قضية دهس تلميذة على باب المدرسة في لبنان: أسئلة مشروعة برسم النيابة العامة التي لم تتحرك


2014-04-10    |   

قضية دهس تلميذة على باب المدرسة في لبنان: أسئلة مشروعة برسم النيابة العامة التي لم تتحرك

في شهر شباط الماضي، ضجت وسائل الإعلام  بقضية وفاة الطالبة ثمار أكرم ناصر،على بعد عدة أمتار من باب ثانوية فخر الدين الرسمية حيث تتلقى علومها، بعدما صدمتها إحدى السيارات في محلّة برج أبي حيدر- طلعة النويري. وقد رُوي آنذاك أن سيارة مسرعة في تلك المحلة انحرفت عن الطريق واصطدمت بعمود وشجرة، ما أدى إلى اقتلاعها. ووقوعها على الطالبة ناصر، التي أصيبت بجروح خطرة في الرأس والجسد، حيث بقيت فترة من الزمن على قارعة الطريق قبل أن يتولى والدها وأحد المارة نقلها إلى أحد المستشفيات بحالة حرجة حيث فارقت الحياة مساء اليوم نفسه، متأثرة بجراحها.

وعلى الرغم من إلقاء القبض على سائق السيارة وتوقيفه بناء لإشارة القضاء المختص، كانت المفاجأة بما تناقلته مواقع التواصل الإجتماعي حول بيان صادر عن زملاء الطالبة ناصر، والذين ألقوا التبعة فيما حدث على مديرة الثانوية لكونها، وبحسب ما تناقلوه، لم تبادر إلى الإتصال بالإسعاف أو الدفاع المدني لنقل الطالبة التي بقيت أكثر من 15 دقيقة مرمية على الأرض، رغم إصابتها بكسور في الجمجمة، بحجة أن الحادث وقع خارج أسوار المدرسة، على الرغم من تدافع الطلاب الى الإدارة للتبليغ عن أن طالبة دهستها سيارة أمام الباب، أثناء توجهها الى المدرسة.وقد أجابت المديرة بما حرفيته: "نحنا ما خصنا، مش من مسؤوليتنا، الحادث صار برّا المدرسة". ليتساءل البيان عن سبب وقوف المسؤولين عن المدرسة مكتوفي الأيدي أمام هذا الحادث، خاتماً بعبارة «هكذا نعامل في المدارس الرسمية… وهكذا تصفى دماؤنا في الشوارع»(([1].

وسرعان ما أكد والد الفتاة هذه الأخبار، إذ اعتبر أن التعامل مع الحادث كان بطيئا، ليقول:«وصلت بعد عشر دقائق، كانت بعدها تحت السيارة، والسائق لا يستطيع الخروج بسبب الشجرة التي سقطت على السيارة. ووجدت بعض الشباب يحاولون سحب ثمار. وكانت قد قاربت على مفارقة الحياة وأن الحد الأدنى من مديرة المدرسة أن ترسل ناظرة أو سكرتيرة أو أي احد بعد سماع الخبر بأن إحدى طالباتها أصيبت جراء حادث سير، أو تبلغنا بالأمر، لكني تلقيت اتصالاً من إحدى السيدات التي كانت موجودة في الطريق في ذلك الوقت». ليضيف أنه اتصل بالدفاع المدني، لكن الإجابة كانت بالانتظار، ولم يستطع الانتظار أكثر، فحمل ابنته بين يديه وأخذها إلى المستشفى في سيارته(([2].

وما لبثت وزارة التربية والتعليم العالي أن أصدرت بياناً بتاريخ 10/2/2014، جاء فيه أن الوزارة أجرت تحقيقاً في تفاصيل الحادث تبين من خلاله، أن إدارة الثانوية أبلغت الدفاع المدني فور حصوله، كما أبلغت أهل الطالبة الذين تربطهم صلة قرابة بمديرة الثانوية والذين يقيمون في مكان قريب من الثانوية، وكلفت المديرة أيضاً في الوقت عينه الناظر العام والناظر التوجه إلى مكان الحادث، ومنعت التلميذات من الخروج بسبب الفوضى العارمة في الشارع إثر الحادث وحرصاً على سلامتهن من أي مكروه. وقد وصل والد الطالبة قبل الدفاع المدني فقام بنقلها على مسؤوليته إلى المستشفى وما لبثت أن فارقت الحياة بسبب قوة الحادث الذي أدى إلى اجتياح شجرة وعمودين(([3].

وإزاء هذا التناقض بين أقوال زميلات وذوي الطالبة وبين ما خلصت إليه وزارة التربية والتعليم العالي في التحقيق الذي أجرته، في أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة من حصول الحادثة، يحق لنا التساؤل: هل أن وقوع الحادث خارج الثانوية يعفي إدارتها من موجب القيام بالإجراءات المناسبة لإسعاف الطالبة المصابة؟ وما مدى مسؤولية إدارة الثانوية فيما لو ثبت ما تم تناقله عن طريقة تعاملها مع الحادث؟ وهل أن وزارة التربية والتعليم العالي هي الجهة الوحيدة الصالحة لإجراء هكذا تحقيق؟

بادئ ذي بدء، لا بد من التنويه بأن قانون العقوبات اللبناني قد عاقب في الفقرة الأولى من المادة 567 منه على جريمة التمنع عن الإسعاف أو الإغاثة بما حرفيته: «من وجد بمواجهة شخص في حالة الخطر بسبب حادث طارئ أو بسبب صحي، وكان بوسعه إغاثته أو إسعافه، بفعل شخصي أو بطلب النجدة ودون أن يعرّض نفسه أو غيره للخطر وامتنع بمحض إرادته عن ذلك يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من مايتي ألف إلى مليوني ليرة لبنانية، أو بإحدى العقوبتين».

هذا فضلاً عن أن الفعل ذاته يمكن أن يصلح أساساً لجريمة القتل غير المقصود فيما لو تسبب بوفاة إنسان عملاً بأحكام المادة 564 من قانون العقوبات التي تنص على أنه: «من تسبب بموت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات».

وهذا ما يستنتج منه، أن الأفعال المنسوبة إلى إدارة الثانوية فيما لو ثبتت، ورغم حصول الحادث خارج حرم الثانوية، يمكن أن تشكل جرائم جزائية معاقباً عليها في القانون، هذا مع التأكيد على عدم تعارض ذلك مع المسؤولية المسلكية لهذه الإدارة والتي كانت مثار التحقيق الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي. فمن المسلم به أن مسؤولية الموظف العام لا تنحصر بالمساءلة المسلكية التي توجب عقاباً تأديبياً في حال سلوك ذلك الموظف مسلكا خاطئا أو مخلا بواجباته الوظيفية(([4].

وعليه، فإن التحقيق الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي في هذا الصدد لا يعد كافياً ، إذ أن شبهة ارتكاب جرم تقتضي علاوة على ذلك تحرك النيابة العامة للقيام بإجراءات التحقيق العادية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

فضلاً عن أن تحقيق وزارة التربية يثير الكثير من الأسئلة المشروعة لكونه قد بني فقط على أقوال مديرة الثانوية، وبالنظر لمصلحة الإدارة العامة في تبرئة تلك المديرة، بهدف عدم إشغال المسؤولية الإدارية(([5]القائمة وفق مبدأ تراكم المسؤوليات الناجم عن الخطأ الشخصي الذي يرتكبه الموظف خارج نطاق الخدمة ولا يكون منقطعاً عنها تماماً وفق ما أقره اجتهاد Mimeur لعام 1949 (([6].

وبالإنطلاق من كل ما تقدّم، فإننا نستغرب الإكتفاء بالخلاصات التي تضمّنها تحقيق وزارة التربية والتعليم العالي بهذا الشأن، في حين يجب أن يكون هذا التحقيق أحد المعطيات في القضية المنظورة أمام القضاء الجزائي الذي لا بد له من التمحيص في هذا التحقيق وسائر الأسانيد التي بني عليها، بما لا يحول دون قيامه بدوره كاملاً توصلاً إلى كشف حقيقة القضية والسجال الذي دار حولها،عبر إجراء التحقيقات الوافية مع من يلزم، توصلاً لملاحقة كل من يثبت أنه ارتكب جرماً جزائياً معاقباً عليه في القانون.
  



[1])) –  فقد ورد في البيان:«نحن طالبات ثانوية فخر الدين الرسمية:
وقع صباح اليوم حادث سير مروّع أصيبت من جرائه التلميذة ثمار ناصر وأصيبت بكسور بالجمجمة إثر وقوع شجرة عليها، بعد إصطدام السيارة بها،  بقيت 15 دقيقة مرمية في الشارع وتم نقلها مع شاب غريب في سيارته إلى مستشفى المقاصد، فوصل الخبر إلى المديرة وكان جوابها الآتي:" نحنا ما خصنا ، مش من مسؤوليتنا، الحادث صار برّا المدرسة"».
[2])) – تراجع المقالة المنشورة على موقع جريدة السفير الإلكتروني http://www.assafir.com/Article/1/337408بعنوان:" «التربية»: المديرة أبلغت وكلّفت والد الضحية ثمار ناصر: نريد تحقيقاً"
 
[3])) – يراجع بيان وزارة التربية والتعليم العالي،منشور على موقع الوكالة الوطنية الإعلام http://www.nna-leb.gov.lb/ar/show-news/78464/
[4])) – يراجع:د.فوزت فرحات،القانون الإداري العام،الكتاب الأول،التنظيم الإداري- والنشاط الإداري،الطبعة الأولى،2004،ص:363.
[5])) – تنص المادة 62 من نظام الموظفين الصادر بالمرسوم الإشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959 وتعديلاته على أنه:«اذا اتى الموظف عملا مضرا بالغير اثناء ممارسته الوظيفة او بسبب ممارسته الوظيفة اياها كانت مسؤولة تجاه الغير عن عمل الموظف.
وللدولة في حالة الحكم عليها بالعطل والضرر ان تعود على الموظف اذا تراءى لها انه ارتكب خطأ جسيما كان من السهل تلافيه».
[6])) – المرجع السابق نفسه،الكتاب الثاني،القضاء الإداري- مسؤولية السلطة العامة،ص:298-299. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية