قرية أولاد جاب الله وحكاية المقاومة الريفية لمنظومة الهيمنة


2021-03-23    |   

قرية أولاد جاب الله وحكاية المقاومة الريفية لمنظومة الهيمنة

في قرية أولاد جاب الله (محافظة المهدية التونسية) يدوم البحث عن الأعشاب البرية ساعات طويلة، رحلة يومية يقطَعنها نساء القرية إلى المراعي البعيدة، تبدأ عادة فجر اليوم وتنتهي عند مسائه. هذا العناء اليومي أصبح أكثر وطأة في الأشهر الأخيرة بسبب غلاء الأعلاف الحيوانية المركّبة، يتحمّلنه الفلاحات الصغيرات على حساب أنشطتهن الأخرى من أجل الحفاظ على ما تبقى من قطيع الأبقار.

هذا العالم الريفي الصغير والمنسي تسرّب منذ أيام إلى اهتمامات النخب الإعلامية والسياسية، بعد أن تحوّلت حقوله الخضراء إلى ساحة معركة بين صغار الفلاحين وقوات البوليس. الأصوات المنادية بالتخفيض في أسعار الأعلاف وحماية صغار الفلاحات[1] من منظومة الاحتكار غير العادلة واجهَتها الحكومة بدخان قنابل الغاز الخانقة. هذا الفضاء الهامشي الذي لَفتَ الانتباه إليه يعيش تدميرا خفيا لقواه المنتجة، وتتعرض مشاريعه وأحلامه الصغيرة إلى الدهس من قبل منظومة الهيمنة الرّبحية التي تأكل كل شيء يعترض طريقها.

قرية أولاد جاب الله التي لا يتجاوز تعداد سكانها الـ5000 ساكن، تعتبر موطنا لصغار ومتوسطي الفلاحين، الذين تتأتى مواردهم من تربية الأبقار والعمل الفلاحي (جني الزيتون والجلبان). يمتلك أغلب سكانها مُستغلات فلاحية صغيرة لا تتجاوز مساحتها الـ4 هكتارات، وتُهيمن عليها بالأساس غراسات الزياتين التي نَمت على حساب المساحات المخصصة لزراعة القمح والشعير. التعويل على غراسات الزياتين جاء مُواكبا لمنظومة الإنتاج الرسمية، التي شجّعت الفلاحة الأحادية المعدة للتصدير (على غرار زيت الزيتون) على حساب الزراعات الأخرى المتنوعة التي تؤمّن معاش صغار الفلاحين. وفي ظل تراجع المردودية الإنتاجية لغراسات الزيتون في السنوات الأخيرة وتشتت الملكيات الفلاحية أصبحت المشاريع الصغرى لتربية الأبقار مورد الرزق الأساسي لسكان أولاد جاب الله، ورغم أن هذا النشاط يعود إلى سبعينات القرن الماضي، فإنه شهد تطورا منذ أواسط التسعينيات، لتصبح دورة الحياة في القرية أكثر ارتباطا بتربية الأبقار، ومصير المئات من العائلات مرتهن بمستقبل هذا النشاط الذي يشهد حالة من التدمير اليومي.

ياسمينة، عاملة فلاحية ستينية، واكبت بدايات تطور المشاريع الصغرى لتربية الأبقار في القرية، وقد بدأت مشروعها الصغير بتربية الدواجن والأغنام حتى تمكنت من شراء أول بقرة، وهي الآن تملك 14 رأسا من الأبقار، مُهددة جميعها بالجوع أو البيع بأثمان رخيصة. ياسمينة التي تحمل في يديها خدوش الجني واقتلاع الأعشاب تُحاول وصف المآلات قائلة: “الشقًا مَوجُود والفَاضلًة ما فَمّاش” (شقاء دون مقابل)، مشيرة بذلك إلى ارتفاع الكلفة الجسدية والمالية لإنتاج الحليب مقارنة بمردوديته. وبسبب الزيادة المشطة في الأعلاف المركبة وضعف قيمتها الإنتاجية اضطرّت إلى التداين من مركز تجميع الحليب حتى لا تترك قطيعها للجوع، وهذه الأوضاع يعانيها معظم صغار الفلاحين في القرية.

سلسة إنتاج الحليب، بوصفه مادة غذائية أساسية في تونس، تقع في جزئها الأكثر شقاء على عاتق الفلاحات الصغيرات، اللواتي يقمن بمختلف الأعمال مثل تنظيف مرابض الأبقار وإطعامها وحَلبها، وعادة ما تبدأ هذه الأعمال فجرا وتنتهي مساءً. ومنذ أواخر التسعينات حظيت المشاريع الصغرى لتربية الأبقار بجاذبية في أوساط الشباب وخريجي الجامعات في قرية أولاد جاب الله. ولكن مع تراجع مردوديته المالية في السنوات الأخيرة غادره الكثيرون، سواء بالانتقال للعمل في المدن القريبة أو ممارسة الصيد البحري، أو الانخراط في موجات الهجرة غير النظامية، التي قد تنتهي آمالها العريضة غَرقُا قبل الوصول إلى ضفاف المتوسط الأخرى.

التعاونية الفلاحية: ملاذ جديد لمواجهة الاحتكار والهيمنة

الشعور الجماعي بهيمنة منظومة إنتاج الأعلاف التي تديرها الشركات الكبرى، وتدخّل الوسطاء والمزودين من أجل مراكمة أرباح إضافية، دفعت صغار الفلاحات في أولاد جاب الله إلى البحث عن هياكل جديدة تنقذ مشاريعهم الصغيرة. وقد كان بعث شركة تعاونية للخدمات الفلاحية أقرب الحلول بالنسبة إليهم. ويطلقون عليها في منطوقهم اليومي اسم “التعضضية”، وهو التعبير القديم لجمهور الفلاحين عن مصطلح “التعاضدية” الذي يعود إلى ستينات القرن الماضي. يُعلّق معظم السكان آمالا كبيرة على هذا المشروع بوصفه تجسيدا لتجربة جديدة في الاقتصاد الاجتماعي التضامني، رغم أن قريتهم تسحب وراءها ذكريات سيئة عن تجربة التعاضد التي اتبعتها الدولة التونسية بداية من سنة 1963 بزعامة أحمد بن صالح. هذه الفترة لا زالت راسخة في ذاكرة الحاج علي الجبلي (80 سنة) الذي انخرط كغيره من صغار الفلاحات في تجربة التعاضد القديمة، التي لم تعمّر أكثر من شهر في قرية أولاد جاب الله. وبخصوص تلك التجربة يقول علي الجبلي: “معظم صغار الفلاحين شعروا آنذاك أن الدولة افتكت أرزاقهم، وهناك من انتحر بسبب اختلاط الملكيات”. ويلوح أن السلطوية التي رافقت التعاضد ما زالت تطبع التجربة بسمعة سيئة في ذاكرة الجيل الذي عايَشها، لأنها لم تكن قريبة بما يكفي من تمثلات جمهور صغار ومتوسطي الفلاحين، رغم الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية الواعدة التي كانت تبشّر بها.

إفشال سياسية التعاضد القديمة لا يعكس توقف المجتمع الريفي في أولاد جاب الله عن إبداع آلياته التضامنية الخاصة، من بينها “القسّامية”، وهي آلية لمجابهة غلاء أسعار اللحوم الحمراء من خلال التشارك الأهلي في ذبح رأس بقر وتوزيع المنابات على معظم المساهمين في “القسامية” بأسعار أقل بكثير من تلك التي يفرضها السوق. وبعد ثورة 2011، عادت فكرة التعاونية إلى الظهور سنة 2016، ويبدو أنها تعثرت بسبب عدم انفتاحها على أغلب صغار الفلاحين وارتباطها بمجموعة صغيرة مهتمة بالشأن السياسي. ولكن ما الذي تغير بين الأمس واليوم لتصبح فكرة التعاونية أكثر إلحاحا وذات قابلية كبيرة لدى معظم السكان؟

هذا السؤال يحاول سليم أولاد جاب الله (36 سنة)، محاسب وأحد مؤسسي الشركة التعاونية للخدمات الفلاحية، الإجابة عليه من خلال الإشارة إلى أن التجربة الآن تبني نفسها من داخل واقع صغار الفلاحين وبالاستناد إلى آرائهم ومواقفهم الرافضة لغلاء أسعار الأعلاف، ومن داخل قلقهم اليومي على مصير مشاريعهم الصغيرة. وبخصوص انتظارات السكان من هذه التجربة التي ما زالت قيد التأسيس، يقول سليم: “التعاونية بإمكانها توفير خدمات عديدة لصغار ومتوسطي الفلاحين مثل الأعلاف والأدوية والتجهيزات الفلاحية، ومراكز لتجميع الحليب وبقية المنتوجات الفلاحية، إضافة إلى وحدة صناعية لإنتاج الأعلاف”.

حسب تقديرات بعض صغار الفلاحين الذين تحدثنا إليهم في القرية، تساهم أولاد جاب الله في إنتاج حوالي 25 ألف لتر من الحليب يوميا، لذلك يبدو الانتفاع بمنحة تجميع الحليب من خلال بعث التعاونية رهانا كبيرا بالنسبة إليهم، وتبلغ قيمتها115 مليم لليتر الواحد. هذه المنحة تنتفع بها حاليا مراكز التجميع الخاصة، وعند بعث الشركة التعاونية للخدمات الفلاحية ستعود مواردها إلى صغار الفلاحين من أجل استثمارها في إنتاج الأعلاف وتوفير المستلزمات الفلاحية الأخرى، إضافة إلى أن الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية الأساسية التي يجري بعثها وفقا للقانون عدد 94 المؤرخ في 18 أكتوبر 2005 تنتفع نظريا بقروض مالية تصل إلى 300 ألف دينار، يتم تسديدها بعد ثلاث سنوات من التأسيس، علاوة على تخفيضات وتسهيلات أخرى.

ساهمت هذه الانتظارات في إقبال صغار الفلاحات في أولاد جاب الله على المشاركة في تأسيس التعاونية، وقد بلغ عدد المؤسسين حوالي 387 مؤسس، وتجاوز عدد المساهمين الـ1120 مساهم، وتبلغ القيمة المالية للسهم 100 دينار، ولا يسمح للشخص الواحد بتجاوز نصيب الـ10 أسهم حتى يُسمح لعموم السكان بالمساهمة في التعاونية. ويلوح أن فكرة بعث تعاونيات ليست غريبة عن الثقافة الفلاحية السائدة في محيط أولاد جاب الله، إذ تشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن محافظة المهدية تضم 19 تعاونية فلاحية من ضمنها 17 تعاونية أساسية، وينتفع بخدماتها حوالي 12 ألف فلاح، من ضمنهم 8 آلاف منخرطين بصفة مباشرة.

من جهة أخرى، رافق تركيز تعاونيات الخدمات الفلاحية منذ سنة 2005 عديد الصعوبات والعوائق، التي يعود في جزء منها إلى الإطار القانوني الذي حَرم هذه الهياكل التضامنية من استقلاليتها المالية والإدارية وجعلها خاضعة لإشراف السلطة التنفيذية ممثلة خاصة في وزارة الداخلية (الوالي) ووزارة الفلاحة، إضافة إلى عدم تمتعها فعليا بالحوافز والتخفيضات المالية المنصوص عليها في القانون. وقد لاحظت دراسة أنجزتها مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية حول السياسات الفلاحية في تونس، أن غياب آليات دعم التعاونيات الفلاحية يندرج في “إطار عام يتسم بتخلي السلطات العمومية عن دعم هذه الهياكل، وهو ما ساهم بشكل رئيسي في تقهقر وضعياتها المالية وانعكاسها السلبي عبر مزيد من تعقيد شروط الإنتاج الفلاحي، وبالتالي تراجع الإمكانيات الإنتاجية للفلاحة التونسية بشكل عام”[2]. وقد أشارت الدراسة ذاتها إلى أن “نسبة انخراط الفلاحين صلب الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية لم تتعدّ 6%، وهي نسبة ضعيفة جدا مقارنة بالوضعيات المادية والإنتاجية الصعبة لعموم صغار ومتوسطي الفلاحين”.

الدولة الحاضرة الغائبة

مازالت ملامح الوجه العِقابي للدولة حاضرة في قرية أولاد جاب الله، من خلال بقايا عبوات الغاز والقنابل المسيلة للدموع، التي يحتفظ بها الأهالي كعلامة دائمة على محنة المواجهة وعنف الدولة المفرَط. وفي هذه الأثناء، غاب وجه الدولة الرّعائي الذي ابتلعته مسارات التهميش والانسحاب الرسمي وتضخّم البيروقراطيات والتحالفات المستترة بين مراكز الحكم ولوبيات الاستثمار الفلاحي.

مفتاح دبة (61 سنة)، صاحب مشروع صغير لتربية الأبقار، لم يتمكن منذ مدة من الحصول على حصته في المواد العلفية المدعمة (السداري والشعير) رغم حصوله على صكوك تسمح له بذلك من الإدارة الجهوية للفلاحة. وعادة ما ينتظر طويلا بأكياسه الفارغة أمام وحدات التزويد دون جدوى، وفي كل مرة يُعلِمه المزودون بالنفاد السريع للمواد العلفية. هذه الظاهرة فسّرها مفتاح دبة بضلوع المزودين في بيع الأعلاف المدعمة في السوق السوداء. و”هكذا ينتفع بمنظومة الدعم الفلاحي من لا يستحقها” على حد وصفه.

من خلال محاولة فهم المسار الذي تقطعه المواد العلفية المُدعمة قبل وصولها إلى صغار الفلاحين، تظهر ملامح شبكة توزيع معقدة لا تخلو من الفساد والمحسوبية، تتقاسمها الإدارات الجهوية للفلاحة واتحاد الفلاحين ونقاط التزويد. وداخل هذه الشبكة، تعيش صغار الفلاحات رحلة بحث دائمة عن الأعلاف والإجابات المقنعة، دورة غامضة تشبه المتاهة. وترتبط هذه السلسلة بسلسلة أخرى، تجسدها شركات إنتاج الأعلاف الحيوانية المركبة التي تستأثر بتوريد المواد العلفية وتصنيعها والتحكم في أسعارها، وتتعاظم نفوذها وأرباحها في ظل تراجع الدور التعديلي والرقابي للدولة، ضمن ما بات يُعرف بسياسة تحرير التوريد والتشجيع على الاستثمار الفلاحي الخاص.

غياب الدور الحمائي للدولة وتسليم القطاع الفلاحي لمنظومة الهيمنة الربحية، غذّى الإحساس بالاستلاب لدى شريحة صغار ومتوسطي الفلاحات، إذ تكمن المفارقة الصادمة في أن منتجي الغذاء الحقيقيين يحتلون مواقع هامشية داخل منظومة الإنتاج الفلاحي، ويتهدّد الخراب مشاريعهم الصغيرة. ومن داخل هاجس القلق على المصير تسعى هذه الشريحة إلى ابتداع أشكالها الخاصة في التضامن والمواجهة وإبراز مطالبها وتعميمها، وهو ما انعكس مؤخرا في البيان المشترك الذي أصدرته تنسيقيات صغار ومتوسطي الفلاحين في محافظات المهدية وصفاقس والقيروان، ونددت فيه بهيمنة الاحتكارات وغياب الدور الرقابي للدولة وانحيازها لمنظومة الاستثمار الفلاحي على حساب مصالح صغار ومتوسطي الفلاحين.

  1. تعتمد المفكرة القانونية الحيادية الجندرية بمعنى أن الحمع بالمؤنت يشمل هنا ذكورا وإناثا تماما كما هو الجمع بالمذكر.
  2. مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية: غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا (تحليل للسياسات الفلاحية التونسية على ضوء مفهوم السيادة الغذائية)، تونس، جوان/يونيو، 2019، ص: 140.
انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، نقابات



لتعليقاتكم