قرار قضائي يرفض مبدأ الكوتا النسائية في انتخابات محامي أكادير


2024-01-02    |   

قرار قضائي يرفض مبدأ الكوتا النسائية في انتخابات محامي أكادير

بتاريخ 21 ديسمبر 2023 أصدرت غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بأكادير قرارها بخصوص التعديلات التي أدخلتها هيئة المحامين بشأن نظامها الداخلي من أجل إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في الانتخابات المهنية، حيث اعتبرت أن فرض حصة الثلث لفائدة النساء في اختيار المرشحين مخالف لمقتضيات الدستور ولقانون المهنة.

القرار الذي تنشره المفكرة القانونية يعيد الى الواجهة إشكالية تغييب النساء المحاميات عن مراكز صنع القرار في الاستحقاقات الانتخابية المهنية بالمغرب، ومطالب الجمعيات النسائية بتقنين الكوتا لتجاوز هذا الاشكال.

ملخص القضية

 تقدم عدد من المحامين التابعين لهيئة أكادير كلميم العيون-جنوب المغرب-، بطعن يرمي إلى بطلان التعديلات التي أدخلها مجلس الهيئة على نظامه الداخلي في اجتماعه المنعقد بتاريخ فاتح سبتمبر 2022.

وجاء في عريضة الدعوى المرفوعة أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بأكادير أنه: بعد الاطلاع على نسخة من النظام الداخلي الجديد، وعلى الصيغة المعدلة للمادتين 106 و108 واللتان ورد فيهما ما يلي:

“مقاربة النوع:

المادة 106.. يجب أن يكون الثلث على الأقل من المصوت عليهم وبإفراط في كل ورقة من المحاميات المترشحات، ما لم يقلّ عدد المصوت عليهم عن ثلاثة…

المادة 108 تعتبر باطلة كل ورقة تصويت جاءت مخالفة لمقتضيات المادة 106 أعلاه..”.

وبعد الاطلاع على مقتضيات المادة 90 من القانون المنظم لمهنة المحاماة والتي أوضحت بشكل صريح كيفية تشكيل وتركيب مجلس الهيئة والتي ساوت بين الجنسين، ومكنت المحاميات المترشحات من الحصول على مقاعد ضمن الفئات المنصوص عليها في المادة 88 من نفس القانون في حالة فوزهن في الانتخابات المهنية، يتضح أن التعديلات الجديدة المدخلة على القانون الداخلي لمجلس الهيئة تحت مسمى مقاربة النوع باطلة لكونها مخالفة لأحكام الدستور حينما ألزمت كل مصوت بأن يختار ثلث المصوت عليهم من النساء، والأصل في عملية التصويت أن تكون حرة، وأن تلتزم السلطات التي تشرف عليها بالحياد التام بين المترشحين بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو ديانتهم، كما أن الدستور ينص على مبدأ السعي نحو المناصفة، لا على فرض هذا المبدأ، وهو التزام يقع على الدولة، لا على الهيئات المكلفة بتسيير قطاع أو مهنة معينة، كما أن القرار يشكل تطاولا على اختصاص سلطة التشريع، التي تبقى لها لوحدها صلاحية سن أو تعديل النصوص المنظمة للمهنة.

واعتبرت عريضة الدعوى أن التعديلات الواردة على النظام الداخلي مخالفة لأحكام قانون الهيئة لأنها تصادر حقّ المترشّحين في الفوز بمقعد داخل الهيئة، كما تصادر حقّ المحامين في التعبير عن إرادتهم الحرة بواسطة الاقتراع، حينما تلزمهم باختيار عدد محدد سلفا من المرشحين لكونهم نساء، بغض النظر عن برامجهم الانتخابية، ولكون المناصفة تقتضي توفير نفس الشروط لكافة المترشحين.

موقف المحكمة

استجابت المحكمة للطعن المقدم ضد تعديلات النظام الداخلي لهيئة المحامين، والتي فرضت على المرشحين التصويت للثلث من النساء المرشحات تحت طائلة البطلان، اعتمادا على العلل التالية:

  • إن مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه طبقا للفصل 19 من الدستور، إذا كان يقتضي اتخاذ تدابير تحفيزية خاصة من شأنها تيسير الولوج الفعلي للنساء الى مراكز المسؤولية داخل هياكل المنظمات والجمعيات ذات الشأن المهني، فإن ذلك يجب أن يتمّ من خلال مقتضيات لا يترتب عنها الاخلال بمبدأ المساواة بين الجنسين وبحظر كل أشكال التمييز بينهما، بحسب الدستور نفسه؛
  • يتّضح من خلال وثائق الملف أن الصيغة المعتمدة في التعديلات الواردة على النظام الداخلي لمجلس الهيئة لتحقيق السعي نحو المناصفة تقوم على التخصيص المسبق لعدد من الأعضاء لفائدة النساء المحاميات محدد في الثلث، مع التنصيص على جزاء البطلان على كل تصويت مخالف، وهو ما يعد خروجا عن اختصاصات النظام الداخلي؛
  • –        من المقرّر قانونا أن القانون الأدنى يجب أن ينسجم مع القانون الأعلى منه، والتعديلات الواردة في النظام الداخلي للهيئة وهي في مرتبة أدنى من أحكام الدستور، وبشكل مخالف له، فإن ذلك بالنتيجة يجعلها باطلة.

وعليه قضت غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بمعاينة بطلان التعديلات الواردة على المادتين 106 و108 من قانون هيئة المحامين بأكادير كلميم العيون، مع ما يترتب على ذلك قانونا.

تعليق على قرار محكمة الاستئناف بأكادير

تكمن أهمية هذا القرار الذي تنشره المفكرة القانونية، في كونه يعيد إلى الواجهة إشكالية وصول النساء المحاميات بالمغرب إلى مراكز صنع القرار في انتخابات هيئة المحامين بالمغرب، حيث تعرف غالبية الاستحقاقات المهنية حضورا محتشما للمحاميات في عضوية مجالس الهيئات، كما أنه لم يسبق مطلقا انتخاب محامية مغربية كنقيبة[1].

من المعلوم أن تشكيلة مجالس الهيئة حسب المادة 88 من قانون المهنة المتعلقة بالهيئة والأجهزة والاختصاصات تضمّ ثلاث فئات يتمّ التباري على مناصبهم وهم فئة النقباء السابقين، وفئة المحامين المسجلين بالجدول لمدة تفوق 20 سنة، وفئة المحامين المسجلين بالجدول لمدة تتراوح ما بين 10 إلى 20 سنة، ولا ينص هذا القانون على تمثيلية للمرأة ضمن هذه الفئات، كما لا يتضمن فئة خاصة بالمحاميات.

شكل قرار هيئة المحامين بأكادير بفرض نصاب معين لفائدة النساء المحاميات المرشحات وسيلة لمحاولة ضمان تحقيق مبدأ السعي نحو المناصفة طبقا لأحكام الدستور، في انتظار مراجعة قانون المهنة لتقنين مبدأ “الكوتا” على غرار المعمول به في انتخابات ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي شكلت أداة لتجاوز السقف الزجاجي لوصول النساء القاضيات إلى المجلس المذكور لأول مرة مند إحداثه.

يطرح هذا القرار إشكالية تفسير مفهوم السعي نحو المناصفة حيث اعتبرت محكمة الاستئناف بأكادير أن اختصاص فرض كوتا لضمان تمثيلية النساء في الاستحقاقات الانتخابية يعود إلى المشرع لا إلى مجالس الهيئات.

كان لافتا في قرار محكمة الاستئناف بأكادير أنه اعتبر التعديلات التي أوردها النظام الداخليّ لهيئة المحامين بأكادير كلميم والعيون، مخالفا لأحكام الدستور، علما بأنّ اختصاص البتّ في دستوريّة القوانين يعود إلى المحكمة الدستورية، ومجال ولوج الأفراد إلى القضاء الدستوري لمساءلة مدى دستورية النصوص القانونية ما يزال معطلا في انتظار إتمام إجراءات المصادقة على قانون الدفع بعدم دستورية القوانين؛

اعتمدت المحكمة على مقتضيات الدستور وعلى مقتضيات قانون المهنة الذي لا يفرض أي “كوتا” معينة في اختيار كل مصوت للمرشحين، دون الاستئناس بمبادئ الاتفاقيات الدولية خاصة ما نصّت عليه اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من اتخاذ تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستحقاقات الانتخابية للمحامين التي عرفها المغرب في متمّ سنة 2023 قد أسفرت كمثيلاتها السابقة عن ضعف كبير في وصول النساء المحاميات الى عضوية المجالس المهنية، فضلا عن عدم انتخاب أي محامية في منصب نقيب. وقد دعت فدرالية رابطة حقوق النساء إلى تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمساواة والمناصفة واتخاد التدابير المحفّزة والمنصفة لتمكين النساء من ولوج عضوية مجالس الهيئات،  وكذا منصب النقيب، معتبرة أن النتائج المحصل عليها تؤكّد أن المجتمع لم يتخلّص بعد من هيمنة الثقافة الذكورية التي تقبع خلف ما يطال النساء بشكل عام والمحاميات بشكل خاصّ من حيف وتمييز وعدم ملاءمة القوانين والمساطير المتعلقة بالانتخابات المهنية لهيئة المحامين مع مقتضيات الدستور التي تنصّ بشكل صريح لاسيما في الفصل 19 على مبدأ المساواة بين النساء والرجال وعلى المناصفة كآلية لتعزيز المساواة.

مواضيع ذات صلة

المحاماة تنتخب هياكلها في المغرب: تغييب النساء المحاميات من يعيد مطلب تقنين الكوتا إلى الواجهة

قلقٌ طائفيّ في انتخابات مجلس نقابة المحامين: ما تاريخه؟ وما حاضره؟

تحديات تواجه تجربة المرأة القاضية بالمغرب

تجربة المرأة القاضية بالمغرب

القضاء بصيغة المؤنث حوار مع رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات

بانتظار تونس، المغرب تفتح طريق انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية

تغييب النساء القاضيات عن مناصب المسؤولية بالمغرب: إشكالية السقف الزجاجي

الدستورية تبت في قانون الدفع بعدم دستورية القوانين في المغرب

مشروع قانون الدفع بعدم دستورية القوانين في المغرب: المكاسب والقيود

الأبواب المغلقة” في المغرب رغما عن دستور 2011: المحكمة الدستورية تقضي مجددا بعدم دستورية قانون الدفع بعدم الدستورية


[1] التحقت أول امرأة مغربية بهيئة المحامين بالرباط كمحامية متمرنة سنة 1963 وسجلت في الجدول بتاريخ 11 شتنبر 1966 وهي الأستاذة نجاة الشرايبي برادة، وفي تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب لم تحظى بمنصب النقيب أي محامية مغربية ، فقد كانت هناك نقيبتان غير مغربيتان، وهما مادلين بونس نقيبة عن هيئة المحامين بالرباط ما بين 1957 و 1959، وماجدولين لوكاس نقيبة عن هيئة المحامين بأكادير من يوليوز 1966 إلى 1968.

أنظر بهذا الخصوص:

– خالد خالص: المرأة المحامي، مقال منشور بمجلة رسالة الدفاع، عدد مزدوج 30-31، دجنبر 2009، ص 175 وما بعدها.

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية