قضية شربل خليل لم تنتهِ فصولها:


2015-03-24    |   

قضية شربل خليل لم تنتهِ فصولها:

في منتصف شباط الماضي، طلب مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان من وزير العدل أشرف ريفي "تحريك النيابة العامة" بخصوص ما نشره الكاتب والمخرج شربل خليل عبر صفحته على موقع "تويتر". وجاء ذلك في إثر نشر خليل، في 15 شباط، صورة لفتاة شبه عارية تجلس على سرير خطّت على قماشه راية تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" – "داعش"، والعبارة الإسلامية "لا إلا الله محمد رسول الله"، معلّقاً: "جهاد النكاح تحت غطاء الرسول؟". وبعدما وعد ريفي مفتي الجمهورية بمتابعة الموضوع، طلب الأخير من أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية الشيخ أمين الكردي تقديم إخبار للنيابة العامة التمييزية، سنداً إلى المادّة 317 من قانون العقوبات، التي تنص على معاقبة "كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة". وتصل العقوبة في  هذه الحالة إلى ثلاث سنوات حبس.

وبعد إعلان دار الفتوى نيّتها مقاضاة خليل، انطلقتحملة تضامنية مع هذا الأخير على مواقع التواصل الاجتماعي انضمّ إليها إعلاميّون، وقد عدّوا الدعوى بحقه أمراً يمسّ بحريّة التعبير. تضامن هؤلاء مع شربل خليل، خصوصاً أنّ الصورة المشار إليها كانت تهدف إلى السخرية من أحد أوجه التطرّف والإرهاب في المنطقة، وليس من الدين الإسلامي، في حين هاجمه بعض المغرّدين، معتبرين أنّ "مكانه هو في سجن رومية"، بسبب تكرّر إساءته للإسلام، بحسب تعبيرهم.

ومثل خليل، في 23 شباط، في قصر العدل أمام النائبة العامة التمييزية القاضية ندى أسمر، لاستجوابه في الدعوى المقدمة ضده من دار الفتوى والمحامي طارق شندب بصفته عن 70 شخصية دينية ومدنية، في حين توكّل النائب في تكتل "التغيير والإصلاح" إبراهيم كنعان عن المخرج خليل. وتزامنت جلسة الاستجواب هذه مع وقفة تضامنية مع خليل أمام مبنى قصر العدل.

وعن الشكوى، يوضح المحامي طارق شندب، في اتصال مع "المفكرة القانونية"، إنها تضمنت وصفاً مفصلاً للصورة التي نشرها شربل خليل، بطريقة تغريد حسب شندب الذي يناقض ما ذهب اليه دفاع خليل لجهة أنها إعادة تغريد. وهذه الصورة تمثّل امرأة بلباس إسلامي يغطي رأسها وعارية الساقين، تجلس على سرير كتب عليه عبارة "لا إلا الله محمد رسول الله". كما تضمنت الشكوى اتهام خليل بأنه يتقصّد إثارة النعرات الطائفية من خلال نشره لهذه الصورة. ويشير شندب إلى أنه تقدّم بالشكوى بوكالته عن 70 شخصية، بينهم محامين ورجال دين ورؤساء جمعيات من بيروت وطرابلس والبقاع. لكن، بسؤاله عن دواعي تقديم الشكوى على أساس "إثارة النعرات الطائفية" وليس، على أساس "تحقير الدين" طالما أن المشكو منه هو مس برموز دينية كما ورد فيها، أوضح شندب أن "هذه القضية تختلف تماماً عن قضية مرسيل خليفة وهي ليست فقط تحقيراً بالدين، لأن شربل خليل يتقصّد عبر برامجه إثارة النعرات الطائفية ومهاجمة الإسلام والتحريض، ولذلك فإن هذه الصورة التي لم يعد تغريدها، بل نشرها بنفسه، تُعتبر شبيهة بنيَّة خليل التي نراها في برامجه". وأضاف شندب أن المدعي العام التمييزي أحال الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان لاستكمال التحقيق، حيث "طلب الادعاء بجرم إثارة النعرات الطائفية"، وهي جنحة تصل عقوبتها إلى السجن لمدة ثلاث سنوات، مؤكداً أن الملف لم يُغلق بعد والتحقيق مستمر. وقد تبين فعلا أن الملف أحيل الى النيابة العامة الاستئنافية في بعبدا بتاريخ 23-2-2015. ولم يُعرف بعد موقف هذه الأخيرة منه.    

من جهته، عبّر شربل خليل عن اعتقاده بأن الملف قد أغلق لأنه فارغ. وقد بدأ خليل أصلا حديثه مع "المفكرة" بضحكة تُعبّر عن استهزائه بالقضية، ويقول: "القصة مضحكة… الذي حصل هو مشهد كوميدي مناسب لعرضه في برنامج بسمات وطن، سواء بالتحرك من قِبل دار الفتوى أو السلطة القضائية ووزارة العدل"، موضحاً أن الصورة انتشرت منذ حوالي العام وتم تداولها على المواقع الإخبارية اللبنانية ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو فقط أعاد نشرها (أو أعاد تغريدها). ويعتبر خليل أن "هناك خلفيات و(قلوب مليانة) من برنامجي بسمات وطن ودمى قراطية"، مضيفاً "حاولوا الدخول من باب هذه الصورة كمنفذ لمحاسبتي على أعمالي أو الضغط عليّ… وبرأيي هذا هو الأساس الذي أدى إلى تحريك الموضوع قضائياً وليس أي شيء آخر".

ويتساءل خليل: "هذه الصورة نُشِرت منذ حوالي العام ولم تُثِر النعرات الطائفية، فلماذا القول إنها ستثير النعرات الطائفية إذا نشرتها أنا؟". ويرد على من يعتبر أن هذه الصورة تسيئ للدين الإسلامي، متسائلاً "كيف يمكن أن نتقبّل الفظاعة التي تحصل تحت هذه الراية التي تحمل الشهادتين ولا نتحرك ضدها، بل نهاجم من ينتقد هذه الفظاعة؟". ويقول: "لا يكفي القول إن علم داعش لا يمثلنا… عليهم أن يقرروا، إما يمثلهم ولذلك يدافعون عنه، أو لا يمثلهم، وهنا عليهم أن يتحركوا لمواجهته ويسمحوا لنا بالتعبير عن رأينا الذي يرفض هذه الأعمال الإرهابية التي تُرتكب باسم الدين والنبي محمد". ويتساءل: "إذا كانت راية داعش لا تمثلك لماذا تنتفض ضد من ينشر صورة نقدية لفكر هذا التنظيم الإرهابي".

ويؤكد خليل أن كل هذا الكلام قاله للقاضية، خلال جلسة الاستجواب، معتبراً أن القاضية "تعلم أن مضمون الدعوى فارغ وسخيف". ويلفت الانتباه إلى أنه أُخرِج من المحكمة بسند إقامة، موضحاً أنه يُعلم من خلاله المحكمة عن مكان إقامته، لتبلّغه بأي قضية أو دعوى جديدة، كمخرج وليس أكثر من ذلك، ويضيف أنها "كانت جلسة أولى وأخيرة وانتهت القضية لأنها سخيفة".

من جهة أخرى، يؤكد خليل أنه غير محسوب على أي جهة سياسية، ولا يتستر خلف أي طرف ليُعبّر عن رأيه، قائلاً "ليس لدي ظهر سياسيّ يحميني". كما يؤكد أن النائب إبراهيم كنعان هو موكله منذ حوالي تسع سنوات كمحامٍ وصديق ليس أكثر، وليس بصفته كنائب في تكتل "التغيير والإصلاح". ويرى خليل أن "بعض الجهات السياسية تتمنى أن أُحاسَب وأُعاقَب وأن يتم قمعي وإسكاتي، لأنني حتى إذا أخطأ أحد أعز أصدقائي أنتقده، ولذلك نرى ضعفاً سياسياً في الدفاع عن قضايا تخصني". ويعتبر أن "أجواء الحوار بين فريقي 8 و 14 آذار جعلت الطرف السياسي الذي قد يفكر في الدفاع عن قضيتي يحسب أولاً أنه قد يزعج دار الفتوى أو الأحزاب المقربة منه". ويشدد على أنه "عند المساومات والحوارات لا أحد يحسب للإعلامي أو الصحافي أي حساب". ويشير، على سبيل المثال، إلى أنه من المضحك أن تيار "المستقبل" عبر عن استيائه لكيفية توكل النائب إبراهيم كنعان في قضية "تثير النعرات الطائفية". ويؤكد أن القضية أساساً سياسية، ولذلك تدخل السياسة في كل جوانبها، ومنها الانقسامات السياسية.

ويضيف خليل: "نحن نعيش في مجتمع طائفي ومتعصب، ومعركتي منذ العام 2005 هي لتحرير لبنان من هذا التعصب الأعمى، الذي تعاني منه كل فئات الشعب اللبناني"، مذكراً بأنه عندما استعمل لحن ترتيلة كنسية لأغنية سياسية في برنامج "دمى قراطية"، هاجمه العديد من رجال الدين المسيحيين. ويعبّر خليل عن وجعه قائلاً: "ما يقهرني هو أن الأبواق الطائفية تهب من دون علمها أو فهمها لمغزى الموضوع الذي أطرحه"، معتبراً أن "شعبنا فقط يعرف الشتم من دون الاطلاع على الحقائق"، ومشيراً إلى أن غالية الشتائم التي وصلته على موقع "تويتر" رداً على نشره للصورة، وصلت كشتائم لبرامجه، وهذا دليل، بحسبه، أن من يشتم لا يعلم حتى لماذا يفعل ذلك ولأي سبب! ويؤكد أنه "لو رأى المفتي الصورة لما رفع الدعوى".

ويلفت خليل الانتباه إلى أن هناك الكثير من المشاهد الذي يدافع فيها عن الدين الإسلامي الحقيقي، وينتقد فيها الإساءات التي تحصل بحق المُعتَقد. وقد ذكّر بشكل خاص باحدها: وهو عبارة عن زوجين مسيحيين في منطقة تحت سيطرة "داعش"، وعند وصولهما إلى الحاجز يسألهما المسلح عن ديانتهما فيرد الزوج أنه مسلم. حينها، يطلب المسلح من الرجل قراءة آية من القرآن ليثبت له إسلامه، فيقرأ الأخير آية من الإنجيل ثم يصعد إلى السيارة ويرحل. هنا، تسأله زوجته: "كيف تخاطر وتقرأ له آية من الإنجيل؟ ألم تخف أن يقتلك؟"، فيرد الزوج: "لو كان يعرف القرآن لما انضم إلى داعش". تعليقاً على هذا المشهد، يعتبر حمود أنه "بحد ذاته، يظهر موقفاً واضحاً لشربل خليل ضد داعش وأمثاله من الجماعات المتطرفة والتكفيرية، ودفاعه عن الإسلام الحقيقي". ويوضح خليل أن هذا المشهد حصل على 3 ملايين مشاهدة على مواقع التواصل.

يختم شربل المقابلة قائلاً: "لا أعلم إذا يمكنني أن أنجح في توصيل رسالتي لهذا المجتمع، وتوقيف التعصب الطائفي والشتم والتحريض وهدر الدماء". ويضيف: "الله ينجينا من الطائفية لنصبح بلداً يحترم الأديان التي هي رمز المحبة والتسامح".

وفي ظل التجاذب بين الفريقين، والذي واكبته وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلامية عدة، لفت انتباه المتابعين موقف إمام مسجد القدس في صيدا الشيخ ماهر حمود، الذي عبّر عن تأييده التام لحق خليل في التعبير عن رأيه والانتقاد البنّاء. ويوضح الشيخ حمود، في حديث مع "المفكرة"، أنه "في المبدأ، لا يُفترض لخصومات من هذا النوع أن تذهب مباشرة إلى القضاء، لمراقبة الناس ومعاقبتهم، خصوصاً من قِبل دار الفتوى الذي يجب أن يمارس دوراً يشبه الأبوّة للجميع"، مضيفاً "لا أحب لدار الفتوى أن يمارس دور الرقيب والقضاء، حيث إن دوره فقط محدد بالدعوة الدينية، وهذا هو الأصل بشأن دور أي عالم دين، خصوصاً في مجتمع متعدد كالمجتمع اللبناني". ويذهب حمود أبعد من ذلك في دفاعه عن خليل من خلال تحليل تفاصيل عمله. فيذكّر الشيخ بمشهد الزوجين المسيحيين على حاجز داعش المشار اليه أعلاه.   

ويقول حمود: "إذا افترضنا أن شربل خليل أخطأ، مثل الذين قالوا إن الراية الموجودة على السرير هي راية إسلامية وليست راية داعش، يجب الإحاطة بهذه القضية من خلال طرق عدة، من دون تحويلها إلى القضاء لإشغال الرأي العام بأشياء تافهة وإعطاء الموضوع أهمية أكبر من حجمه".

ويرى حمود أن "موقف بعض الجهات الإسلامية التي تقول إنها ضد داعش والجماعات المتطرفة ضعيف نسبياً في مواجهة هذا الهجوم التكفيري البَشِع"، معتبراً أن "صوت بعض الجماعات الإسلامية ضعيف ومتردد ويبحث عن تبريرات لأفعال الجماعات التكفيرية، وبعض علماء الدين يحاولون الفصل بين أسلوب ومضمون هذه الجماعات، أو يحملون الآخرين مسؤولية الأخطاء التي ترتكبها". ويذكر الشيخ بمشهد بعض علماء الدين وأحد كبار القضاة الشرعيين أمام مدخل وزارة الدفاع، للمطالبة بالافراج عن عمر الأطرش وغيره، متسائلاً: "كيف يطالبون بالإفراج عن إرهابيين ومتطرفين هم أساس من يثير النعرات الطائفية، ثم يطالبون بمقاضاة من يدافع عن الإسلام الحقيقي بنقده الفكر التكفيري، ويتهمونه بأنه يضرب السلم الأهلي؟". معتبراً أن "الحفاظ على الإسلام هو في أن تواجه أصحاب هذه الرايات الكاذبة، وليس بالقول إن الراية صادقة لكن من يحملها يقوم ببعض الأفعال الخاطئة". ويضيف: "يجب أن نمتلك الجرأة في مواجهة هذا الإجرام الذي جعل الدين الإسلامي في نظر الآخرين شيئاً بشعاً، عوضاً عن مهاجمة من ينتقد هذا الإرهاب". ويرى، على سبيل المثال، أن قضية شارلي إيبدو في فرنسا سببها "ضعف بعض المسلمين في مواجهة الإرهابيين الذين صوروا الإسلام على أنه يدعو إلى الذبح والقتل والتفجير".

ويُذكّر الشيخ حمود أنه في العام 1999، تم تحويل الفنان الملتزم مرسيل خليفة إلى القضاء، بعد دعوى قُدمت من دار الفتوى ضده بسبب تلحينه قصيدة "أنا يوسف يا أبي" للشاعر محمود الدرويش، الذي أخذ كلمات قصيدته من القرآن. ويعتبر حمود أن هذا لم يكن يجب أن يحصل بين دار الفتوى وفنان كمرسيل خليفة، مشيراً إلى أن القاضية (غادة أبو كروم) حينها أنصفت خليفة ومدحته بقولها إنه "إنسان ينشد الحب الإلهي". ويضيف: "نحن كعلماء دين ودعاة لا يجب أن ننتظر إنساناً يختزن جانباً كبيراً من الخير لنفتح معركة معه ونهاجمه".

ويشدد حمود على أن شربل خليل "يمتلك القدرة على انتقاد الجميع، ولا يوفّر أحداً حتى من الفريق السياسي الذي يُعتبر أنه مقرب منه. ويذكر أنه في مقابلة له على قناة "المنار"، قال: "أتركوا هذا الرجل الموهوب ينتقد لأن هدفه واضح وهو الإصلاح في المجتمع". 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية