قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش أو “صناعة” الإحتكار في صفقات الشراء العام (1): عقد بالتراضي سري بشروط مجحفة مع شركة لا نعرف عنها شيئا


2020-09-09    |   

قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش أو “صناعة” الإحتكار في صفقات الشراء العام (1): عقد بالتراضي سري بشروط مجحفة مع شركة لا نعرف عنها شيئا

في 10/7/2020، أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان نقولا منصور قراره الظني في قضية الفيول المغشوش. القرار صدر بحقّ عشرات الأشخاص المحالين إليه بطلب من النيابة العامة في جبل لبنان.

وفي تفاصيل القضية أن سفينة Baltic التي استقدمتها شركة Sonatrach كانت تحمل فيول-أويل رست في 16/3/2020 في مرفأ بيروت. وقد أخذت عينات من الحمولة في لبنان وبيّنت الفحوصات التي أجريت في لبنان في مديرية المنشآت النفطية، أن المادة المستوردة مطابقة لفحوصات بلاد المنشأ المجراة في Bureau Veritas Malta. إلّا أن فحص عينة أرسلها يحيى مولود مدير العمليات في شركة MEP  لإنتاج الكهرباء المكلّفة بتشغيل معملي الذوق والجية إلى مكتب  Bureau Veritas Dubaiبيّن أنها على العكس من ذلك غير مطابقة للمواصفات ولفحوصات بلاد المنشأ وأنّه جرى تاليا تزوير نتائج العيّنات المأخوذة في لبنان. ما أن استُدعي المعنيون بالفحوصات والسفينة إلى التحقيق، حتى كرّت سبحة اعترافات العديد من موظفي وزارة الطاقة والمياه والمنشآت النفطية بتلقّي رشاوى وهدايا كما اعترافات العديد من أجراء الشركات الموردة بدفع رشاوى، كل ذلك بهدف تزوير نتائج فحوصات وتمرير المواد المستوردة مهما كانت مغشوشة.

كما بيّنت إفادة يحيى مولود (والذي يُعتبر كاشف الفساد في هذه القضيّة) أمام قاضي التحقيق، أن الفيول المستخدم منذ 2017 مخالف لمواصفات ISO 8217. وقد ساءت كثيرا نوعية الفيول في عام 2019 لدرجة أنه لدى إرسال الشركة الألمانية المصنعة لمعامل كهرباء الجية والذوق خبيرا، تبيّن أن هناك إضافات كيميائية خطيرة ومحظورة في شحنات النفط، وهي غير مطابقة لشروط ISO نهائيا ولا لشروط العقد الموقع مع Sonatrach وهي تشكّل ضررا على الصحة العامة وقد تؤدي إلى انفجار المعامل في حال استعمالها.

ومن أبرز الأسماء التي تمّ تداولها في قضية الفيول المغشوش سركيس حليس المدير العام لمنشآت النفط، وأورور فغالي المديرة العامّة للنفط في وزارة الطاقة ورئيسة المختبرات النفطية في المنشآت خديجة نور الدين بالإضافة إلى تادي وريمون رحمة مالكي شركة ZR Energy  وكمال حايك رئيس مؤسّسة كهرباء لبنان.

وعلى عكس ملفّات فساد ضخمة، جرت العادة في لبنان على طمس معالمها، فإن القرار الظني وتقارير التفتيش المركزي وإفادات مدير عام إدارة المناقصات والوزراء والمتّهمين ومحاضر جلسات مجلس الوزراء المتعلقة بالعقد مع Sonatrach بيّنت كيفية إدارة الملفات المهمة في لبنان واستباحة الدولة من قبل شبكات المصالح المحتكرة.

إنّ أهميّة هذه القضيّة بما كشفته من وقائع، تعرّي كيفية إنتاج المنظومة المتهاوية والتي حكمت طوال ثلاثة عقود لأنظمة احتكار المشتريات النفطية في لبنان إحدى أكبر نفقات الدولة. كما هي مثال ساطع عن ممارسات السلطة بكامل أطيافها على مدى العقود الماضية: ممارسات تفتقد للشفافية ولمراعاة المصلحة العامّة كبّدت الدولة مبالغ هائلة هدراً، وأمّنت أرباحاً خياليّة غير مبرّرة غير الأرباح الإعتياديّة لبعض المحظيّين، أمكن تقديرها على أقل تقدير ب 3 مليارات د.أ خلال السنوات 15 الماضية وفق المعطيات التي نبينها في معرض المقال. ولا تشكّل هذه القضيّة إلّا مثالا واحداً عن شبكات المصالح وتَشكُّل الإحتكارات، كُشف عنها للعلن لأسباب ما تزال ملتبسة قد يكون في مقدمتها التجاذبات السياسية، وإن بدأت بفضيحة تزوير فحوصات مخبريّة لم يكن بالإمكان احتواؤها.

بدأت قصّة Sonatrach مع العقد السري الذي وقّع بين الدولة اللبنانيّة وشركة Sonatrach Petroleum BVI، التي استُعملت كغطاء لشبكات المصالح المحتكرة، مروراً بقضية الفساد وتزوير نتائج الفحوصات المخبرية للفيول-أويل، لتنتهي باكتشاف هوية المورّدين الحقيقيين.

وظهر إسم Sonatrach ودورها ومداخيلها لأول مرّة إلى العلن عام 2007، بطريقة عرضيّة في القرار 145 تاريخ 9/10/2007. فبفعل الخلاف القائم بين رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة ورئيس الجمهورية السابق إميل لحود آنذاك والذي كان يردّ قرارات مجلس الوزراء، فإن هذه القرارات كانت تنشر في الجريدة الرسمية بعد تأكيد مجلس الوزراء عليها. وقد عمدت وزارة المالية في القرار 145/2007، إلى إحالة النفقات الناتجة عن عقدي Sonatrach وشركة KPC الكويتية طالبة من الحكومة البتّ بها. وكانت مستحقّات شركة Sonatrach عن شهر تشرين الأول 2007 فقط قد قدّرت بخمسين مليون دولاراً، وتلك المتوجّبة لKPC بخمسة وعشرون مليون دولاراً. كما قدّرت مستحقات الشركتين من حزيران 2006 حتّى أيلول 2007 ب 1.335 مليار دولار.

نتناول هذه القضية في سلسلة من 3 مقالات صناعة الإحتكار ومفاعيله. نناقش في الحلقة الأولى صناعة العقد الأساسي ومضمونه، وفي الحلقة الثانية ترسيخ الإحتكار عبر تمديد العقد الحاصل طوال 15 سنة، وفي الحلقة الثالثة، كيفية تنفيذ عقود الإحتكار بما يزيد من إجحاف الدولة. وقد اعتمدنا في الحلقة الأولى على الكثير من الملاحظات الواردة في إفادة المدير العام للمناقصات جان عليّة المتعلّقة بعقد Sonatrach والمدوّنة في القرار الظنّي.

  • عقد بالتراضي سري مع شركة لا نعرف عنها شيئا: هكذا تنشأ الإحتكارات في الظلمة

 

أ-عقد بالتراضي

تمّ التعاقد بين الدولة اللبنانية وشركة Sonatrach Petroleum BVI في 9/11/2005، بعدما كلّف مجلس الوزراء وزير الطاقة آنذاك محمد فنيش القيام بذلك. وقد تمّ إبرام العقد بالتراضي بعدما جرى عرض مسودّة الإتفاق على مجلس الوزراء الذي قرّر التوقيع عليه مفوّضاً وزير الطاقة بذلك.

وقد لجأ وزير الطاقة والمياه عام 2005 محمد فنيش ومجلس الوزراء إلى صيغة الإتفاق بالتراضي بالإستناد إلى الفقرة 12 من المادة 147 من قانون المحاسبة العمومية التي تسمح لمجلس الوزراء بتأمين اللوازم بالتراضي بناء على اقتراح الوزير المختص، في حالات استثنائية، وخلافا للقاعدة العامة التي تنص “أن صفقات اللوازم والأشغال تتمّ متى أمكن بطريقة المناقصة العمومية[1].

والتذرع بهذا الاستثناء يكون مردودا في هذه الحالة، طالما أن عقود توريد الفيول أويل هي من النفقات العادية ولا تشكّل أحد الإستثناءات الإضطرارية. فهي ليست من اللوازم والأشغال والخدمات الاضافية التي يجب إحاطتها بالسرية أو أن يعهد بها إلى الملتزم الأساسي لئلا يتأخر تنفيذها أو ينحصر حق صنعها في حامل شهادات اختراعها. كذلك هي ليست من الخدمات الفنية التي لا يمكن أن يعهد بتنفيذها إلا لفنانين أو اختصاصيين أو حرفيين أو صناعيين بعينهم. كما أنها ليست من اللوازم والاشغال التي يصنعها ذوو العاهات المحتاجون المرخص لهم بالعمل من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية… إلخ.

وما يقطع الشك باليقين بشأن غياب ضرورة عقد الإتّفاق بالتراضي أنّه تم تمديد هذا العقد قرابة 15 سنة كل ذلك بالتراضي، وأنه جرى في سنوات لاحقة وضع دفتر شروط عام لإجراء مناقصة عمومية لاستيراد الفيول-أويل تمّ التهرّب من إقراره بشهادة الوزيرة بستاني، وفق ما نثبته في الجزء الثاني من هذا المقال. فهل استمرت الضرورة طوال 15 سنة؟

ب-عقد سريّ من دون أي مبرر

نصّ البند 17 من العقد أنه على الأفرقاء في العقد أن يبقوا العقد المبرم سريا (confidential) وخصوصيا (private)  وأنه لا يجب إفشاء العقد أو أي جزء منه إلّا إلى السلطات اللبنانية والجزائريّة. وهو ما نجح الفرقاء بفعله لسنوات طوال. والواقع أن اعتماد السريّة في هذا العقد أمر غير مبرر إطلاقا للأسباب الآتية:

  • أن عقود توريد الفيول-أويل هي عقود شراء عادي لمادة من أكثر المواد تداولا بشكل علني في الأسواق العالميّة ولا تعدّ استثناءً على مبدأ الشفافية في الإنفاق المكرّس في هذا القانون، حيث أنها لا تدخل ضمن الإستثناءات المتعلّقة بأسرار الدفاع الوطني والأمن القومي والأمن العام أو بإدارة العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السري أوبما ينال من المصالح المالية والاقتصادية للدولة وسلامة العملة الوطنية (وهي استثناءات ينص عليها قانون الحق بالوصول إلى المعلومات في المادة 5 منه).
  • أن الحكومة قد أبرمت عقداً شبيهاً بالمضمون والأهداف مع شركةKPC الكويتيّة لاستيراد الفيول-أويل إلى لبنان، وذلك في السنة نفسها (29/8/2005) قبل شهرين من عقد Sonatrach ، وقد تمّ نشر هذا العقد مع وثيقة التفاهم الموقّعة مع الدولة الكويتية في الجريدة الرسمية[2]. وهذا الأمر إنما يشكل دليلا قاطعا على انتفاء الطابع السري لعقود مماثلة.

ت-عقد مع شركة لا نعرفها

ما يزيد من قابلية الطابع الرضائي السرّي للعقد للإنتقاد هو أنه وقّع مع شركة لا نعرف عنها شيئا ولم تبرز أي مستند يعرف عنها. فقد بدا وكأن الحكومة غضت الطرف عن سؤالها عن هويتها، راضية باسمها الذي يوحي بأنها تابعة للدولة الجزائرية. فهل انخدعت الحكومة حقيقة بشأن هوية هذه الشركة أم أنها صوّرت أنها انخدعت بما يسهل إتمام الصفقة وتحقيق أرباح منها؟

وعند سؤال وزير الطاقة والمياه الأسبق محمّد فنيش والذي وقع عن الدولة عن مدى تثبته من صفة هذه الشركة وعلاقتها بدولة الجزائر، أجاب أنه لم يتأكد أن موقّع العقد من قبل Sonatrach وهو مدير الشركة شوقي موظّف في الدولة الجزائرية وأنه لم يطلب أي مستند ثبوتي على علاقة الشركة الموقعة بهذه الدولة. بل استخلص ذلك فقط من حضور السفير الجزائري الذي لم يوقّع العقد ومن اتصال مع وزير الطاقة الجزائري أثناء التفاوض على العقد[3]. وهذا ما تناوله القرار الظني والذي تضمن حرفيا: “أن مجرد التحدث عبر الهاتف مع وزير الطاقة الجزائري من قبل وزير الطاقة اللبناني لا يضفي على العقد صفة من دولة إلى دولة، وأن حضور السفير الجزائري مراسم توقيع العقد مع الشركة دون أن يوقعه أو أن يوقع العقد أي ممثل رسمي عن الدولة الجزائرية أو أن يرفق العقد بكتاب ضمان صادر عن الدولة الجزائرية أو عن مؤسسة عامة جزائرية، يحمل على الإعتقاد بأن الشركة المتعاقد معها مستقلة وتخضع لأحكام القانون الخاص، وأن تسجيل الشركة في الجزر العذراء البريطانية باعتبار أنها الاسم التجاري لشركة Sonatrach petrolium الجزائرية يعزّز الوجهة السابق ذكرها، وأن تمتع الشركة بالاستقلال المالي والاداري على ما ورد في إفادة معالي الوزير إضافة إلى واقعة تسجيلها في الجزر العذراء البريطانية والتقارير المنشورة عن أعمالها والملاحقات القانونية بحقها يحمل على الشك في شرعية أعمالها”.

كذلك كان من المفترض أن يثير تسجيل الشركة في جزر العذراء البريطانية شكوكا، خاصة أنها تُعتبر من الجنّات الضريبية التي من المستغرب أن تلجأ إليها دولة لإتمام عمليّاتها عدا عن عدم فتح مكتب لها في بيروت كما تفعل عادة الشركات عندما تصدّر إلى بلد ما.

ويتجلى من متن القرار الظني أن شكوكاً علنيّة بدأت تثار حول هويّة الشركة المتعاقدة منذ 2013، حيث وضع التفتيش المركزي تقريراً أشار فيه إلى تهم فساد وتبييض أموال طالت شركة Sonatrach وطالب بضرورة ضم الأحكام المتعلّقة بها[4]. إلا أن الحكومات المتعاقبة تجاهلت هذه الطلبات. كما كان وزراء عدة على علم بأنّ العقد مع Sonatrach مبهم حيث نقل عن وزير المالية الأسبق علي حسن خليل “أن العقد مع الجزائريين هو عقد مبهم إلى أقصى الحدود ومفتوح على الكثير من التفسيرات ولدينا الكثير من الكلام عنه”، وما ورد على لسانه في المحضر رقم 50 القرار رقم 3 للعام 2017 لجهة “أنه لا يعرف ما اذا كانت الشركة الجزائرية مملوكة من الحكومة الجزائرية، وأن هناك فارقا بين العقد مع المؤسسة Sonatrach والعقد مع الدولة الكويتية”.[5]

  • عقد تفرّط فيه الإدارة بمصلحة الدولة: بنود مشبوهة لخدمة شبكة المصالح المحتكرة

النتيجة الفعلية للتعاقد بالرضائي مع شركة غير معروفة بموجب عقد سري أتت موافقة للتوقعات، أي تضمين العقد شروطا مجحفة بحق الدولة، فضلا عن كون بعضها شروطا غير قانونية[6]

  • غياب كتاب الضمان

أشار المدير العام لإدارة المناقصات جان عليّة إلى مسألة عدم ضمّ كتاب ضمان نهائي عند إبرام العقد مع الشركة بما يسمح بالتنفيذ عليها في حال تعذر تنفيذ الإتّفاقية. ويعتبر كتاب الضمان النهائي من المستندات الأساسيّة والإعتيادية  لضمان حقوق الدولة اللبنانية والتي لا يجوز تجاهلها بالأخصّ عندما تجاوز كلفة عقد توريد المليار دولار سنويّا. وكانت هيئة التفتيش المركزي قد طالبت منذ عام 2013 بضرورة صدور كتب ضمان عن مصارف وطنية يمكن التنفيذ عليها في حال تعذر تنفيذ الإتفاقية مع الشركة. إلّا أن الطلب قوبل بالتجاهل من قبل مجالس الوزراء المتعاقبة رغم أحقيته.

وقد برزت أهمية غياب كتاب الضمان مع إعلان Sonatrach  فسخ العقد مع وزارة الطاقة بعد انكشاف فضيحة الفيول المغشوش ، من دون أن يكون بإمكان الدولة اللبنانية التنفيذ ضدها أو مطالبتها بعطل وضرر.

 

  • البند المتعلّق بالمدة والتجديد التلقائي[7]

مخالفة قانونية أخرى يُسأل أيضا عنها مجلس الوزراء مجتمعا وقد تمثلت في تحديد مدّة العقد بثلاث سنوات بدلا من سنة، مع العلم أنه عقد توريد ولا مبرّر لأن يكون لأكثر من سنة. كما تسأل الحكومة أيضاً عن بند التمديد لهذا العقد الذي يمنح احتكارا في استيراد الفيول-أويل، حيث تشترط المادة 89 من الدستور[8] قبل منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار حصول ذلك بموجب قانون ولزمن محدود. كما لا يمكن إعطاء الصلاحية للوزير للتفاوض حول العقد بل كان يجب إجراء مناقصة جديدة كل سنة وإلا يجب الحصول على تصديق مجلس النوّاب سندا للمادة 52 من الدستور التي تحتم الحصول على تصديق مجلس النوّاب في ما خص المعاهدات التجارية التي لا يجوز فسخها سنة فسنة.

ويُعتبر هذا البند من أخطر البنود ذلك أنّه وحسب ما جاء في إفادة وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني لدى قاضي التحقيق، كان كلّما نوقش هذا العقد في مجلس الوزراء يتم المماطلة أو التأجيل حتى انتهاء مدة إعادة النظر بالتمديد. كما لم يخضع العقد لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة قبل عقده وتمديد مدّته ما يشكّل مخالفة[9].

  • البند المتعلّق بنوعية الفيول-أويل

في ما يتعلّق بنوعية الفيول-أويل، فقد حدّدت في البند الثالث من العقد مواصفات للفيول مغايرة (أدنى) عن تلك الموضوعة في مواصفة ISO 8217 الملزمة المتعلّقة بالفيول-أويل الصادرة عن مؤسسة المواصفات والمقاييس Libnor وهي مؤسسة عامة لبنانية مرتبطة بوزارة الصناعة، من مهامها وضع المعايير الوطنية بحسب المادة 23 و24 من قانون إنشاء المؤسّسة[10]. وقد بيّن الوزير فنيش في إفادته أن أياً من هيئة التفتيش المركزي أو إدارة المناقصات أو كهرباء لبنان أو ديوان المحاسبة لم يستشاروا لوضع هذه المواصفات الأساسية، رغم أن هذا العقد يقع ضمن اختصاص كلّ منهم، وهو ما كان قد أشار إليه التفتيش المركزي والمدير العام لإدارة المناقصات جان عليّة في تقريره.

وبسبب الأضرار التي نتجت عن استخدام هذا الفيول-أويل والتعاقد مع سفينة كارادينيز، فرضت وزارة الطاقة والمياه عام 2013 توريد فيول-أويل يحترم مواصفة ISO 8217  لتشغيل المعملين الجديدين في الذوق والجية وسفينة كارادينيز، فيما بقيت النوعية ذاتها تأتي لتشغيل معملي الذوق والجية الحراريين القديمين. وقد تبين أنّه في عدة مناسبات كانت الشحنات التي من المفترض أن تأتي مطابقة لمواصفة Iso 8217  تأتي مخالفة بجودة متدنيّة (أربعة منذ بداية 2019).

 

  • البند المتعلّق بالفحص في مرفأ التحميل وليس مرفأ الوصول [11]

حدّد البند 11 من العقد مكان إجراء فحص المطابقة في ما يتعلّق بالكمية والمواصفات المحدّدة في العقد ونوعية الفيول-أويل المسلّمة في مرفأ التحميل – أي البلد المصدّر – وليس في مرفأ الوصول – أي البلد المستورد. ما يعني أن المخاطر تنتقل من البائع إلى الشاري عندما يتجاوز المنتج وصلة خرطوم الباخرة الدائم عند مرفأ التحميل دون ذكر أي تفاصيل لما يحلّ بالبضاعة في حال تعدلت أثناء الطريق أو تم استبدالها أو تبين أنها غير مطابقة للمواصفات كما جاء في إفادة وزير الطاقة السابق محمد فنيش. وفي ذلك مخالفة للمعايير الدولية المرعية الإجراء في مجال تحميل المواد النفطية، فتضع عقود التوريد النموذجيّة سواء للنفط أو الغاز المعتمدة عالميّا والصادرة عن الAIPN   (The association of International petroleum negotiators) شرط المطابقة بين المواصفات في العقد والبضاعة المسلمة في مكان التوصيل لا التحميل.

وقد لعب هذا البند دورا أساسيا في عملية التزوير حيث كانت تتمّ تقريب نتائج الفحوصات إلى نتائج بلد المنشأ وفي إستبعاد الرقابة على الفيول أويل المورد في لبنان.

ولكن لا يمكن إدراك خطورة هذا البند إلا لدى قراءة إفادات بعض الموظفين في القرار الظني.  فعند سؤال المديرة العامة لوزارة الطاقة والمياه أورور فغالي عن الفحوصات، أجابت بأن هناك قرارا من الوزراء بأن يتم تفريغ شحنات الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان باعتماد فحوصات بلد المنشأ. وهو ما أكّده أيضا المستجوب شربل افرام الموظّف في شركة Yellow tech المسؤولة عن الرقابة على نوعية الفيول والتي تمثّل الدولة اللبنانية[12].

كما تبيّن في إفادة الوزير فنيش بأن الدولة لا تكون حتى حاضرة عند فحص الفيول-أويل في بلد المنشأ متذرّعا بأنه مبدأ عالمي كما تجري فحوصات في لبنان لمطابقتها مع فحوصات بلد المنشأ. وبالتالي لا مسؤولية عليهم. متناسيا أن فحص المطابقة المعتمد يتمّ عادة بين ما ورد في العقد ومكان التوصيل لا التحميل وأن تفريغ الحمولة كما جاء في إفادة الموظفين كان يتمّ بالإستناد إلى فحوصات بلاد المنشأ بناء لقرار مجلس الوزراء كما جاء في إفادة أورور فغالي وهو ما سهّل  إلى حدّ كبير جعل الفحوصات في لبنان صوريّة واستمرار عملية تزوير النتائج.[13]

  • البند المتعلّق بقبول النفط حتى لو لم يكن مستوفيا لكلّ الشروط

جاء في البند 3 من العقد أنّه حتى لو لم يكن الفيول-أويل المورّد يستوفي كلّ الشروط المنصوص عنها في العقد، تُقبل الحمولة تحت عنوان “المرفوض” شرط أن يكون معدّل كامل الحمولات سنويّا يستوفي الشروط. وفي حال لم يستوفِ المعدّل الشروط المحدّدة، تكون العقوبة بإجراء حسم على سعر الفيول-أويل من دون أن يحدّد العقد قيمة الحسم. وهذا الأمر يؤدي عمليا إلى تشريع مخالفة المواصفات لحدّ معيّن دون أية عقوبة، فضلا عن تجهيل العقوبة في حال استحقاقها. هذا مع العلم أن هذا البند يحول عمليا دون رفض الاستلام بحجة عدم توفر الموصفات، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام استلام فيول مغشوش.

ويُعتبر هذا البند فضيحة، إذ يعمد إلى تخفيف عواقب تسليم فيول-أويل غير المطابق، بجعلها خاضعة لعمليات محاسبية بحتة، في حين أن نوعيّة سيّئة من الفيول-أويل تتسبّب بأضرار جسيمة لمعامل الكهرباء وهو ما حصل بشكل متكرّر في معامل الجيّة والذوق التي تضرّرت بشكل كبير وكانت مهدّدة بالإنفجار.

  • البند الذي ينفي عن الدولة قدرتها على التملّص من التزاماتها في حالة القوة القاهرة

سمح البند 9 من العقد لشركة Sonatrach بالتملص كليّا من التزاماتها في حالات القوة القاهرة مستفيضة بتعدادها. إلّا أنّه لم يعف الدولة من التزاماتها في حال القوّة القاهرة وهو ما يؤشّر، في حال تفسيره كتنازل الدولة عن استفادتها من القوة القاهرة، لخلل في التوازن التعاقدي لصالح هذه الشركة غير المعروفة[14].

 

  • البند المتعلّق بالدفع

 ينصّ البند 7 من العقد على فتح إعتماد قبل 10 أيام من اليوم الأوّل لتسليم الحمولة كما ينصّ على دفع الثمن خلال 30 يوما من تاريخ بوليصة الشحن. وهو ما لا يحفظ مصالح الدولة. كما هو مخالف لقانون المحاسبة العمومية. فبحسب المادة 149 التي تحيل إلى المادة  137 من قانون المحاسبة العمومية، لا تدفع قيمة الصفقة إلا بعد تنفيذها[15]. من جهة أخرى، لم يحدّد البند من هو المسؤول عن التأخير في الدفع ومعدّل الفائدة المترتّبة عن إجمالي المدفوعات سنويّا تراكميا على مدى حياة العقد[16]، كما لم يحدّد خضوع الفوائد االمترتّبة لرقابة ديوان المحاسبة. ويسمح ذلك بتكبيد الخزينة مبالغ إضافية طائلة دون حسيب ولا رقيب.

  • البند المتعلّق بالتحكيم

أخضع البند 14 من العقد النزاعات الناشئة عن العقد لمراكز التحكيم في لندن على أن يطبّق القانون الإنكليزي. وفي ذلك مخالفة للأصول لكونه لم يصدر مرسوم مسبق لمجلس الوزراء بقبول التحكيم وهو ما تفرضه المادة 726 من قانون أصول المحاكمات المدنية[17] . كما تم اختيار لندن وهي عاصمة الدولة مكان تواجد مركز الشركة المتعاقد معها في انحياز واضح لها، على حساب الدولة اللبنانية.

من الجلي إذاً تخلي الدولة في العقد مع شركة Sonatrach عن رقابتها سواء على الجهة المتعاقدة أو على النوعية أو الثمن، وتنازلها عن اختصاص محاكمها الوطنية البتّ بالنزاعات الناتجة عن العقد، علما أنه وفي العقود الإدارية على الدولة أن تحتفظ بسلطة التوجيه والإشراف.

ولكن يبقى السؤال الأساسي: من المستفيد من تقويض مصلحة الدولة وخرق الأصول في إبرام عقود الشراء العام في توريد الفيول-أويل؟

 

 

[2] المرسومان رقم 15211 و 15211 سنة 2005، عدد الجريدة الرسمية رقم 45 تاريخ 2005

[3] الصفحة 100-101 من القرار الظني

[4] الصفحة 77 من القرار الظني

[5] الصفحة 101 من القرار الظنّي

[6]  تقرير مدير إدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بقضية الفيول المغشوش الصادر في 10/7/2020.

[7] البند الثاني في العقد

[8] تقرير مدير إدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بقضية الفيول المغشوش الصادر في 10/7/2020.

المادة 89: لا يجوز منح اي التزام او امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية او مصلحة من ذات المنفعة العامة، او اي احتكار الا بموجب قانون والى زمن محدود

[9] تقرير مدير إدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بقضية الفيول المغشوش الصادر في 10/7/2020

[10]   تقرير مدير إدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بقضية الفيول المغشوش الصادر في 10/7/2020.

[11] البند 11 من العقد

[12] ص 56 و65 من القرار الظني التي تتضمّن إفادة أورور فغالي وشربل افرام

[13] ص 80 من القرار الظني

[14] تقرير المدير العام لإدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بملف الفيول المغشوش في 10/7/2020

[15] لا تدفع قيمة الصفقة الا بعد تنفيذها.

الا انه يجوز لوزير المالية, بناء على طلب الوزير المختص ان يعطي الملتزمين سلفات لقاء كفالات مصرفية. واذا تعذر الحصول على هذه الكفالات, علق اعطاء السلفة بدون كفالة على تصديق مجلس الوزراء. لا يجوز ان تتعدى السلفة 25 بالمئة من قيمة الصفقة على ان لا تتجاوز 30.000.000 ل.ل. الا انه يجوز في الحالات الاستثنائية الشذوذ عن الاحكام السابقة بقرار من مجلس الوزراء.

[16] تقرير المدير العام لإدارة المناقصات جان علية في القرار الظني بملف الفيول المغشوش في 10/7/2020

[17] اعتبارا من تاريخ العمل بهذا القانون التعديلي( 440/2002)، لا بكون البند التحكيمي أو اتفاق التحكيم نافذا في العقود الإداريّة إلا بعد إجازته بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح الوزير المختصّ بالنسبة للدولة او سلطة الوصاية بالنسبة للأشخاص المعنويين من القانون العامّ.

انشر المقال

متوفر خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *