قضية مكرم الزروي في تونس: مظلمة النظام السابق التي أخفقت الثورة في رفعها


2020-07-29    |   

قضية مكرم الزروي في تونس: مظلمة النظام السابق التي أخفقت الثورة في رفعها
رسم رائد شرف

عاد إسم ‘مكرم الزروي’ في الآونة الأخيرة ليشغل حيّزا من اهتمام عدد من وسائل الإعلام والنشطاء الحقوقيين، للمطالبة برفع المظلمة عنه بعد قضائه 13 سنة داخل السجن بسبب تهم لفّقها النظام السابق ضدّه. فقد تأسّست لجنة مساندة بقيادة عدد من الوجوه الإعلامية والحقوقية لتنظم حملة على مواقع التواصل الاجتماعي للضغط من أجل الإفراج عن الزروي. كما تقدمت في هذا الإطار المحامية والمستشارة الأوّلى لدى رئيس الجمهورية الراحل والناطق الرسمي باسمه، سعيدة قراش بمطلب لدى رئاسة الجمهورية من أجل تمتيع هذا الأخير بعفو رئاسي خاص، يوم 10 جويلية 2020، قبل عشرة أيام من موعد انعقاد لجنة العفو التي تحدد أسماء المنتفعين.

مجرد عبارات ساخرة من نظام الحكم وجّهها الزروي إلى العائلة التي كانت حاضرة في الحفلة كلفت هذا الشاب ملاحقات أمنية في البداية وتضييقا على عائلته، ومن ثمة تلفيق تهم له ببيع المخدرات ليتم القبض عليه بعد سنتين من التفتيش (2007) وإصدار أربعة أحكام في شأنه تجاوزت مجتمعة 25 سنة سجنا. استغلال القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلّق بالمخدرات لتلفيق تهمة كيدية لمغني الراب كشف الستار عن حجم الإنتهاكات التي قد تنجرّ عن تطبيق هذا القانون خاصة أنه ينضوي على أحكام قاسية جدا في حق مستهلكي المخدرات.

مكرم الزروي، قضية رأي بامتياز

ترجع أطوار القضية إلى سنة 2005 خلال سهرة فنية لمجموعة من مغني ‘الراب’، قام خلالها مكرم الزروي بتوجيه انتقادات ساخرة للسلطة في إحدى أغانيه موجها أنظاره وأصبعه إلى ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وابنته نسرين بن علي، اللتين كانتا حاضرتين في تلك السهرة. لم تمضِ سوى لحظات حتى تمّ قطع الصوت وقام الأمن بمداهمة الحفل مما اضطرّ جموع الحاضرين للهروب، وتمكّن عندها الزروي من الفرار.

كان ذلك اليوم إيذانا بالحرب ضد مكرم الزروي من قبل النظام. فقد تعرّض منذ ذلك الحادث للكثير من المضايقات من قبل قوات الأمن وظلّ متخفّيا ومتجنبا للظهور في الأماكن العامة. ليتم سنة 2007 إلقاء القبض عليه، وتوجيه عديد التهم الكيدية ضدّه تعلقت أساسا بترويج المخدرات، ووجهت ضده فيما بعد 4 أحكام تتراوح عقوبة كل منها بين 6 و7 سنوات لتتجاوز مجتمعة 25 سنة سجنا.

في هذا الإطار، أوضحت المحامية سعيدة قراش في تصريحها للمفكرة القانونية أن مكرم الزروي تعرض إلى 4 أحكام متواترة بطريقة كيدية، حكم أولي سنة 2008 وحكمين سنة 2009 وحكم أخير سنة 2010، ليصل مجموع هذه الأحكام إلى أكثر من 25 سنة سجنا. وجميع هذه القضايا التي وجهت فيها ضده أحكام قاسية موضوعها ترويج مواد مخدرة. ومما يؤكد أن هذه التهم كيدية هو أنه لم يقع إلقاء القبض عليه بالمحجوز وكانت جميع الأحكام مبنية وفق شهادة متهم على متهم آخر. فقد كانت الشرطة تقبض على متهمين باستهلاك المخدرات وتفرض عليهم الإعتراف لدى باحث البداية وفي الجلسة أنهم اشتروا هذه المواد من مكرم الزروي. والدليل على ذلك ما يوجد في ملف القضية حول شهادة شخص إسمه ‘عبد القادر’ الذي اعترف لدى باحث البداية (بعد تعرضه للضغط) بأنه قد اشترى موادّ مخدّرة من مكرم الزروي لكنه أنكر ذلك في التحقيق والجلسة.

زيادة على ذلك اعتبر كريم كوكي عضو لجنة مساندة مكرم الزروي أن ما تعرض له هذا الأخير يعتبر قضية رأي بامتياز، فهو قد عبّر عن موقف فكري وسياسي من خلال أغنية ‘راب’ في حفل فني، فتم تلفيق التهم ضده، وهذا ما يعتبر دارجا في تلك الحقبة وهي تلفيق التهم للمخالفين والمعارضين. ناهيك أننا نعرف أن قضايا ترويج ‘القنب الهندي’ يحكم فيها بـ 7 سنوات سجن وفي أقصى الحالات يتضاعف الحكم ليصل إلى 14 سنة لكن مكرم الزروي قد تعرض لمظلمة كبرى حيث أن الحكم الذي وجه ضده يتجاوز المعمول به. وقد سعينا كلجنة مساندة إلى التعريف بالقضية في منابر إعلامية والضغط عبر المجتمع المدني لكن لم يقع فتح هذا الملف مرة أخرى ولم يصدر اسمه في أي قائمة عفو.

مكرم الزروي السجين السياسي الذي تجاهلته الثورة

لم يختلف ما تعرض له مكرم الزروي عن سياسة عامة للنظام السابق الذي سجن مئات المعارضين السياسيين بتهم ملفقة وكيدية. ولكن ما يجعل قضيّته استثناءً ومختلفة عن غيرها، هو أن عددا كبيرا من المظالم قد رُفعت بعد 14 جانفي 2011 وسقوط نظام بن علي. حيث أقر مرسوم العفو التشريعي العام المؤرخ في 19 فيفري 2011 سقوط جميع القضايا والتتبعات الجزائية لكل المحكومين بسبب قضايا سياسية وأيديولوجية وقد تجاوز عددهم 7000 شخص.

زد على ذلك أن رئاسة الجمهورية قد دأبت منذ الثورة إلى الآن على إقرار عفو خاص في المناسبات الوطنية والأعياد الدينية يتمتع بها عدد من المساجين (الذين يكونون غالبا من ذوي السيرة الحسنة داخل السجن)، فقد قام مثلا رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 22 جويلية 2020 بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لعيد الجمهورية بتمتيع 859 بالعفو الخاص، مما يفضي إلى إطلاق سراح 213 سجينا فيما يتمتع البقية بالحطّ من مدة العقاب.

إلا أنه رغم توفر جميع المؤيدات التي تؤكد أن قضية مكرم الزروي هي قضية رأي بامتياز، ورغم تقدم هيئة الدفاع لرئاسة الجمهورية بمطلب لنيل عفو خاص لمكرم الزروي على معنى الفصل 373 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي ينص على أن العفو الخاص شخصي ويكون بشرط أو بدونه ولا يمكن أن يشمل إلا المحاكمات الباتة، إلا أن الملف لم يتحلحل ولم يقع إدراج إسم مكرم الزروي في قائمة العفو الخاص مطلقا.

بناء على ذلك اعتبرت المحامية سعيدة قراش في حديثها للمفكرة القانونية أنه من حق مكرم الزروي أن يتمتع بعفو خاص من رئاسة الجمهورية. فالشرط الوحيد الذي قد يمنع من ذلك هو أن تكون القضية جارية، والزروي قضيته باتة. وقد تقدمت بناء على باب العفو الخاص لمجلة الإجراءات الجزائية بمطلب للعفو في الغرض لرئاسة الجمهورية ولم أتلقّ أي رد في ذلك. وفسرت قراش ذلك بأن الإشكال يتمثل في المسار الذي يتخذه ملف العفو وهو أن جميع الملفات تمرّ بداية بلجنة خاصة بالعفو ومن ثمة إلى وزارة العدل، وفي الأثناء يقع استثناء الملفات التي تعتبرها وزارة العدل أو اللجنة غير معنية بالعفو (مثل قضايا ترويج المخدرات) وبالتالي فإن الملف يتوقف في الخطوة الأولى، وقد تنقلت لوزارة العدل للبحث عن حل لذلك لكنهم أكدوا أن عملية انتقاء الملفات تتم عبر شروط مضبوطة لا يمكننا تخطيها إلا في حال تم إشعارنا من قبل رئاسة الجمهورية للقيام باستثناءات عينية.

القانون 52 أداة قمعية لغسل فضيحة نظام بن علي

لئن تعرض مكرم الزروي إلى مظلمة كبيرة بسبب موقفه السياسي من نظام الحكم زمن بن علي إلا أن قضيته هذه قد سلطت الضوء على حجم الإنتهاكات التي مورست تحت غطاء القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات. خاصة أن هذا القانون قد استعمله النظام كأداة لمعاقبة المعارضين السياسيين وإلى اليوم لا يزال أداة لسلب حرية العديد من المواطنين.

وكانت منظمة ‘هيومن رايتس ووتش’ عبرّت في تقرير لها نشر في شهر فيفري سنة 2016 عن امتعاضها من محافظة القانون عدد 52 على عقوبة السجن لمستهلكي مادة القنب الهندي الذي اعتبرته تجاهلا للدعوات التي تقدم بها خبراء دوليون في حقوق الإنسان والصحة التي تحث الدول على إلغاء عقوبات السجن في جميع القضايا المتعلقة باستهلاك وحيازة المخدرات. كما اعتبر التقرير أن للحكومات مصلحة مشروعة في التصدي للأضرار الاجتماعية التي تسببها المخدرات، ولكن تجريم تعاطي المخدرات في حد ذاته يتعارض مع حق الشخص في الخصوصية، والمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها استقلالية الفرد في جميع الحقوق.

ويفسر عديد النشطاء المطالبين بضرورة تقنين استهلاك مادة ‘القنب الهندي’ أن الخلل الأساسي في القانون عدد 52 لسنة 1992 يرجع إلى ظروف إقراره التي تزامنت مع ما عُرف بقضية ‘كسكس كونكشن’. وهي شبكة إجرام دولية تعمل في مجال تبييض الأموال وتهريب المخدرات والدعارة نشطت خلال فترة الثمانينات بين فرنسا وهولاندا وتونس، وكان من بين قياداتها المنصف بن علي شقيق الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وبعد كشف التحقيق عن تورط شقيق الرئيس تمكن هذا الأخير من الفرار في مطار ‘أورلي’ بفرنسا بعد استظهاره بجواز سفر دبلوماسي.

في هذا الإطار اعتبر قيس بن حليمة رئيس حزب الورقة في تصريحه للمفكرة القانونية أن تورط شقيق الرئيس زين العابدين بن علي والهادي بن حسن قريب مدير المصالح المختصة في وزارة الداخلية فرج قدورة، وتمكن شقيق الرئيس من الفرار باستعمال جواز السفر الدبلوماسي وضع النظام آنذاك موضع تساءل بل واتهام حول مدى تورطه أيضا في هذه القضية أمام الرأي العام الدولي. وكان مطالبا بالقيام برد فعل لتبرئة نفسه وكانت ردة الفعل هي القانون 52 الذي سلط فيه أشد العقوبات على مستهلكي ومروجي المواد المخدرة. فالخلاصة الأساسية هي أن النظام الحاكم لم يسنّ هذا القانون من أجل منع الاستهلاك ومكافحة الاتجار بل كان من أجل غاية سياسية واضحة وهي تلميع صورته والخروج من الأزمة التي حاصرته حينها.

القانون 52: قانون زجري عقيم

لعل ما يعزز فكرة أن الغاية من القانون لم تكن محاربة الاستهلاك والترويج هو النسق التصاعدي الذي أخذته نسبة مستهلكي المواد المخدرة بعد إقرار هذا القانون. فالأرقام ظلت في تصاعد ولم يؤثر هذا القانون رغم العقوبات الزجرية التي ينص عليها في التخفيض من معدل الاستهلاك أو ترشيده، حيث قدرت جمعية الوقاية من استهلاك المخدرات عدد مستهلكي مادة القنب الهندي والأقراص المخدرة والمخدرات المحقونة بمئات الآلاف.

كما بينت دراسة ميدانية أصدرتها خلية علوم الإجرام بمركز الدراسات التشريعية والقضائية حول “المخدرات والعود: الواقع والتحديات سنة 2008، أن نسبة المتعاطين للمخدرات بمختلف أنواعها لدى المراهقين والشباب قدرت بـ 57 بالمئة لدى الفئة العمرية بين 13 و18 سنة. بينما تقل نسبة التعاطي تدريجياً بالنسبة الى الفئات الأكبر سناً. وتبلغ نسبة الذين شرعوا في استهلاك المخدرات لأول مرة منذ سن المراهقة حسب الدراسة نفسها 86.8%.

في هذا الإطار اعتبر قيس بن حليمة في تصريحه للمفكرة أن الأرقام اليوم أكبر بكثير من مما كانت عليه في فترة التسعينات وهي في تزايد مطرد حيث بلغ اليوم عدد مستهلكي القنب الهندي ما يناهز 3 ملايين شخص من بينهم 400 ألف شخص مدمن، كما يدخل سنويا بطريقة غير منظمة أكثر من طن من المواد المخدرة التي تُوزّع في المدارس والحانات والملاهي والفضاءات العامة، لذلك فاليوم وبعد تجربة هذا القانون طيلة 30 سنة لا بد من الإقرار بفشله في مكافحة تجارة المخدرات وظاهرة الإدمان.

تحويرات جزئية واستثمار سياسي

بقدر ما يمثله القانون عدد 52 لسنة 1992 من انتهاك للحريات الفردية وحقوق الإنسان ورغم محاولة التخفيف من حدته بإجراء تحويرات عليه خمس مرات (1995-1998-2003-2007-2017) إلا أنه لا يزال موضع انتقادات هامة من قوى المجتمع المدني وموضوعا للطبقة السياسية ولا سيما المرشحين للانتخابات الرئاسية للاستثمار فيه من أجل التسويق وجلب تأييد فئة واسعة من المجتمع.

فمثلا خلال الحملة الانتخابية سنة 2014 تعهد رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي خلال حملته الانتخابية بالنظر في القانون عدد 52 وتعديله وإلغاء العقوبة السجنية، ورغم سعيه جزئيا في ذلك عبر إقرار مجلس النواب خلال فترة عهدته لتحويرات بتاريخ 25 أفريل 2017 إلا أنه لا يزال منقوصا. وهو ما أدى إلى مزيد الاستثمار أكثر في هذا الملف من قبل عدد من المرشحين للانتخابات الرئاسية سنة 2019 من بينهم ‘إلياس الفخفاخ’ رئيس الحكومة المستقيل الذي عبر عن رفضه لهذا القانون السالب للحرية وتعهد بإلغائه.

في هذا الإطار اعتبر قيس بن حليمة في حديثه للمفكرة القانونية أن القانون عدد 52 كان موضوعا أساسيا خلال الحملات الانتخابية للمتاجرة به والتسويق. لكن استغلاله من أجل أغراض انتخابية لم يبدأ مع الباجي قائد السبسي سنة 2014 بل حتى في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي مع كل حملة انتخابية كانت تخرج إشاعة للرأي العام مفادها أن بن علي سيقوم بتنقيح هذا القانون، وكان بن علي يصدر هذه الإشاعة بنفسه من أجل الضغط على لوبيات بيع الكحول ليحصل على دعمهم وتأييدهم، لأنه يدرك أن القنب الهندي يمثل منافسا أساسيا للكحول.

في كل عفو تشريعي تصدره رئاسة الجمهورية منذ الثورة إلى الآن تنتظر عائلة مغني الراب ‘مكرم الزروي’ صدور اسم ابنهم ضمن قائمة المتمتعين بهذا العفو، وفي كل مرة يصابون بخيبة أمل. حتى بعد الضغط المجتمعي وتأسيس لجنة مساندة وتقديم ملف لطلب عفو خاص لدى رئاسة الجمهورية لم يطرأ أي تغيير على ملف الزروي، الذي لا يزال قابعا في السجن منذ 13 سنة. بسبب تهم كيدية لفقها له النظام السابق بعد نقده لسياسة العائلة الحاكمة خلال سهرة فنية سنة 2005 حضرتها زوجة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وابنته. ومع تواصل هذه المظلمة، ما يزال القانون 52، رغم التعديلات التي شهدها، سيفا مسلطا على رقاب الشباب، ومدخلا لنسف أحلام ومستقبل المئات منهم الذين وجدوا أنفسهم مسحوبين من وظائفهم وجامعاتهم ومدارسهم إلى الزنازين بعد لحظات من النشوة العابرة.

انشر المقال

متوفر خلال:

استخدام المخدرات ، تونس ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *