قمع التظاهر خلال فترة التعبئة العامّة

،
2020-10-16    |   

قمع التظاهر خلال فترة التعبئة العامّة
تصوير طارق قبلاوي

نشر هذا التقرير ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو جزء من سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. في الجزء الأوّل، نتناول التوقيفات التي تعرّض لها المتظاهرين والمنتفضين خلال الفترة الممتدة بين 17 تشرين الأوّل 2019 و15 آذار 2020. في الجزء الثاني، نتناول العنف والتعذيب بحقهم خلال هذه الفترة. في الجزء الثالث، نتطرّق إلى قمع حرية التظاهر خلال فترة إعلان التعبئة العامة والإغلاق لمواجهة وباء كوفيد-19 بين 16 آذار و30 حزيران 2020. وفي الجزء الرابع، نتناول استدعاءات المنتفضين إلى التحقيق خلال هذه الفترة. للإطلاع على منهجية التوثيق، إضغط هنا.

 

أعلن مجلس الوزراء حالة التّعبئة العامّة في 16 آذار 2020 لمواجهة انتشار فيروس كوفيد-19، إلّا أنّ التحركّات في الشارع لم تتوقّف في مختلف المناطق اللبنانية بالرّغم من قرارات منع التجمّعات وإغلاق البلاد و”منع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات” ليلاً. ورغم إجراءات التّعبئة، تمكنّا من رصد 208 حالات توقيف وأكثر من 508 إصابات في صفوف المتظاهرين بين 15 آذار و30 حزيران 2020.

 

استغلّت السلطة حالة الإغلاق العامّ من أجل إزالة خيم الاعتصام الدائمة بخاصّة في بيروت وطرابلس، لما تشكّل من رمزية لانتفاضة 17 تشرين ومساحات تلاقٍ مشتركة لمختلف مجموعاتها. لكنّ هذه الاعتداءات لم تمنع المحتجّين من اللجوء إلى الشارع خلال فترة الإغلاق العامّ. فقد تركزّت هذه الاحتجاجات على الاعتراض على تردّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية وعلى امتناع الحكومة عن استخدام الصلاحيات الاستثنائية بموجب نظام التعبئة لدعم الناس بعدما ارتفعت تكلفة الخدمات الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، اتّخذت بعض التظاهرات شكل مواكب سيارات التزاماً بتدابير الوقاية الصحّية واعتراضاً على انعقاد جلسات تشريعية لمجلس النوّاب في نيسان وأيّار 2020 بدون أن يعكس جدول أعمالها أولويّات النّاس. وقد تعرّض أحد المواكب إلى اعتداء من عناصر شرطة مجلس النوّاب على مقربة من مقرّ رئاسة المجلس في منطقة فردان في 29 أيّار.

رغم الانهيار الاقتصادي، قوبلت هذه الاحتجاجات بعنف متزايد من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية مراهنة على قدرتها في الإفلات من العقاب. لم تكتفِ هذه الأجهزة باستخدام الأساليب التي رصدناها قبل إعلان التعبئة من تعنيف في الساحات وحملات توقيف جماعي، بل وصل العنف إلى مستوى غير مسبوق منذ اندلاع الانتفاضة وصولاً إلى تعذيب محتجزين لدى مخابرات الجيش بواسطة الصعق الكهربائي. كما ارتفعت حالات الاعتداءات من قبل المدنيين المناصرين لأحزاب السلطة، مثل الاعتداء على أماني البعيني الناشطة في حملة حماية مرج بسري في 3 أيّار والاعتداء على المحامي واصف الحركة في 3 تموز من قبل مرافقي وزير الشؤون الاجتماعية والسياحة رمزي مشرفية والتابعين لحزب اللقاء الديمقراطي.

 

حصلت أبرز الاحتجاجات التي قوبلت بالعنف وحملات من التوقيف الجماعي على مرحلتين:

المرحلة الأولى في نهاية شهر نيسان 2020 حيث شهدت مختلف المناطق اللبنانية سلسلة من الاحتجاجات الشعبية. في طرابلس والشمال، استخدم الجيش الرصاص الحي والمطاطي بوجه المتظاهرين بين 16 و30 نيسان، مما أدّى الى مقتل فوّاز السمّان وإصابة أكثر من 211 متظاهراً ونقل 27 منهم إلى المستشفيات. وأوقفت مخابرات الجيش أكثر من 80 متظاهراً بين 23 نيسان و5 أيّار في مناطق مختلفة منها طرابلس وصيدا والمتن وزحلة، من ضمنهم خمسة قاصرين على الأقّل. وقد تبيّن لـ”لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” تعرّض العديد من هؤلاء الموقوفين للإخفاء القسري وللعنف الشديد خلال احتجازهم بهدف انتزاع المعلومات ومعاقبتهم على التظاهر، وصولاً إلى استخدام الصعق بآلة كهربائية لا سيما في مديرية المخابرات وفي فرعيها في صيدا وطرابلس. وسجّلت اللجنة سابقة قانونية لجهة السماح للمحتجزين لدى مديرية المخابرات بمقابلة محامٍ سنداً للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، إلّا أنّ فروع المخابرات في طرابلس وزحلة وصيدا وصربا رفضت السماح للمحتجزين بالاتّصال بأهاليهم أو بمقابلة محامٍ، مما شكّل عملياً حالات إخفاء قسري. أطلق سراح معظم المحتجزين بعد بضعة أيّام على توقيفهم، لكنّ النيابة العامّة العسكرية أحالت 18 منهم أمام قضاة التحقيق العسكري بتهم ترتبط بالاعتداء على الجيش وحرق آليات عسكرية. أفرج عنهم جميعاً بعد استجوابهم بالوسائل الإلكترونية وبعد تجاوز المهل القانونية لتوقيفهم. كما ادعّت النيابة العامّة في الشمال بحق العديد منهم بتهم إضرام النار في الممتلكات وإثارة الشغب.

المرحلة الثانية في شهر حزيران 2020 حيث شهد وسط بيروت تظاهرات حاشدة استخدمت خلالها قوى مكافحة الشغب الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي، مما أدّى الى إصابة أكثر من 73 شخصاً نقل 15 منهم إلى المستشفيات بين 6 و13 حزيران. وأقدمت القوى الأمنية والجيش على توقيف 37 شخصاً على الأقل على خلفيّة الاحتجاجات في بيروت. أطلق سراح المحتجزين بعد التحقيق معهم، باستثناء 20 شخصاً، معظمهم من البقاع الأوسط، أوقفتهم شعبة المعلومات على خلفية التظاهرات في 11 و12 حزيران. ادّعت النيابة العامّة في بيروت على هؤلاء الموقوفين العشرين أمام قاضي التحقيق في بيروت بتهم إضرام النار والتخريب والشغب. أفرج القاضي عنهم جميعاً بعد استجوابهم بالوسائل الإلكترونية بعد أسبوع على توقيفهم، ليعود ويوقف إثنين منهم (عمر البقاعي ووئام البارودي) لمدة 22 يوماً قبل إخلاء سبيلهما في 12 آب. وقد ظهر في هذه القضية تشدّد واضح من قبل النيابة العامّة التي استأنفت أكثر من مرّة قرارات قاضي التحقيق بالإفراج عن الموقوفين، فأتت هذه التوجّهات المتشددة في تماهٍ تام مع تصريحات لوزيري الداخلية والدفاع والنائب جورج عدوان (القوات اللبنانية) المعترضين على إخلاء سبيل المدّعى عليهم. وشكّل ذلك تدخّلاً سياسياً في عمل القضاء وتجاهلاً تامّاً لمفهوم التوقيف الاحتياطي الاستثنائي وضرورة تقليل المخاطر الناتجة عن الاحتجاز في ظلّ انتشار الوباء، والأهم لأسباب اعتراض الناس على الحكّام وأولوية محاسبة من يتولّى السّلطة العامّة بدلاً من محاسبة الشعب.

فضلاً عن ذلك، استمرّت التظاهرات في الشمال والبقاع والجنوب واستخدم الجيش القوّة والرصاص المطّاطي لفضّ تظاهرات في طرابلس، مما أدّى الى إصابة 163 شخصاً نقل 38 منهم إلى المستشفيات بين 11 و13 حزيران. كما أوقف الجيش 36 شخصاً على خلفية الاحتجاجات في مختلف المناطق بين 11 و15 حزيران، من ضمنها الاحتجاجات التي اعترضت طريق شاحنات المساعدات المتّجهة إلى سوريا في طرابلس ومحيطها. كما أوقفت مديرية المخابرات الناشط سلطان يعقوب في 12 حزيران على خلفية مشاركته في تظاهرة في النبطية اعتراضاً على تعدّي المصارف على أموال الناس. أطلق سراح يعقوب بعد خمسة أيام على توقيفه حيث تمّ التحقيق معه من قبل أجهزة عدّة بناءً لشكاوى مقدّمة من قبل مصرف لبنان ومصارف أخرى. وفي 25 حزيران، أوقفت المخابرات 11 شخصاً في منطقة عاليه على خلفية التظاهر على الطرقات العامّة (تسكير الطرقات). وقد أفاد هؤلاء بعد إطلاق سراحهم في اليوم التالي، أنّهم تعرضّوا للضّرب والمعاملة العنيفة والمهينة خلال احتجازهم. كما أقدم الجيش على فضّ تظاهرات في جلّ الدّيب والجيّة في 28 حزيران، مما أدّى إلى إصابة شخصين على الأقل.

بالإضافة إلى هذه التوقيفات الجماعية، رصدنا خلال هذه الفترة عدداً من التوقيفات الأخرى التي حظيت باهتمام الرّأي العام وأظهرت انحياز النيابات العامّة إلى حماية أحزاب السّلطة والمصارف. ومن أبرزها:

• في 29 آذار، تعرّض متظاهرون أمام مبنى بلدية حلبا في عكّار إلى إطلاق نار من قبل مرافقين للنائب وليد البعريني خلال احتجاجهم على انعقاد اجتماع لجمع تبرعّات واعتراضاً على “سياسة التسوّل” المتّبعة لمواجهة وباء كورونا. وبدلاً من التحقيق في إطلاق النار على المتظاهرين، أقدمت شعبة المعلومات في طرابلس على توقيف اثنين من المتظاهرين (غيث حمّود وميراز الجندي) لمدة 24 ساعة، وقد تعرّض حمّود للعنف خلال إلقاء القبض عليه واحتجازه مما أدّى إلى كسر في يده.

• في 2 نيسان، أوقفت قوى الأمن الداخلي تسعة متظاهرين، من ضمنهم الصحافي محمد نزّال والناشط خضر أنور، أثناء اعتراضهم على حجز المصارف لأموال تبرّعات ضرورية لمعالجة انتشار فيروس كوفيد-19. رغم إطلاق سراح الأغلبية، استمرّ توقيف أنور لمدة 24 ساعة بقرار من النائب العامّ التمييزي بشبهة تكسير واجهة أحد المصارف بعدما رفض التوقيع على تعهّد يلزمه بتعويض أحد المصارف عن أيّ ضرر نظراً لعدم قانونيته، ممّا شكّل تعدّياً من النيابة العامّة التمييزية على صلاحيات قضاء الحكم الذي يعود له وحده قرار تحديد المسؤوليات القانونية.

• في 5 أيّار، ألقت شعبة المعلومات القبض على وضّاح غنوي ومحمود مروّة بشبهة إقدامهما على وضع عبوة ناسفة على واجهة فرع مصرف فرنسبنك في صيدا خارج دوام العمل. تمكّن محامو “لجنة الدفاع” من مقابلتهما في مركز الشعبة، وهي المرة الأولى التي يسمح فيها لموقوفي الانتفاضة لدى الشعبة بمقابلة محام خلال التحقيقات الأوّلية. بعد إحالتهما أمام قاضي التحقيق في صيدا بجنح تخريب الأملاك الخاصة، قرّر القاضي إخلاء سبيلهما بعد استجوابهما وبعدما دوّن الرسالة السياسية التي وجّهها المدعى عليهما للسياسات المصرفية، على المحضر الرسمي.

• تمّ احتجاز الناشط ميشال شمعون مرّتين لمدة يوم واحد على خلفية نشره لآرائه السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الذي فقد إصبعه نتيجة إصابة بالرصاص المطاطي في 19 كانون الثاني 2020. أوقف في 15 نيسان بعد استدعائه من قبل مخابرات الجيش على خلفية نشر تسجيل ينتقد فيه البطريرك الماروني بشارة الراعي، كما ألقي القبض عليه من قبل مديرية أمن الدولة في مكان عمله في 18 حزيران على خلفية نشر تسجيل ينتقد فيه رئيس الجمهورية ميشال عون. وفي الحالتين، تصّرف جهازا المخابرات وأمن الدولة خارج صلاحياتهما القانونية وفي تجاوز تامّ للأصول القانونية للتحقيق والاحتجاز.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، اختفاء قسري ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قضاء ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكم جزائية ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *