُلّق العمل بالتعميم، انفضّ نصاب مجلس النواب قبل النظر في الاقتراح، لكن يتوقّع إعادة النظر فيه في الجلسة المقبلة. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، نعود لنتناول مجدداً تعميم فهمي توثيقاً لحجم المخالفة وتحسّباً لأيّ مسعىً لإعادة إحيائه (المحرر).

أصدر وزير الداخلية المستقيل تعميماً في 21 أيلول يجيز لرؤساء البلديات والقائمقامين في القرى حيث لا توجد بلديات، منح تصاريح بناء ضمن مساحة لا تتعدى الـ 150 م2، أو لإضافة طبقة واحدة بالمساحة نفسها على بناء موجود، أو بإضافة ثكنة قرميد فوق بناء موجود، وذلك ضمن مهلة شهرين من صدور التعميم. ولم يمرّ يوم كامل على التعميم حتى أصدر مكتب وزير الداخلية بياناً أشار فيه إلى أنّ الكتاب المتداول “لم يسلك مجراه الإداري بعد”. وأشار البيان إلى أنّه “لم يتم تعميم الكتاب على الإدارات المعنية”. بالتالي “تم توقيف العمل به ريثما يصار إلى تأمين النصوص القانونية البديلة والموافقات الاستثنائية ال‘دارية اللازمة لجهة إعفاء بعض رخص البناء من الرسوم بهدف تسهيل أمور المواطنين”.

ومع ذلك، يدعو هذا التعميم إلى التساؤل حول أسباب التفكير في إصداره في ظلّ أزمة اقتصاديّة خانقة وانخفاض كبير للقدرة الشرائية للمواطنين، عدا عن ارتفاع أسعار مواد البناء. ومن ناحية ثانيّة، فهو يعيد النقاش إلى ضرورة العمل على الانتقال من النمط الذي يُسّوغ البناء العشوائي والمخالفات في المناطق الموجودة في الشيوع التي لم يشملها أي مسح وضم وفرز لأراضيها، وهي غالباً المناطق النائية التي لا يتمكن سكانها بسبب هذه المشكلة من البناء فينتظرون هذا النوع من التعاميم التي تعطيهم تصاريح البناء بدون رخص قانونية، على أن يقوموا بتسوية أوضاعهم عند صدور قانون خاص بتسوية مخالفات البناء.

ويذكّر التعميم الجديد بالتعاميم الأربعة التي كان أصدرها وزير الداخلية نهاد المشنوق تباعاً في الأعوام 2014 و2015 و2016 و2017، والتي تسمح لكل لبناني في القرى والبلدات النائية أن يشيّد منزلاً لا تتجاوز مساحته 150 متر مربع وإضافة طبقة واحدة بالمساحة نفسها على بناء موجود، بعد الحصول على الرخصة من البلدية أو من القائمقام إذا لم تكن في قريته بلدية. وليست هذه التعاميم سوى تجاوز فاضح للقانون من خلال منح جهات غير ذات صلاحية في هذا الشأن بأن تمنح تصاريح بناء غير قانونية. 

ديب: ضغوط دفعت فهمي إلى إصدار التعميم

حتى الساعة لا يوجد بعد أيّة معطيات تؤكد إذا ما كان يرغب وزير الداخليّة في إعادة تعميمه أم أنّه أوقف تنفيذه نهائياً.

مع ذلك، فإنّه من الملفت في أسبابه الموجبة أنّ أتى الوزير على ذكر عبارات تكشف خلفيات إصدار هذا التعميم مثل “نظراً لكثرة المراجعات من الفعاليات السياسية والأهلية التي ترد إلى الوزارة” وفي عبارة أخرى، “وبعد موافقة رئيس مجلس الوزراء الشفهية بناء على طلب المرجعيات السياسية”. ولربما هذا الأمر يُفسّر ما أدلى به النائب حكمت ديب قي تغريدة على تويتر أشار فيها إلى أنّه اتّصل بوزير الدخليّة وأبلغه أنّه “لا يرغب بإصدار التعميم إنما هو يتعرّض لضغوط دفعته لاتخاذ هذا القرار، وهو ليس مع هذا القرار ولا يؤيّده”. وفي حديث مع “المفكرة القانونية” يشرح ديب بأنّ الضغوط “ناتجة عن المطالبات من المواطنين في المناطق المتواجدة على الشيوع”. ومن ناحية أخرى، يلفت ديب إلى ما ذُكر في التعميم أنّه حصل على “موافقة شفهية” من رئيس الحكومة ما يُفسره ديب أنّه ضغط من قبل رئيس الحكومة على وزير الداخلية.

ويشرح ديب أسباب اعتراضه على هذا التعميم مع الإشارة إلى أنّ موقفه كان نفسه في العام 2017 حينما أصدر المشنوق قراراً مماثلاً، إذ يقول: “إنّ صدور هكذا تعاميم يعني السّماح ببناء مساكن غير قانونية”. ويشير إلى أنّ “الذهاب إلى هكذا قرارات يأتي جرّاء المشاكل التي يواجهها سكان المناطق التي فيها أبنية على الشيوع، حيث لا يتوفّر لدى المواطن وضعية قانونية تسمح له بالبناء”. ويضيف أنّ “هذه المعاناة التي يواجهها المواطن محقّة إنّما لا أرى أنّ الحل هو بالذهاب إلى هكذا قرارات تشرّع مخالفات البناء ولا تراعي السلامة العامّة وتنقل المواطن إلى أزمة أخرى لأجل الاستحصال على الرخصة بعد صدور قانون التسويات”. ويذكر ديب أنّ بحسب آخر قانون لتسوية مخالفات البناء انتهت مهلة التسوية نهاية عام 2018، وكل بناء خارج المهلة المحددة بالقانون يعتبر وضعه غير قانوني”. ويلخّص المسألة بأنّها “السّماح بالمخالفة ليأتي في نهاية المطاف قانون تسوية ليقوم بشرعنتها”.

نقابة المهندسين: تعميم غير قانوني

وكانت البلديات سارعت فور تسلّم التعميم إلى تعميمه على سكّانها كونه يلحظ منح التصاريح خلال فترة شهرين فقط ما يستدعي الإسراع في إبلاغ المواطنين. أقلّه هذا ما ينقله رئيس بلديّة قنات أنطوان سعادة لـ “المفكرة” أنّه بمجرد انتشار التعميم على وسائل الإعلام “عمّم على أبناء البلدة لضرورة الاستفادة من الوقت كونه تعميم مؤقت لفترة شهرين فقط. لكن، لدى إصدار مكتب وزير الداخلية بيان يشير فيه إلى عدم سلوك القرار المسار الإداري، عادت البلدية ووضحت الأمر لأبناء المنطقة”. ويُشير سعادة إلى أنّ “الناس كانت متفائلة بصدور التعميم لكنهم فوجئوا بالتراجع عنه ممّا لاقى آراء سلبية”.

وكانت نقابة المهندسين في بيروت تتهيأ إلى إعلان موقف من التعميم إلّا أنّها لدى تراجع الوزير عنه عدلت عن ذلك، بحسب ما يقوله نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت. ويؤكد تابت لـ “المفكرة” أنّ “التعميم غير قانوني وكنّا بصدد التحضير لمؤتمر صحافي في حال الاستمرار به”. ومن ناحية أخرى، يرجّح تابت أنّ التعميم أُلغي نهائياً ولن يعود الوزير إلى تعميمه بسبب عدم قانونيته، ويقول: “وفي حال عاد ونفّذ التعميم نحن في النقابة على استعداد للطعن به”.

وتكمن عدم قانونية التعميم بحسب المهندس فراس مرتضى في مخالفته لقانون البناء. ويذكر في هذا الصدد بأنّ “التصاريح” لها شروطها، فهي عادة تعطى لنشاطات البناء التي تأتي على هوامش البناء الأساسي مثل التصاوين وخيمة حديد وصب باطون على الأرض، أمّا التراخيص فتعطى لإنشاء الأبنية وعليها أن تمر عبر مكتب التنظيم المدني ليتأكّد من أنّها مطابقة للشروط الفنّية وفي حالات عدم وجود مكتب قريب تقدم طلب الترخيص إلى اتحاد البلديات”. أمام ذلك، يعتبر مرتضى أنّ “هذا النوع من التعاميم هي بيع لوهم كاذب يتمثل بأنّ المواطن أصبح بإمكانه البناء بدون رخصة”. ويُضيف، “في الحقيقة إنّ البناء بتصريح لا يعني أنّه معفى من التقدّم للحصول على الرخصة، فالخدعة هي في أنّ المواطن عليه أن ينتظر صدور قانون تسوية للمخالفات وعليه أن يعود ليستحصل على رخصة”.

ويرجّح مرتضى “ألّا يكون المستفيد من هذا التعميم هو الفقير كما يدعي”، لافتاً إلى أنّه ينصّ على إمكانية إضافة ثكنة قرميد إلى البناء مع العلم أنّ القرميد عالي الكلفة بخاصّة في هذه الظروف الاقتصادية، فمن المستبعد أن يلجأ المواطن ذو الدّخل المحدود إلى بناء القرميد.

سياسيون مع التعميم: “تأمين سكن للمواطنين في مناطق الشيوع”

بمجرد انتشار الكتاب المذكور، لاقى استحسان عدد من السياسيين. فقد نشر النائب إبراهيم الموسوي تغريدة يقول فيها: “بعد جهود كبيرة بذلناها، بشرى إلى أهلنا جميعاً على الأراضي اللبنانية كافة”. ورأى الموسوي أنّ التعميم “سيسهم في إطلاق دورة اقتصاديّة تساعد الناس في 68 مهنة مختلفة”. وشرح الموسوي في اتصال مع “المفكرة” بأنّه لا يعلم سبب تراجع الوزير عن قراره لكنّه في الوقت عينه يرى “حاجة لصدوره لأسباب لها علاقة بتلبية حاجة السكن لدى الأهالي في المناطق التي يشملها التعميم”. ويعتبر الموسوي أنّ هناك إيجابيات لهذا التعميم كونه “يضع القرار في عهدة البلدية ويُحيي دورها في تلبية حاجات السكان في نطاقها”. وعن تعارض هذا التعميم مع قانون البناء كونه يعطي تصاريح بناء لمساحة 150 متر مربع بدون ترخيص كما ينصّ قانون البناء، يشير الموسوي إلى أنّ هذا التعميم “يلبّي الحاجة للسكن كون الدولة تقاعست عن القيام بدورها لناحية مسح الأراضي، ويعطي مثالاً بلدة بريتال التي تقع بأكملها على عقارين فقط بسبب عدم مسح الأراضي وضمّها وفرزها.

ويرى الموسوي أنّ هذا التعميم هو “مساعدة للفقراء كونه يعطيهم المقدرة على بناء على مساحة 150 متر مربّع فقط وهي حاجة للمناطق مثل بعلبك وعكار”. وفي المقابل، يؤكّد أنّ “التعميم ليس هو الحل المثالي إنّما هو مؤقّت في ظل عدم إجراء مسح للأراضي”.

ومن جهته أبدى النائب محمد سليمان تأييده مشيراً في اتصال مع “المفكرة” إلى أنّ “المناطق النائية بمعظمها شيوع، مثال تواجد آلاف البيوت على عقار واحد بسبب عدم مسح الأراضي”. ويُضيف، “الحل المؤقت يُساعد السكّان على البقاء بأرضهم ويمنع التعديات على الأملاك العامّة كونه ينظم البناء خاصّة في المناطق الريفية النائية”. وبرأي سليمان فإنّ “الذهاب إلى الحلول الجذْرية هو أمر ضروري، أي بإجراء مسوحات للأراضي وهذا مطلبنا القديم الذي لم يتمّ تحقيقه بسبب افتقار الدولة للموارد المالية”. لذلك يرى النائب سليمان أنّ هذا النوع من التعاميم هو حلّ مؤقت يُساعد السكان في المناطق النائية على تأمين وحدات سكنية.

زبائنية على حساب البيئة

منح تصاريح البناء لطالما وضع في صورة الزبائنية والرشى الانتخابية، وكان الوزير الأسبق نهاد المشنوق قد أصدر أربعة قرارات مماثلة، آخرها عام 2017. وكانت حجة إصدار هكذا قرارات ترتكز غالباً على ضرورة “الحد من الهجرة الريفية إلى المدن وضبط المخالفات”، هذا مع العلم أنّ القرارات هذه لا تقدّم أسباب هذه الهجرة إنما تحصر أسبابه بالسّكن فيما يردّ بعض المؤيّدين أسبابه إلى تحريك عجلة الاقتصاد لناحية الوظائف المتعلّقة في البناء. هذا مع العلم أنّ الأسباب التي تدفع المواطنين للنزوح من الأرياف، تتجاوز مسألة السّكن إلى تضاؤل فرص العمل وعدم توفر الخدمات.

ومن جهتها، تلفت المهندسة في التخطيط العمراني د. منى فوّاز إلى أنّ المطلوب اليوم الحد من إصدار هذا النوع من التعاميم بسبب تنافيها مع القانون، وضرورة الذهاب إلى وضع آليات للانتقال من النمط السائد العشوائي في البناء إلى نمط يراعي الشروط البيئية والاجتماعية والاقتصادية.

وتفسّر فوّاز الأمر بأنّه يتطلب بالدرجة الأولى إجراء مسوحات للأراضي اللبنانية وثانياً تعديل قانون البناء ليتلاءم مع حاجات كل منطقة ويلحظ المتغيّرات الجغرافية والاجتماعية، على أن تكون هذه الأمور جزءاً من خطة كاملة متكاملة لتخطيط الأراضي بالارتكاز إلى المبادئ البيئية والمحافظة على خصوصيات المناطق والنظر إلى العوامل التي تجذب السياحة إلى المناطق.

وتحذر فوّاز من تنفيذ هذه التعاميم كونها تعطي البلدية صلاحية مراقبة تنفيذ بنودها، مرجّحة عدم تمكّن البلديات من رفض رغبات المواطنين، فحتى لو تبيّن عدم صلاحية البناء في أماكن معيّنة إلّا أنّها لن تقدر على الوقوف ضد البناء.

بحسب فوّاز فإنّ “مخاطر هذه التعاميم تكمن في الضرر على البئية”، وتعطي أمثلة: “كالبناء على مجاري المياه الموسمية التي تروي الأراضي الزراعية ممّا يغيّر مسارها الطبيعي، أو البناء على الأراضي الزراعية، كما إنشاء جور صحية غير ملائمة وتضر بالمياه الجوفية”. وتضيف إلى ذلك، “الكلفة التي تتكبدها الدولة لأجل تأمين الخدمات العامة بسبب عدم مسح الأراضي وتصنيفها، بخاصّة حين يُسمح بالبناء في مناطق لا تصلها الكهرباء ومياه الاستخدام المنزلي والصرف الصحي”.

وتسألت فوّاز عن أسباب التفكير في إصدار هكذا تعميم في وقت لا تبدو فيه الأوضاع الاقتصاديّة تشجع على البناء، مرجحة أن يكون السبب رشوة المواطنين لاستعادة المرجعيات السياسية بعضاً من شعبيتها.

انشر المقال

متوفر خلال:

إقتراح قانون ، البرلمان ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تحقيقات ، سلطات إدارية ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *