قضية صندوق تعاضد الفنانين تتفاعل بين القضاء والإدارة: أو حين تستخدم “قرينة البراءة” لنسف الرقابة على صناديق التعاضد


2020-09-07    |   

قضية صندوق تعاضد الفنانين تتفاعل بين القضاء والإدارة: أو حين تستخدم “قرينة البراءة” لنسف الرقابة على صناديق التعاضد

في السنوات الأولى لحرب 1975-1990، تراجعت الآمال في قدرة الدولة في تنفيذ مخططها الذي يعود للستينات بمنح تغطية صحية شاملة. في هذا السياق، أصدرت الحكومة مرسوما إشتراعيا رقم 35/1977 يهدف لتنظيم صناديق التعاضد على أساس روابط مهنية أو جغرافية أو اجتماعية والتشجيع على إنشائها، بما يوفر الضمان الصحي لشرائح من غير المضمونين ومن ذوي المداخيل المتوسطة أو المحدودة. استندت هذه السياسة إلى مشاعر التضامن التي يفترض توفّرها بين الأعضاء بفعل الروابط القائمة فيما بينهم، وهي مشاعر يؤمل أن تسهم في إطلاق مشاريع عدة لغايات غير ربحية مؤاداها ضمان حقوق أساسية (أبرزها حق الصحة) بشروط أقل كلفة من شروط السوق (شركات التأمين). كما مُنحت الصناديق إعفاءات ضريبية عدّة تحفيزا لها على تأدية وظيفة الضمان الصحيّ لقطاعات تعجز الدولة المأزومة عن القيام بها. بالمقابل، فُرض عليها كنتيجة لهذه الإعفاءات، رقابة إدارية صارمة منعا للتهرب الضريبيّ أو لأيّ خلل أو تعسّف في إدارتها.

ورغم انقضاء ثلاثة عقود من انتهاء الحرب، فإن السلطة الحاكمة لم تضع خلال هذه الفترة ولا مرة بصورة جدية التغطية الصحية ضمن أولوياتها، مما أدّى إلى توسيع الإعتماد على صناديق التعاضد، سواء الصناديق المنشأة بإرادة أعضائها وفق هذا المرسوم الإشتراعي أو صناديق النقابات المهنية المنشأة وفق قوانين إنشاء هذه النقابات أو صناديق التعاضد لفئات من الموظفين العامين والمنشأة بمراسيم اشتراعية خاصة بها. وقد حصل هذا التوسّع بخلاف العديد من إعلانات النوايا الصادرة هنا وهنالك، وبخاصّة في مؤتمرات باريس المتعاقبة. وفيما أدى إنشاء هذه الصناديق إلى توسيع مروحة المضمونين، فإنه ترافق بالمقابل مع رفع الفاتورة الصحية العامة بفعل تعدد المؤسسات الضامنة وتراكم الأعباء الإدارية على اختلافها، في موازاة تراجع نوعيّة التغطيّة، فضلا عن مخاطر انهيار النظام كله وبخاصّة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الحاضرة.

وما يزيد من مخاطر هذا الإنهيار هو أن عددا من الصناديق بات وفق المديرة العامة للتعاونيات غلوريا أبو زيد (حديث أدلت به لإذاعة صوت لبنان بتاريخ 27 أيار 2020) يواجه العجز في موازنته فضلا عن ارتفاع كلفة الإشتراك في العديد منها لتوازي أكلاف بوالص التأمين، تبعا لانتشار ممارسات تتعارض مع فلسفة صناديق التعاضد وأهمها تحديد رواتب عالية لمجالس إدارتها أو توسيع إطارها ليشمل أشخاصا لا يشملهم الرابط الذي أنشئ الصندوق على أساسه، فضلا عن ممارسات فساد. وما يفاقم من هذه الظواهر هو التراخي العام في مؤسسات الإدارة والقضاء في مراقبة هذه الأفعال ومحاسبتها.

وعليه، وبفعل ذلك، تبدو هذه الصناديق التي انْوجدتْ لضمان الحقّ بالصحة كبديل عن الدولة الغائبة، مهدّدة بدورها بالإنهيار بفعل الفساد أو سوء الإدارة داخلها، مع ما قد يستتبع ذلك من نتائج سلبية على حقوق مجمل المنتسبين إليها وبالأخص حقوقهم بالصحة. وفيما برزت مؤخرا كل هذه المؤشرات السلبية في قضية صندوق تعاضد الفنانين، فإن القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة) ووزير الزراعة عباس مرتضى سارعا إلى إجهاض التدابير الوقائية المتخذة من المديرية العامة للتعاونيات التابعة لوزراة الزراعة (والتي هي تعليق مهام مجلس إدارة الصندوق وتعيين إدارة مؤقتة محلها)، ليعبّرا بذلك عن حساسية محدودة إزاء مخاطر انهيار هذا القطاع وتنامي ممارسات الفساد فيه، وفي الوقت نفسه عن وعي محدود بأهمية هذه الصناديق، أقله مرحليا، في ظل الأزمة الحاضرة.

واللافت أن هذين المرجعين قد استندا إلى قرينة البراءة لإبطال إجراءات الحيطة. فوفقهما، لا يشكّل ادّعاء النيابة العامة المالية على تلك الإدارة بالتهرب الضريبي ولا الشكاوى الجزائية المقامة ولا تقارير الخبراء المحلفين أو المعينين من القضاء المستعجل التي تحدّثت عن التزوير ومحو الملفات الإلكترونية وتقاضي رواتب عالية من دون الحصول على الموافقات اللازمة، أسنادا كافية لتمكين مديرية التعاونيات من اتخاذ تدابير الحيطة. فلا تكون، وفق هذين المرجعين، هذه التدابير ممكنة إلا بعد ثبوت الإهمال أو الفساد بحكم مبرم عملا بقرينة البراءة. وقد بدا المرجعان وكأنهما يخلطان بين الإدانة التي لا تكون ممكنة إلا بصدور حكم مبرم، واتخاذ تدابير احتياطية مقيدة لحرية المشتبه به أو أمواله، أو صلاحياته وذلك حماية للغير أو أيضا للخزينة العامة، وبانتظار جلاء حقيقة الشبهة حوله. فهذه التدابير التي تستند إلى أرجحية حصول مخالفة تهدف لحماية مصالح قد لا تقل أهمية عن سمعة المشتبه به وتمتعه بقرينة البراءة.

وما يزيد من خطورة التركيز على قرينة البراءة، هو أمران: (1) أن أمد المحاكم في دعاوى مماثلة يصل إلى سنوات، ويُرجّح أن لا يصدر حكم مبرم بحقها سواء أتى بالبراءة أو الإدانة إلا بعد استكمال ولايتها مع ما يستتبع ذلك من ضرر على أموال الصندوق. و(2) أن حصر صلاحية المديرية العامة للتعاونيات في قضية هذا الصندوق على هذا الوجه إنما ينسحب على صلاحيتها في الرقابة على صناديق التعاضد كافة، بما يؤدي عمليا إلى تجريدها من امكانية الرقابة عليها.

هذا ما سنحاول تفصيله أدناه.

  • تدابير الحيطة المتخذة من مديرية التعاونيات

تعود قضية الصندوق التعاضدي للفنانين إلى سنة 2018. فبعد تعيين الفنان علي رضا في لجنة الرقابة على الصندوق، اكتشف هذا الأخير جملة من المخالفات المالية والإدارية. وإذ طلب استيضاحات من مجلس إدارة الصندوق وقدم شكاوى لمديرية التعاونيات، اتخذ مجلس الإدارة قرارا بفصله من دون الإستماع إليه على خلفية أنه يطلق شائعات وكلاما يمس بكرامة الفنان والنقابة والصندوق ومجلس إدارته. وإذ تبينت مديرية التعاونيات تبعا لذلك مجموعة من المخالفات، فإنها بادرت بتاريخ 8 آذار 2019 إلى تطبيق المادة 25 من المرسوم الإشتراعي 35/1977 والتي تجيز لها “إذا لمست إهمالا أو تقصيرا من قبل المجلس (مجلس الإدارة) أو اللجنة (لجنة الرقابة) أن تعلق صلاحياته وأن تكلف مجلسا أو لجنة مؤقتة … لتولي هذه الصلاحيات”. وقد عادت فيما بعد المديرية لتصدر قرارا تعديليا في 22 آذار فضلا عن قرار آخر بتعيين لجنة مؤقتة جديدة في 30 نتشرين الأول 2019.

لم يذْعن مجلس الإدارة للقرار الذي اعتبره تعسفيا. فعدا عن أنه تقدم بطعن ضد القرار الأول بتاريخ 21 آذار، فإنه أجرى في 29 آذار اجتماعا لجمعية عمومية رغم اتخاذ اللجنة المؤقتة قرارا مؤقتا بإرجائها. وقد انتهت هذه الجمعية العمومية المنعقدة بطريقة غير قانونية إلى منح موافقتها اللاحقة على تقاضي أعضاء المجلس رواتب وأتعاب إدارية طائلة ومنذ سنوات. أخطر من ذلك، رفض مجلس الإدارة تنفيذ قرار مديرية التعاونيات ولم تتمكن الإدارة المؤقتة من استلام ذمام الإدارة، إلا بعد تدخل القضاء المستعجل. إلا أن هذا التسليم لم يتم من دون أضرار، حيث أن بعض أعضاء مجلس الإدارة المعلقة صلاحياته عمدوا إلى تسليم أجهزة الكومبيوتر بعد محو مئات المستندات الإلكترونية منها. وهذا ما تثبّت منه الخبير دايفيد سلوم المعين من قاضي الأمور المستعجلة والذي نجح في استعادة قسم من هذه المستندات فقط. تبعا لذلك، وضع الخبير المالي سامي ثلج المعين من اللجنة المؤقتة تقريرا واسعا في 9 آذار 2020 انتهى إلى تثبيت كم هائل من المخالفات الحاصلة في إدارة الصندوق من قبل اللجنة المعلقة صلاحياتها. ومن أبرز هذه المخالفات: تسديد رواتب عالية لإدارة الصندوق من دون موافقة مسبقة من الجمعية العمومية ومديرية التعاونيات (وبخاصة رئيس المجلس وأمين الصندوق) والتعاقد مع صناديق تعاضد أخرى والإنتقام من عضو لجنة الرقابة لشكواه حيال المخالفات المرتكبة والصرف من خارج الموازنة وتغظية أشخاص من غير الفنانين وعائلاتهم. وقد تم إبراز تقرير سلوم وثلج لمجلس شورى الدولة تبريرا لتعليق صلاحيات مجلس الإدارة.

وفي موازاة ذلك، باشرت مديرية التعاونيات إجراءات قضائية عدة ضدّ مجلس الإدارة المعلقة صلاحياته. وفيما تبقى بعض الشكاوى بتزوير المستندات والتلاعب بها ومحوها عالقة أمام النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، فقد تحرّكت بالمقابل النيابة العامة المالية بناء على الشكاوى المقدمة لديها ضد أمين صندوق هذا المجلس على خلفية التهرب الضريبي أمام قاضي التحقيق في بيروت. وما تزال الإجراءات الجزائية في هذا الصدد قائمة.

  • شورى الدولة يقلص من ضمانات الشفافية والرقابة

بتاريخ 16 تموز 2020، صدر قرار مجلس شورى الدولة بإبطال قرارات المديرية العامة للتعاونيات الصادرة في آذار 2019. بالمقابل، فإن مجلس شورى الدولة لم ينظر في مدى قانونية القرار الصادر في تشرين الأول 2019 طالما أن مجلس إدارة الصندوق لم يضمنه ضمن مراجعته ولم يطعن فيه بمراجعة مستقلة. وهذا ما قرره صراحة المستشار المقرر بتاريخ 5/12/2019 داعيا المجلس إلى تقديم مراجعة جديدة وهو الأمر الذي لم يحصل. وبالتدقيق في قرار مجلس شورى الدولة نستشف خمس مغالطات من شأن كل منها أن يشكل سابقة خطيرة في إضعاف الشفافية صناديق التعاضد وتقليص الرقابة الإدارية والقضائية عليها. ومن أبرز هذه المغالطات الآتية:

 

  • تحويل الإجازة المسبقة اللازمة لتسديد رواتب إلى تسوية للأمر الواقع:

في هذا الصدد، رأى مجلس شورى الدولة أن مديرية التعاونيات أخطأت حين استنتجتْ وجود مخالفة في تسديد مبالغ شهرية مالية لرئيس مجلس الإدارة وأمين الصندوق أو مبالغ لسائر أعضاء المجلس. وللوصول إلى هذه النتيجة، اكتفى القاضي الإداري بالإشارة إلى أن الجمعية العمومية للصندوق قد صدقت على المبالغ في 29 آذار 2019 وأرسلت نسخة عنها إلى المديرية العامة للتعاونيات.

والتدقيق في هذه المسألة إنما يظهر ثلاثة أخطاء: الأوّل، أنه لم يتنبه إلى أن هذه الجمعية العمومية انعقدت بإرادة مجلس معلقة صلاحياته ورغم اتخاذ اللجنة المؤقتة قرارا بتعليق انعقادها مما يطرح أسئلة حول مدى قانونيتها، والثاني، أنه تجاوز النص القانوني الذي يفرض أن تكون موافقة الجمعية العمومية مسبقة وليس لاحقة، بمعنى أنه يفترض أن تدعى الجمعية العمومية لمناقشة مدى ملاءمة منح رواتب شهرية وليس للتسليم بأمر واقع مستمر منذ سنوات. والثالث، أن المجلس اعتبر أن إعلام مديرية التعاونيات يكون كافيا لإزالة المخالفة فيما أن القانون لا يعدّ قرار الجمعية العمومية بالموافقة على تسديد الرواتب نافذا إلا بعد الحصول على موافقة من هذه المديرية.

ومن شأن هذا التعليل ليس فقط أن ينعكس سلبا على إدارة صندوق تعاضد الفنانين بل على إدارة مجمل الصناديق الأخرى بحيث تصرف أموالها وتغطى لاحقا بقرارات للجمعية العمومية بمعزل عن مديرية التعاونيات.

  • صناديق تعاضد تتعاطى السمسرة ولا تتقيد بروابط التضامن:

الخطأ الثاني الذي وقع به مجلس شورى الدولة، هو تسليمه بأنّ لصندوق التّعاضد أن يتعاقد مع صناديق تعاضد أخرى (وقد حصل التعاقد لتوفير ضمان صحّي لأعضائه مقابل الحصول على عمولة 30%)، إذا كان في ذلك نفع وتوفير عليه. وكانت مديرية التعاونيات رأت على العكس من ذلك تماما أن تعاقدا من هذا النوع إنما يتعارض مع “خصوصية النظام التعاضدي والمبادئ التعاضدية، ولكون أهداف وتخصص صناديق التعاضد محددة حصرا بالعمل لمصلحة أعضائها وعائلاتهم فقط”. فكيف لصندوق يتعاضد فيه أشخاص بفعل الرابط الذي يجمعهم أن يتعاضد مع أشخاص آخرين تجمعهم روابط أخرى؟ وكيف لصندوق أن يتقاضى عمولة من صندوق آخر لتسجيل أعضائه لديه فيما أن كلاهما لا يبتغي الربح؟ وألا يؤدي هذا الأمر إلى نسف الرابط التضامني الذي يستمدّ منه صندوق التعاضد سرّ وجوده لتحويل صناديق التعاضد إلى ما يشبه شركات التأمين التجارية؟

  • لا حماية خاصة لكاشفي الفساد

فضلا عن ذلك، أعاب مجلس شورى الدولة على مديرية التعاونيات المخالفة الحاصلة في فصل عضو لجنة الرقابة علي رضا وذلك على خلفية الكشف عن المخالفة الحاصلة في إدارتها، علما أن هذا الفصل حصل بصورة مفاجئة من دون الإستماع إليه. واللافت هنا أن مجلس شورى الدولة اكتفى للتقليل من أهمية هذه المخالفة بقوله أن الفصل بمعزل عن ظروفه أو مدى أحقيته لا يصبح نهائيا قبل أن يحصل على تصديق الجمعية العمومية. وبذلك بدا مجلس الشورى كأنّه يبرئ مجلس الإدارة من تبعة المخالفة المرتكبة منه ليس لأنها لم ترتكب بل لأنها لم تنتج كامل مفاعيلها بعد. فكأنما خطورة الخطأ لا تقدر على أساس الفعل المرتكب إنما فقط على ضوء نتائجه، وهذا أمر يقارب العبث.

أخطر من ذلك، خلا القرار القضائي بذلك من أيّ حساسية أو وعي بأهمية الكشف عن شبهات الفساد أو أهمية حماية كاشفي الفساد وفق الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد (مادة 33) وقانون كاشفي الفساد الصادر في 2018 ضدّ أي تدبير انتقامي أو تخويفي قد يتخذ بحقهم. واللافت أن غض الطرف عن هذا الأمر شجع نقابة الفنانين المحترفين في لبنان التي عمدت بعد صدور القرار إلى فصل أعضاء اللجنة المؤقتة كافة.

كما خلا القرار من أي حساسية إزاء أهمية التزام أي هيئة مبادئ ضمان حق الدفاع قبل اتخاذ اجراءات بحق أي من أعضائها، وهو أحد الحقوق التي كان مجلس الشورة أصدر عددا من القرارات تأكيدا عليه.

  • قرينة البراءة تمنع اتخاذ تدابير الحيطة وتحدّ من صلاحيات القضاء والإدارة في مراقبة صناديق التعاضد

فضلا عن ذلك، يقبل قرار مجلس شورى الدولة الإنتقاد على خلفية أنه ضخّم النتائج المترتبة على قرينة البراءة بما يخالف صراحة المادة 25 من المرسوم الإشتراعي 35/1977. فقد جاء في القرار حرفيا “أن قوة القضية المقضية الناتجة عن القرارات الجزائية هي وحدها التي تلزم القضاء الإداري وذلك بالنسبة للوقائع والوصف الجرمي وأن مجرّد وجود ادّعاء أمام النيابات العامة لا يقيّد القضاء الإداري كما أنه لا يلزم الإدارة بترتيب النتائج على مجرد ادّعاء”. وقد استشهد مجلس شورى الدولة بمرجع ورد في كتاب فقهي يذكر “أنه يشترط لتطبيق هذه القاعدة أن يكون الحكم الجزائي حكما مبرما”.

وقد رأى مجلس شورى الدولة هذه الحجة كافية لردّ مجمل ما أثارته المديرية العامة للتعاونيات بشأن تزوير المحاضر المودعة لديها ومن بينها المحاضر الصادرة عن مجلس الإدارة والجمعية العمومية ولجنة الرقابة.

وهذا التوجه يشكل خطأ ثلاثيا:

أولاـ لأنه يشي بحصول خلط بين الإدانة التي لا تتم إلا بصدور حكم مبرم واتخاذ تدابير الحيطة التي تكون واجبة في أحيان كثيرة قبل انتهاء المحاكمة حفظا للحقوق،

ثانيا، لأنه يتعارض مع نص المادة 25 التي تجيز لمديرية التعاونيات التدخل كلما لمست إهمالا أو تقصيرا من قبل المجلس أو اللجنة، بمعنى أنه يمنحها صلاحيات واسعة جدا، وهي صلاحيات يتم تعطيلها بالكامل في حال أصبح صدور قرار جزائي مبرم شرطا لممارستها. وما يقطع الشك باليقين لجهة تفسير الصلاحيات التي تمنحها هذه المادة، هو تكملة الجملة التي تنص أنه على مديرية التعاونيات في هذه الحالة أن تدعو الجمعية العمومية في مهلة ثلاثة أشهر على الأكثر للنظر في إقالة وملاحقة كل أو بعض أعضاء المجلس أو اللجنة وانتخاب بديلين عنهم. فهذه التتمة إنما تشكل برهانا تامّا على أن لها أن تتخذ القرار المذكور حتى قبل حصول أي ملاحقة جزائية.

ثالثا، لأنه بالنتيجة يؤدي إلى تضييق صلاحية تدخل مديرية التعاونيات وقدرتها على حماية الصناديق.

  • تطبيق غير سليم لنظرية التناسب بين خطورة المخالفات والتدبير الإداري

ختاما، رأى مجلس شورى الدولة ضمنا أن مديرية التعاونيات اتخذت تدبيرا مبالغا به بالنسبة إلى حجم المخالفات المعزوة لمجلس الإدارة. وهذا ما نستشفه من قوله أنه “كان بالإمكان مثلا تطبيق المادة 26 (وهي المادة التي تخول المديرية ممارسة رقابتها على تصرفات الصندوق بشكل دوري ولدى ورود محاضر القرارات إليها ووقف تنفيذ أي من هذه القرارات) إذا رأت أن قرارا معينا بذاته من بين القرارات مشوب بمخالفة قانونية أو نظاميّة ما، عوضاً عن تعليق صلاحيات مجلس الإدارة بأكمله”.

ويشكّل هذا التوجّه لمجلس شورى الدولة تطبيقا ضمنيا لنظرية التناسب التي تفترض تطبيق التدبير الأقلّ تقييدا لحرية التعاضد أو التعاقد. إلا أن الإمعان في حجم المخالفات المشتبه بارتكابها وماهيتها يظهر أن تدبير وقف التنفيذ يبقى عاجزا عن معالجة أي منها.

فكيف يمكن تطبيق تدبير وقف التنفيذ على قرارات تنفذ وتنتج مفاعيلها كاملة قبل إبلاغ مديرية التعاونيات بها وتصبح تاليا بمثابة الأمر الواقع بالنسبة إليها، وهو واقع يتمثل في صرف مبالغ مالية طائلة من موازنة صندوق التعاضد وتنذر بتفليسه؟

بل كيف يمكن الإكتفاء بتطبيق تدبير وقف التنفيذ إذا بلغت خطورة المخالفة من منظور المديرية العامة للتعاونيات حدّ الصرف من خارج الموازنة أو تزوير القرارات والمصادقات أو محوها أو الإنتقام من كاشف للفساد؟

  • الوزير يسلّم بحصر دور الإدارة في حماية صناديق التعاضد حيال شبهات الفساد

أكثر ما يدهش في هذه القضية هي اندفاعة وزير الزراعة عباس مرتضى (التي تدخل مديرية للتعاونيات ضمن وزارته) لإعادة مجلس الإدارة رغم جدية الأدلة والادعاءات ضد عدد من أعضائه. لا نعلم ما كان يجري من محادثات من قبل بينه وبين المديرية العامّة، لكن حصلْنا على رسالتيْن (قرارين) تعبّران عن هذه الإندفاعة. وبالإمكان أن نستشف هذه الإندفاعة من المعطيات الآتية:

  • أن الوزير اعتبر أن الإلتزام بالقرار القضائي يفرض عليه ليس فقط الرجوع عن قراري آذار 2019 اللذين تمّ إلغاؤهما صراحة في متنه ولكن أيضا القرار الذي لم يطعن به أحد والصادر في تشرين الأول 2019، وهو قرار كان مجلس شورى الدولة أعلم إدارة الصندوق المعلقة صلاحياتها أنه لا يمكن الطعن به في إطار الدعوى نفسها إنما يتعين الطعن به على حدة (قرار صدر في 4 كانون الأول 2019). وبذلك، بدا ليس فقط أنه ينفذ مضمون القرار (الذي هو ملزم طبعا) بل أنه يسلّم بالحجج التي استند عليها كقاعدة عامة تفرض عليه الإمتثال بها في كل القرارات الصادرة عنه سابقا في هذه القضية أو ربما القرارات المشابهة والتي قد تصدر عنه لاحقا. وهذا يؤكد القلق الذي سبق التعبير عنه، لجهة امكانية تحول حيثيات القرار إلى سابقة ملزمة أو قاعدة عامة، قد تشكل للأسف مدخلا واسعا للحدّ من حظوظ مكافحة الفساد في مجمل صناديق التعاضد. وهذا الأمر يجد ما يبرره في عدم امكانية استئناف قرارات مجلس شورى الدولة، مما سيسمح لمديرية التعاونيات بأن تردّ عمليا في إطار النظر في القرار الذي لم يطعن به بعد على مجمل المغالطات الواردة في قرار شورى الدولة.
  • أن الوزير سعى من خلال هذه القضية إلى تثبيت سلطته التسلسلية بل هيمنته على الإدارات التابعة لوزارته، مطالبا مديرية التعاونيات بتنفيذ مقرراته من دون أي اعتراض، على الطريقة العسكرية: “نفذ ثم اعترض”. وهذا ما نستشفه بشكل جليّ في المراسلة المؤرخة في 25 آب 2020 والتي جاء فيها حرفيا: “نطلب منكم الإلتزام بما هو مذكور أعلاه والتوقّف عن مراسلتنا في هذا الشأن أو الملف قبل تنفيذ مضمون هذا الكتاب”. وقد وردت هذه العبارة الآمرة بعدما جزم الوزير من دون أي تعليل أن مجمل ما تسوقه المديرية من حجج إنما يخالف مضمون الأحكام والنصوص القانونية. وفيما يعقل تطبيق هذه السياسة أي “سياسة نفذ ثم اعترض” في سياق معارك عسكرية يفترض اتخاذ قرارات سريعة فيها، فإن الأمر هو حكما ليس كذلك في الإدارات العامة، حيث يفترض أن تكون المواقف مدروسة وأن يتاح للموظفين إبداء آرائهم بشأنها، كلا من موقعه، أملا بتضييق هامش الخطأ.

وبمعزل عن مدى صحّة موقف الوزير في هذه القضية بالذات، فإنّ فرضه على هذا الوجه إنما يشكل تكريسا جديدا لهيمنة الاعتبارات ومعها التدخلات السياسية على الاعتبارات الإدارية التي يسوغ إذ ذاك نسفُها بالكامل. ومن هذه الزاوية، تشكل هذه القضية حالة نموذجية لكيفية استفادة أشخاص مشتبه بهم بارتكاب مخالفات جدية من الحماية السياسية على نحو يحصنهم حيال أي مساءلة. فبإمكان الوزير أن يفرض ما يريده من قرارات على إدارته بأكملها، من دون أن يتحمل من جراء ذلك أي مسؤولية بفعل حصانته المكرسة في الدستور. وكان من الأبدى في ظل المستوى الخطير الذي وصل إليه الفساد أن ينحو الوزراء على العكس من ذلك تماما في اتجاه تطوير ممارسات وأعراف قوامها التزامهم باعتبارات أصحاب الاختصاص داخل الإدارات التي يرأسونها.

وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد هو أن القانون أولى هذه الصلاحية صراحة لمديرية التعاونيات وليس لوزير الزراعة، بمعنى أن بإمكان هذا الأخير أن يمارس سلطته في إعطاء الأوامر من دون أن يكون بإمكانه الحلول محلها بحال من الأحوال.

  • لم يكتفِ وزير الزراعة بهذا الحدّ إنما ذهب إلى حد توجيه تهديد ضمني لمديرة التعاونيات بإمكانية مقاضاتها على خلفية إثارتها شبهات الفساد في المراسلات الداخلية ما بينهما. فبعدما ذكّر تيمنا بما ذهب إليه مجلس شورى الدولة “بضرورة التوقف عن التذرع بموضوع الإدعاء على أمين الصندوق (في مجلس الإدارة) وذلك لمخالفتكم لمبدأ قرينة البراءة والتي لا يمكن إهدارها أو مخالفتها من قبل أي شخص خاصة من قبل المدراء العامين والتي تعد من أهم الضمانات الأساسية في المحاكمات الجزائية”، فإنه شدد على أن “أي مراسلة من مراسلات الوزارة والمديريات التابعة لها تخضع لقانون الحق بالوصول إلى المعلومات … والتي يستفيد بموجبها كل شخص طبيعي أو معنوي من حق الوصول إلى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والاطلاع عليها”. ولا يفهم تضمين كتابه هذه العبارة إلا على أنه تهديد بأنه سيعمد إلى تسليم هذه المراسلات إلى أصحاب العلاقة (أعضاء مجلس الإدارة) تمكينا لهم من مداعاة مديرة التعاونيات بالقدح والذم على خلفية ما تثيره من شبهات فساد، تحتم عليها وظيفتها لفت نظر الوزير إليها. وهو تهديد إنما يهدف عمليا إلى وقف الحديث عن شبهات الفساد والتخويف من مغبة الكشف عنه. فبانتظار انتهاء النيابات العامة وقضاء التحقيق والحكم من أعمالهم (والتي قد تستغرق سنوات)، على الجميع أن يتصرف كأن ما حدا شاف، ما حدا سمع وما حدا دري.
انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، حقوق العمال والنقابات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *