قضاة لبنان يستقلون في اعتكافهم: عشرات القضاة يوقعون اتفاقا مبدئيا على إنشاء نادٍ


2018-03-20    |   

قضاة لبنان يستقلون في اعتكافهم: عشرات القضاة يوقعون اتفاقا مبدئيا على إنشاء نادٍ

بعد توقيع أكثر من 100 قاض وقاضية على عريضة تُشكل تعهداً على السير باعتكاف بدءاً من نهار الإثنين 19 آذار 2018، أظهر القضاة عزماً على الاستمرار في الاعتكاف وتشكيل ناد للقضاة دون الوقوف عند مواقف مجلس القضاء الأعلى من حراكهم. وبذلك، يسجل القضاة أول مواجهة واسعة ضدّ مجلسهم منذ العام 1982. وقد قرر القضاة اعتبار الأيام المقبلة حتى تاريخ 30 آذار فرصة أمام السلطات للوقوف عند مطالبهم، لاسيما المتعلقة بصندوق تعاضد القضاة بالتزامن مع اقتراب موعد جلسة مناقشة الموازنة المقررة في الأول من نيسان. أما إن حصل غير ذلك، فإن القضاة يتجهون للتصعيد محذرين السلطات من امتناعها عن المشاركة في لجان القيد في الانتخابات النيابية المقبلة.

 إذن، كردة فعل على عدم تجاوب السلطات مع مطالبهم التي اعتكفوا من أجلها زهاء شهرين العام الفائت، والتي تكللت بتوقيع 352 قاضياً على عريضة تتضمن مطالب تتعلق باستقلالية الجسم القضائي عن التدخلات السياسية، عادت هذه المطالب نفسها إلى الواجهة، خطا القضاة خطوات إضافية في تسجيل امتعاضهم إزاء المادة 36 من مشروع الموازنة المتعلقة بتخفيض مساهمات الدولة بالمنح والمساعدات المدرسية لصندوق تعاضد القضاة، وتجاوز الجسم القضائي عند وضع تشريعات مؤثرة فيه من دون تمكينه من إبداء رأيه مسبقا بشأنها. وقد اتخذ القضاة قرارهم بهذا الشأن تبعا لاجتماعين شهدتهما قاعة محكمة التمييز في قصر العدل في بيروت. الأول، تلبية لدعوة مجلس القضاء الأعلى الذي راهن على قدرته في ثني القضاة عن الاعتكاف. أما الاجتماع الثاني فقد ضمّ مجموعات القضاة بمعزل عن أعضاء المجلس للنظر في مآل الاعتكاف الذي كانوا أعلنوه سابقا.

 

وقائع اجتماعي القضاة بمجلسهم ومن دون دونه

إذا، قرابة الساعة التاسعة والربع صباحاً، امتلأت قاعة محكمة التمييز وأغلقت أبوابها ليبدأ الاجتماع مع مجلس القضاء الأعلى، في الوقت الذي يزدحم فيه قصر العدل بالوافدين من محامين ومواطنين وموقوفين. ويُذكر أن المجلس حصر الدعوة بقضاة بيروت والبقاع فقط إضافة إلى القضاة الملحقين بوزارة العدل والقضاة المدنيين الملحقين بالمحكمة العسكرية وقضاة محكمة التمييز، على أن يتم عقد اجتماع آخر نهار الأربعاء المقبل مع قضاة الجنوب والشمال وجبل لبنان. لكن، عدداً من القضاة قرروا مقاطعة الإجتماع وانتظروا زملائهم خارج القاعة، مستبقين الحكم على توجهات المجلس التي اعتبروا أنها ستذهب في غير ما يريدونه.

في الباحة خارج القاعة، انتظر المحامون خروج القضاة لمعرفة مصير الجلسات المقرر عقدها في تاريخه. وكان رئيس محكمة استئناف بيروت سهيل عبود أعلن تأجيل جميع الجلسات ساعة واحدة، بداعي تلبية قضاة بيروت لدعوة مجلس القضاء الأعلى. لكن اجتماع المجلس استمر ما يقارب ساعتين. وما أن خرج عدد من القضاة، حتى توجه إليهم المحامون للاستفسار عن مصير الجلسات. لكن، لم يحصل هؤلاء على جواب واضح أو موحّد. المؤكد أن المجلس رفض استمرار الاعتكاف، فيما يتجه غالبية القضاة الحاضرين إليه، وإن لم يحسموا خيارهم بعد. قاض آخر أجاب المحامين بأنه يرفض فكرة الإعتكاف، لكن مستشاروه قرروا السير به.

عند نهاية الإجتماع الأول، وفيما ذهب بعض القضاة (أقلية) لعقد جلساتهم، استمر قضاة الحراك في قاعة محكمة التمييز. وبعد أقل من ساعة، خرجوا ليعلنوا أمام من تبقى في الخارج (ومنهم كاتبة المقال) أن لا عودة عن قرار الإعتكاف، حتى لو كان رفض مجلس القضاء الأعلى التكاتف معهم بشأنه. وقد أفاد أحد القضاة أن "الإعتكاف مستمر حتى تحقيق المطالب المادية المتصلة بصندوق تعاضد القضاة والدرجات الوظيفية والتقديمات الاجتماعية والمطالب المعنوية المتعلقة باستقلالية الجسم القضائي". من ناحية أخرى، صرّح هذا القاضي بأن القضاة توافقوا على توقيع "طلب إعفاء خطي من ترأس لجان القيد الانتخابية في حال عدم تجاوب السلطة مع المطالب". واللافت أنه تم خلال الاجتماع توقيع عريضة بموافقة القضاة على مبدأ إنشاء ناد للقضاة، وهو مسعى قديم للقضاة تعود أولى الدعوات إليه إلى تموز 2006.

بالتزامن مع ذلك، بدأت وسائل الإعلام تنقل أخباراً مغلوطة حول قرار مجلس القضاء، حيث نشر بعضها أن المجلس هو من قرر الإعتكاف. لذا، أصدر المجلس بياناً نفى فيه دعوته للإعتكاف ورأى أن لامتعاض القضاة ما يبرره، إلا أن الإعتكاف في الظروف الراهنة (خارج العطلة القضائية) سوف يلحق الضرر بالمواطن ولن يصل إلى أي نتيجة مرجوة على مستوى تحقيق المطالب. كما عوّل المجلس في بيانه على "رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء لأجل تضافر جهودهم وأن تثمر في الوقت القريب العاجل مبادرة تُشعر القضاة بأن مطالبهم تلقى آذاناً صاغية". وقد بدا لافتا التضارب في الخطاب الحاصل بين المجلس (الذي يبقى وفيا لأسلوب مناشدة المعنيين) والقضاة (الذين تميزوا في رفع أصواتهم ولو بما يخالف توجهات المجلس).

 

قضاة الحراك: نشعر بالاستياء

بعد الاجتماع، كان للمفكرة أحاديث مع قضاة عدة. أبدى البعض إستياءهم من قرارات مجلس القضاء الأعلى المخالفة لرأي غالبية القضاة، علما أنهم طلبوا عدم ذكر أسمائهم مخافة الملاحقة بداعي تجاوز موجب التحفظ. أحدهم صرّح: "لم نراهن على مجلس القضاء الأعلى للسير معنا في الإعتكاف. لذلك امتنع بعضنا عن المشاركة في الاجتماع". يضيف، "سمعنا الكثير من الكلام في الماضي، فالمجلس ما زال يعول على وعود تلقاها من السلطات في آذار 2017 أي منذ سنة كاملة، من دون أن يتحقق شيء ونحن يأسنا". "الوضع مزري ويتم تهديد الضمانات المعيشية للقضاة خاصة الصندوق التعاضد، لكن هذه ليست مطالبنا فحسب، فنحن نناضل لأجل احترام كرامتنا وعدم المس بإستقلاليتنا، وكل ما تضمنته عريضة الـ 352 قاضيا التي نتمسك بها إلى آخر الطريق" بحسب تعبيره. أما لناحية الإنقسام بين القضاة بين مشارك وغير مشارك بالاعتكاف، ينفي القاضي اعتباره شرخاً في الجسم القضائي بل يشير إلى أن "الإنقسام هو بين مجلس القضاء الأعلى والقاعدة القضائية وليس بين القضاة أنفسهم". من ناحية أخرى، حذر قاض آخر من أن يتجه القضاة إلى مقاطعة الإنتخابات النيابية متمنياً على المجلس تبني الاعتكاف في المرحلة الحالية بغية إستبعاد القرار الذي يطيح بالإنتخابات في حال فُقدت الخيارات".

يتكلم قاض آخر عن موضوع الاستقلالية بالقول إن “قانون تنظيم القضاء العدلي ينص على وجوب استشارة مجلس القضاء عند اتخاذ أي إجراء أو وضع تشريع يتصل بالقضاء، وهذا ما لم يحصل على الإطلاق بمخالفة صارخة للقانون". "فكيف يمكن لأي سلطة أن تشرع لسلطة أخرى من دون أن تسألها، سالبة إياها حقوقها المكتسبة". يضيف: "القانون أعطاني حقوقا منها صندوق التعاضد التي يدخل فيها المنح المدرسية. لماذا يتم تشريع قانون آخر يتعارض مع هذه الحقوق؟" وهنا يعيد هذا الأمر إلى عدم دستورية هذه التشريعات إذ أن الدستور اللبناني في مادته 20 تكلم عن استقلالية السلطة القضائية، وإن حصل تشريع غير دستوري فلا يمكننا الرهان على النواب في البرلمان للطعن فيه، فالسلطة تشرع قوانين باطلة، وتمعن في إذلال القضاة". في السياق نفسه، يعلق قاض آخر على نسبة التقشف التي اعتمدها مجلس الوزراء في مشروع الموازنة وهي 20 بالمئة، والتي على أساسها تم التقليص من المساهمات في صندوق تعاضد القضاة، "إن 540 قاضياً في لبنان لهم نسبة ال 0.05 بالمئة من الموازنة بما فيهم رواتب القضاة ومستلزماتهم، كيف تكون رواتبنا تعرقل الموازنة؟"  ولدى سؤاله إن كنتم سوف ستستمرون بالاعتكاف إن حققت السلطات مطالبكم المادية ولم تتحرك تجاه استقلاليتهم؟ يجيب، "في المرحلة الأولى نحن نناضل لأجل لقمة عيشنا والاستقلالية ليست كن فيكون". وعن توقيف عمل المواطنين وتذمر المحامين من هذا الوضع يقول: "أنا أيضاً موجوع وأتذمر من السلطة السياسية التي لا ترحمنا".

تتحدث قاضية عن حراكهم راجية على "وسائل الإعلام والصحافة متابعة خطواتهم ولعب دور الرقيب على عمل القضاء، لأنها تساهم في منع الإبتزاز لأي قاض. فالقضاة في العالم لديهم خط ساخن لإيصال شكواهم إنما في لبنان يخافون مواجهة السلطة". وفي موازاة ذلك، عبر أكثر من قاض عن فخره لاستعادة ذمام الأمور أملا بإخراج القضاة من حال الخنوع الذي بات يتخبط فيها.

من ناحية أخرى، فإن أحد القضاة يعرب عن عدم موافقته على قرار الإعتكاف معتبراً أنه بالإمكان التواصل مع السلطات السياسية لتحقيق المطالب لكن ليس بتوقيف ملفات المواطنين. كما يرى أن "صندوق تعاضد القضاة يجب أن يتمتع بالإستقلالية المادية وإخراجه من الموازنات السنوية حتى لا يخضع للإبتزاز كما كل سنة". ثم يستغرب الكلام عن إنشاء ناد للقضاة بالقول: "هناك ما هو أهم في الوقت الحالي بماذا سوف يفيدني النادي؟".

 

 

محاكم شاغرة وأخرى ناشطة

خلت معظم قاعات المحكمة في بيروت أمس من القضاة فيما إستمر بعضهم بالعمل، مثال محكمة الجنايات التي استمرت بمحاكمة الموقوفين، أيضاً قام قاض آخر بتأجيل جميع جلساته بسبب تأخر الوقت واضطرار المحامين للإنتقال إلى جبل لبنان لتيسير ملفاتهم. أما محاكم الشمال، أي طرابلس وعكار ومحاكم البقاع أي زحلة وبعلبك، لم تعقد جلساتها اليوم وفقاً لما يؤكده موظفين عدليين ومحامين اتصلت بهم المفكرة، واقتصر العمل فيها على جلسات الموقوفين التي لا تحتمل التأجيل. من جهة أخرى، جلس بعض القضاة في محاكم جبل لبنان فيما إلتزم آخرين بالإعتكاف وفق ما نقله الموظفون. أما محاكم محافظة النبطية إستمرت في العمل بشكل طبيعي وفق لما يؤكده أحد المحامين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية