قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش (5):ماذا تُعلّمنا هذه القضيّة؟ وماذا يؤمَل منها؟

،
2021-05-03    |   

قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش (5):ماذا تُعلّمنا هذه القضيّة؟ وماذا يؤمَل منها؟

ماذا تُعلّمنا هذه القضية؟ وبالتحديد، ما الخطوات التي يتوجّب أو يُنتظر اتّخاذها على ضوء المعطيات التي توفّرت فيها، وبخاصّة في المرحلة الحرجة التي يمرّ فيها لبنان وعلى وقع اشتداد خطاب مكافحة الفساد؟ هذه الأسئلة الأبرز التي تطرحها هذه القضية، وهي تتفرّع إلى أسئلة أخرى تتناول جوانب الخلل المتفرّقة التي كشفتها.

أسئلة بشأن استرداد المال المنهوب

من البيّن أنّ العقد الموقَّع مع شركة سوناطراك شكّل مناسبة لنهب مبالغ كبيرة من المال، يُرجَّح أن تبلغ مليارات الدولارات الأميركية. ويفترض تحديد المال المنهوب إجراء مزيد من التحقيقات لإثبات نوعيّة الفيول المستورَد ومصادره والإثراء غير المشروع الذي يرجَّح أن تكون حقّقته شركة سوناطراك وشبكة المصالح المتوارية خلفها. فقبل أيّ حديث عن احتمال استرداد أموال منهوبة، يجدر إثبات أنّها منهوبة وتحديد كمّها بأحكام تكون مبرمة. وعدا عن أنّ هذا الأمر يتطلّب تحقيقاً أوسع مع شركات التدقيق وأصحاب المختبرات والتقصّي عن مصادر شراء الفيول وربّما تحرير استنابات دولية يفترض أيضاً، وقبل كلّ شيء، رفع السرّيّة المصرفية عن مجمل الأشخاص والشركات المتورّطين في هذه القضيّة، مع ما يستتبعه من تعديلات تشريعية، أقلّها تعديل تركيبة هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان. كما يفترض توسيع تحقيقات النيابة العامّة لتشمل، بالإضافة إلى حمولة سفينة BALTIC، كيفيّة تنفيذ العقد طيلة السنوات الـ15 السابقة.

أسئلة في شأن الإصلاح الإداري 

لا نبالغ إذا وصفنا ما كشفته هذه القضية من خلل في العمل الإداري بالمُرعب، حيث بدا كأنّما الرشوة والفساد معمّمان من رأس الهرم إلى أسفله، والأهمّ أنّ تقديم الرشى ممنهج ومنتظم تُدخِله الشركات المستفيدة ضمن حساباتها الشهرية ويرثه الخلف عن السلف. وقد كشفت التحقيقات تواطؤ الموظّفين في التستّر على نوعيّة الفيول المستورَد ومسؤوليّة باخرة لوّثت المياه الإقليمية، وفي إفشال عمل التفتيش المركزي خوفاً من الكشف عن أخطاء الشركات التي اعتادت رشوتهم. كما كشفت تحكّم الفساد ليس فقط في الأجهزة الإدارية ولكن أيضاً في الأجهزة الرقابية، من شركات تدقيق ومختبرات مركزية وفرعية تخضع لإشراف الدولة ويتقاضى العاملون فيها رواتب شهرية منها. أي أنّ الدولة تنفق أموالاً طائلة على أجهزة رقابية تعمل في الواقع، بالتواطؤ فيما بينها، على تبييض جميع عمليّات الغشّ والاحتيال. ونذكر هنا أنّ وضع هذه المختبرات هجين ومشابه لوضع مرفأ بيروت، لناحية تعيين الحكومة لجاناً إدارية لإدارته من دون أن تكون جزءاً من أيٍّ من هياكلها.

أمّا الآن وقد تُرك هؤلاء بعد الادّعاء عليهم بالرشوة، ما هو مصيرهم؟ هل سيعودون إلى العمل كأنّ شيئاً لم يكن؟ هل تحرّكت هيئة التفتيش المركزي ضدّ أيّ منهم؟ هل ثمّة نيّة لدى السلطة التنفيذية في إعفاء أيّ منهم من مسؤوليّاته أو وضعه في التصرّف؟ حتّى الآن، لم يُثّخذ أيّ من الإجراءات المذكورة، بل على العكس تمّ توسيع صلاحيّات فغالي لتتولّى الإشراف على المنشآت محلّ حليس، علماً أنّ كِلَيْهما متورّط بالدرجة نفسها في القضية.

أسئلة في شأن الاحتكار وعقود الشراء العامّ

أسئلة أخرى لا تقلّ أهمّيّة عمّا تقدّم وتتّصل بصفقات الشراء العامّ. اكتشف اللبنانيون، خلال هذه القضية، الكلفة العالية التي يسدّدونها جرّاء إبرام عقود شراء عامّ يُتّفق عليها رضائياً بدل إجرائها في إدارة متخصّصة تحترم قواعد المنافسة والشفافية. كما اكتشفوا خطورة العقود السرّيّة التي غالباً ما تؤسّس للفساد. وقد انطلقت بالفعل، بعد قيام شركة سوناطراك بفسخ العقد إثر بدء التحقيقات في القضيّة، جهود لإجراء مناقصة عمومية  لشراء الفيول وُضع لها دفتر شروط بعد نجاح إدارة المناقصات في فرض شروطها.

أسئلة في شأن استقلال القضاء ومحاسبته

أخيراً، وتحسّباً لأيّ خلل في المحاكمات المقبلة، يُفترض أن يبقى المسار القضائي برمّته موضع تحقيق ومساءلة، نظراً إلى أبعاد القضيّة ومخاطرها. ومن هذا المنطلق، لا يسعنا إلّا أن نطرح أسئلة جدّية حول الأسباب التي دفعت النيابة العامّة المالية إلى حفظ الملف أو التي دفعت قاضي التحقيق والهيئة الاتّهامية إلى إخراج سوناطراك من القضيّة أو التي أدّت إلى التخفيف من مسؤوليّات الشركات من خلال إبرائِها من جرم تبييض الأموال. أليس من أهمّ واجبات القضاء المساهمة بفعالية في محاسبة المعتدين على موارد الشعب في هذه الظروف تمهيداً لاسترداد الأموال المنهوبة؟ فكيف نفعل ذلك في ظلّ قرارات من هذا النوع؟ 

ولا بدّ هنا من النظر في دور الحصانات والمقامات في التأثير على المسار القضائي حيث نأتْ مجمل الهيئات القضائية بنفسها عن محاسبة الوزراء المنخرطين في إبرام العقد وتمديده. يسجّل في المقابل إيجاباً أنّ وزير الطاقة والنفط ريمون غجر أعطى إذناً عامّاً بملاحقة الموظّفين العاملين في وزارته ممّا سمحَ للنيابة العامّة وقضاء التحقيق بجمع معلومات بالغة الأهمّيّة.

 

نشر هذا الملف في ملحق خاص في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية



لتعليقاتكم