قرار قضائي يعزز مستوى الانتظارات في مواجهة المصارف


2021-04-29    |   

قرار قضائي يعزز مستوى الانتظارات في مواجهة المصارف
من أحد تحرّكات أهالي الطلاب أمام أحد المصارف

أصدرت القاضية أماني سلامة أمس قرارا بوضع قيد إشارة منع التصرف بأسهم الشركات والعقارات العائدة لبعض أعضاء مجالس إدارة المصارف في لبنان كما قيد إشارة منع التصرف على الأسهم العائدة لهؤلاء في الشركات والعقارات والأموال خارج الأراضي اللبنانية على أن تتبع الأصول القانونية الواجب مراعاتها في كل بلد معني بتنفيذ القرار. القرار صدر عن القاضية سلامة بصفتها قاضية التحقيق الأولى في البقاع، وذلك في معرض النظر بثلاث شكاوى قدمها أشخاص متضررون من إجراءات المصارف. وقد عزت الشكاوى لهؤلاء ارتكاب جرائم إساءة ائتمان واحتيال وإفلاس تقصيري واحتيالي واستعمال ضروب الغش لتهريب الأموال إضراراً بالدائنين والنيل من مكانة الدولة المالية وتبييض الأموال والاعتداء على الدستور اللبناني وتأليف جمعية أشرار.  

هذا القرار بالغ الأهمية في ظلّ ما يمر به القضاء اللبناني اليوم، وهو يستدعي ملاحظات عدّة بهدف الإضاءة على مضمونه.

أي أساس قانوني للقرار؟  

التساؤل القانوني الأول الذي قد يُثار بشأن هذا القرار يتمحور حول أساسه القانوني والاجراءات اللازمة لاتخاذه. حسب قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد نجد موادّ تعطي قاضي التحقيق الناظر في مضمون أيّ شكوى الحق في اتخاذ تدابير احترازية صوناً للحقوق وتأميناً للعدالة، علماً أن النقص في القوانين والقواعد الإجرائية تحيلنا إلى اتّباع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية. لكن الإشكالية القانونية التي تطرح حول التدبير الإحترازي تتمحور حول إمكانية قاضي التحقيق إتخاذ القرار دون استطلاع رأي النيابة العامة مسبقاً وما إذا كانت هذه القرارات قابلة للاستئناف أمام الهيئة الإتهامية أم لا وبحال كان الجواب إيجابياً فلمن الحق والصفة لاستئناف القرار الذي يتخذه قاضي التحقيق بإيقاع التدبير الإحترازي على مدعى عليه في شكوى جزائية مباشرة. وهي تساؤلات قانونية مشروعة ستكون الأيام المقبلة كفيلة للإجابة عليها على ضوء ما سيتم إتخاذه من إجراءات لإستيعاب مفاعيل وتبعات هذا القرار الفريد والنادر.

لا صلاحية للنيابة العامة على قضاء التحقيق

من المهم بمكان هنا وبخاصة على ضوء النقاش الحاصل حول كفّ يد النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون من قبل النائب العام التمييزي غسان عويدات، التذكير بأن قانون أصول المحكمات الجزائية الجديد كرّس مبدأ الفصل بين سلطة الملاحقة (النيابة العامة التي تلاحق المجرمين وتحيلهم أمام القضاء المختص) وسلطة التحقيق (قضاة التحقيق الذين يتولون مهمة جمع الأدلة على الجرائم لاتخاذ القرار النهائي بشأن الدعاوى المعروضة عليهم) للحؤول دون تمادي النيابة العامة في الخطأ في حال كونها مخطئة بملاحقتها للمدعى عليها. وبذلك، اختلف الأمر عمّا كانت عليه الحال في ظلّ قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم حيث كان قاضي التحقيق يُعتبر ضابطاً عدلياً خاضعاً لرقابة المدعّي العام الاستئنافي أو التمييزي إسوة بقانون التحقيق الجنائي الفرنسي القديم ولم يكن قاضي التحقيق مستقلاً عن النيابة العامة. وتأكيداً على مبدأ الفصل بين قضاة الملاحقة وقضاة التحقيق، جاءت المادة 50 من القانون الجديد لتشير إلى أنه لا يحق للنائب العام الذي ادّعى في قضية أن يتولى التحقيق أو الحكم فيها. كذلك أشارت المادة 234 على أنه “لا يجوز أن يشترك في تشكيل محكمة الجنايات من سبق له أن مارس في الدعوى عملاً من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو كان عضواً في الهيئة الإتهامية التي وضعت الإتهام”. 

وعليه نجزم أن قاضي التحقيق يعمل بصورة مستقلة عن النيابة العامة وهذا واجب عليه، وأنه ليس للنائب العام التمييزي كف يد قاضي التحقيق الأول. 

الأبعاد الإجتماعية للقرار

للقرار الصادر عن القاضية أماني سلامة أبعاد اجتماعية عدة: 

  1. إن هذا القرار صدر عن القاضية أماني سلامة التي ترأس جمعية نادي قضاة لبنان، وهي الجمعيّة التي أصدرتْ عدداً من البيانات وقدّمتْ إخبارات عدة وحاولت وضع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان أمام مسؤولياتها في كشف مهربي الأموال إلى الخارج قبل أن يحفظ الملف بحجة إحترام قانون السرية المصرفية، وهي الجمعية التي تضم قضاة رفعوا السقف بوجه الطغمة السياسية المتحكمة بمفاصل القضاء وشكّلوا بارقة أمل لدى اللبنانيين في نشوء تيار استقلالي داخل القضاء تمهيدا للوصول إلى إقرار قانون إستقلال القضاء. وبذلك، أتى مناقضا للصورة التي تولدت عن التجاذبات والمشادات الحاصلة بين المدعي العام التمييزي غسان عويدات والنائبة العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، والتي تركت إنطباعاً سيئاً عن كيفية معالجة الأمور داخل السلطة القضائية ومدى التأثير السياسي المباشر على هذه السلطة في ظلّ قرب كلا من هذين القاضيين من قوى سياسية وازنة.
  2. إن هذا القرار يناقض صورة أخرى لا تقل سوءا وهي صورة الاجتماع الذي عقده النائب العام التمييزي وجمعية المصارف في آذار من العام 2020 وانتهى إلى تسوية هي بحقيقتها تغطية لممارسات المصارف المخلة بالقانون. 
  3. وبشكل أعمّ، يناقض هذا القرار واقعا بات راسخا في ذهنية المواطنين مفاده أن سيف العدالة يبقى مُصْلتاً على الضعيف دون أن يطال كبار المجرمين والمرتكبين. وهذا التدبير الاحترازي الفوريّ يفتح تماساً مباشراً مع الشعب اللبناني حيث أنّه يدلّ على أن القضاة يستشعرون ما يعانيه هذا الشعب، ويقاربون وظيفتهم على أنها أولا حماية حقوق المواطنين وحرياتهم. وهي مقاربة ضرورية يؤمل في حال توسعها وتعميمها أن تسهم في استعادة الثقة بالقضاء.   
  4. أخيرا، يرسل القرار إلى المصارف وأصحابها رسالة واضحة مفادها بأنها ستكون عرضة لشكاوى مماثلة يتقدم بها عموم المواطنين بوجه أعضاء مجالس إدارة المصارف والمطالبة باتخاذ تدابير إحترازية بوجههم.

غيض من فيض التحديات التي يفتح بابها هذا القرار وبخاصة في صفوف القضاة والمقاربة التي سيعمدونها في مقاربة دورهم الاجتماعي ومسؤوليتهم تجاه الشعب الذي هو مصدر سلطتهم. الأسابيع القادمة ستخبرنا بتتمة الرواية. 

 

انشر المقال



متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، انتفاضة 17 تشرين ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، مصارف



لتعليقاتكم