قضيّة الاتّصالات تدخل في دوّامة الحصانات الوزارية

قضيّة الاتّصالات تدخل في دوّامة الحصانات الوزارية
رسم رائد شرف

أصدرت الهيئة الاتّهامية في بيروت في تاريخ 12/10/2023 قرارًا أعلن عدم جواز ملاحقة الوزيرَين محمّد شقير وجمال الجرّاح في قضيّة صفقة مبنى تاتش أمام القضاء العدلي. وقد أسندتْ الهيئة قرارها بفسخ قرار قاضي التحقيق فريد عجيب إلى أنّ الأفعال المعزوّة إلى الوزيريْن تشكّل خلافًا لما عدّه هذا الأخير إهمالًا وظيفيًّا، ممّا يجعلها خاضعة لاختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء سندًا للمادّة 70 من الدستور. ومن المعلوم أنّ إعلان اختصاص هذا المجلس يعني غياب أيّ مساءلة، طالما أنّ هذا المجلس لم ينعقد يومًا، وأنّ شروط الملاحقة أمامه شبه مستحيلة، وأنّ اختصاصه يثار حصرًا بهدف ضمان إفلات الوزراء من العقاب. وعليه، تكون القضية قد دخلت بفعل هذا القرار دوّامة الحصانات الوزارية كما حصل في قضيّة تفجير المرفأ والعديد من القضايا الأخرى.

وإذ يُنتظر أن تحسم محكمة التمييز هذه القضية تبعًا للطعن في قرار الهيئة الاتّهامية أمامها، يقتضي تسجيل الملاحظات الآتية:

قُرابة 4 سنوات من الدفوع الشكلية، وصمت مطبق للنيابة العامة

بدأت فصول القضية في صيف العام 2019، إلّا أنّ النيابة العامة المالية بشخص رئيسها القاضي علي إبراهيم لم تقمْ بأيّ فعل جدّي لملاحقتها. وإزاء هذا التقاعس، قدّم وسيم منصور، وهو مالك سهم واحد في شركة تاتش (ميك 2) في تاريخ 27/10/2020 شكوى مباشرة أمام قاضي التحقيق الأوّل في بيروت شربل أبو سمرا ضدّ وزيرَي الاتّصالات شقير والجرّاح وآخرين بجرائم صرف نفوذ ورشوة وإساءة الأمانة وسوء استعمال السلطة وتبييض أموال. وما إن قدّم منصور هذه الشكوى، حتّى انهالت الدفوع الشكلية من قبل المدّعى عليهم، أوّلها كان ما يتعلّق بصفته لتقديم الشكوى وهو ما تمّ تخطّيه والتأكيد على صفته بقرار من الهيئة الاتّهامية. إلّا أنّ القضية عادت لتُعرقَل بدفوع شكلية تتعلّق بحصانات الوزراء هذه المرّة، وهذا ما يُؤمل أن تحسمه محكمة التمييز خلال العام 2024.

كلّ ذلك يحصل في ظلّ تلكّؤ غير مفهوم من النيابة العامة المالية عن تأدية واجبها في ملاحقة الجرائم المتعلّقة بالمال العام، إذ لم تنضمّ ولم تُبدِ أيّ اهتمام في الشكوى الراهنة التي كان يُفترض أن تُبادر بنفسها إلى الادّعاء فيها، ولولا ادّعاء منصور لما كانت القضيّة وصلت إلى قصور العدل أصلًا.

علامَ استند قرار الهيئة الاتّهامية؟

على الرغم من تسليم الهيئة الاتّهامية بما ذهبت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها رقم 7/2000 في تاريخ 27/10/2000 لجهة التأكيد على إمكانية ملاحقة الوزراء أمام القضاء العدلي في حال ارتكابهم مخالفات لا علاقة لها بتأدية واجباتهم الوظيفية أو التي ترشح عن تحوير لهذه الواجبات وخروج تامّ عنها، فإنّ الطعن الذي قدّمه المدّعي الأساسي وسيم منصور إلى محكمة التمييز اعتبر أنّها لم تحسن تطبيق هذا القرار على وقائع القضيّة ممّا أسفر عن صدور القرار المطعون فيه:

تشويه مضمون الشكوى

اعتبرت الجهة الطاعنة أنّ القرار تضمّن تشويهًا واضحًا لمضمون الشكوى أثّر على وجهة قراره. فقد اعتبر القرار أنّ الشكوى المباشرة ضدّ الوزيرَين اتّصلت حصرًا بارتكابهما إهمالًا في ممارسة الواجبات الوظيفية، مغفلًا، في المقابل، أنّ الشكوى عزتْ إلى الفرقاء كافّة، بمن فيهم الوزيران، احتمال ارتكاب جرائم الرشوة وصرف النفوذ وتبييض الأموال وغيرها، طالبة التحقيق فيها، وهي جميعها تتجاوز مفهوم الإخلال بالواجبات الوظيفية. وهو تشويه كان له تأثيرٌ مباشر على وجهة القرار المطعون فيه، بحيثُ انبنى على أساسِه أنّ المخالفات المدّعى بها تدخل جميعها ضمن الحصانة الدستورية الممنوحة للوزراء تبعًا لمخالفتهم لواجباتهم الوظيفية، وصولًا إلى إعلان عدم صلاحية القضاء العدلي في التحقيق فيها، في حين أنّ المخالفات المُدّعى بها، لا تشكّل في عمقها إهماًلا، إنمّا تشكّل استغلالًا واضحًا للوظيفة وتحويرًا لها.

الخطأ في تفسير الدستور

كما ذكرنا أعلاه، تخرج الجرائم المدّعى بها في الشكوى، وبشكل بديهي، عن مفهوم الإخلال بالواجبات الوظيفية الذي يعقد صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وإذ تبنّى القرار المطعون فيه ظاهريًّا التوجّه الذي ذهبت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز المذكور أعلاه، فإنّه استعاد أجزاء من القرار مع بتر أجزاء أخرى منه، ممّا أدّى إلى مخالفة جوهره. فقد أغفلت الهيئة الاتّهامية تمامًا أنّ صلاحية القضاء العدلي تنعقد في حال استغلال الوظيفة وتحويرها بهدف تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة من قبل الوزير المشكوّ منه. وعليه، اكتسى الطعن في القرار أهمِّية إضافية لجهة ضمان التزام الهيئة الاتّهامية، ومعها النيابات العامة وقضاء التحقيق والحكم باجتهاد محكمة التمييز (الذي هو أحد أهمّ إنجازاتها) بأمانة وصولاً إلى الغاية المنشودة التي هي الحدّ من تفلُّت الوزراء من أيّ مساءلة.  

ويُناقض هذا التوجّهَ بشكل تامّ التوجّهُ الذي اعتمده قاضي التحقيق فريد عجيب، حيث اعتبر، وبشكل واضح، أنّ الأفعال الجرمية المُدّعى بها، أي الرشوة والاختلاس وصرف النفوذ واستثمار الوظيفة وتبييض الأموال، هي من الأفعال التي تأتي نتيجة لاستغلال الوزير لموقعه الوزاري، والتي يقوم بها بمعرض ممارسته لمهامّه الوظيفية بقصد إحلال مصلحته الخاصة مكان المصلحة العامة من دون أن تكون في صلبها، وهي تاليًا تبقى من صلاحية القضاء العدلي.[1]

إخلال الهيئة الاتّهامية بدورها في التقصّي عن جرائم الفساد

من أجل إعلان عدم صلاحية القضاء العدلي، استندت الهيئة الاتّهامية فقط إلى تكييف المخالفات كما ورد في الشكوى بعدما شوّهت مضمونها وفق ما جاء في الطعن. وقد بدت الهيئة الاتّهامية، في المقابل، وكأنّها تنأى بنفسها عن هذه القضيّة، طالما لم تقمْ بأيّ جهد للتحقُّق من خطورة الأفعال المعزوّة إلى الوزيرَين، وفيما إذا كانت تشكّل إهمالًا للوظيفة أو استغلالًا لها. وبذلك، تكون الهيئة الاتّهامية قد جرّدت نفسها وجرّدت قضاء التحقيق من أيّ دور فاعل في تحديد المسؤوليات الجرمية في اتّجاه حصر دورها في النظر في صحّة ما يطلبه المدّعون المباشرون أمامها أو أمام النيابة العامة، من دون أيّ تدقيق أو تصويب أو تعديل أو إضافة.

وعليه، اعتبرت الجهة الطاعنة أنّ الهيئة الاتّهامية قد خالفت واجبات قضاء التحقيق والدور المنوط به قانونًا والذي يفترض منها أن تستخدم ما لها من قدرة وكفاءة واختصاص لتصويب الشكاوى والطلبات التي قد ترد إليها، على فرض غموضها، سواء لجهة الوصف الجرمي أو التحقيق في وقائع ملازمة للأفعال المدَّعى بها وفق ما تنصّ عليه المادّة 60 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

علاوةً على ذلك، اعتبرت الجهة الطاعنة أنّ الهيئة أخلّت من خلال النأي بنفسها على هذا الوجه بأحكام اتّفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد، وبشكل خاص المادّة 30 منها التي نصّت على وجوب أن تتّخذ كلّ دولة طرف، وفقًا لنظامها ومبادئها الدستورية، ما قد يلزم من تدابير لإرساء وإبقاء توازن مناسب بين أيّ حصانات أو امتيازات قضائية ممنوحة لموظّفيها العموميين من أجل أداء وظائفهم وإمكانية القيام، عند الضرورة، بعمليات تحقيق وملاحقة ومقاضاة فعّالة”.

نشر هذا المقال في العدد 71 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

لقراءة العدد بصيغة PDF


[1] ردّ دفوع شقير والجرّاح في قضيّة مبنى تاتش: لا حصانة للوزراء في قضايا الفساد، المفكّرة القانونية، 6/7/2023.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية