قرار قضائي حول ترسبات العبودية في تونس: تكريس جديد لتغير الوظيفة القضائية والحراك الاجتماعي حول القضاء


2020-11-12    |   

قرار قضائي حول ترسبات العبودية في تونس: تكريس جديد لتغير الوظيفة القضائية والحراك الاجتماعي حول القضاء
تونس

في إطار نشاطها الهادف لمكافحة العنصرية ونشر الوعي بمظاهرها، حفّزت جمعيات حقوقية عدة، من أهمها مجموعة حقوق الأقليات بتونس المواطن حمدان عتيق دالي الذي ناهز عمره الثمانين عاما على المطالبة بتغيير لقبه. وقد استندت الجمعيات لهذه الغاية إلى أن لقب “عتيق” يؤشّر إلى أنه من أحفاد الذين أعتقوا من العبودية، ممّا يشكّل اعتداءً على حقّه كمواطن واستذكاراً للممارسات المهينة للإنسان التي يجب القطع معها[1] ومخالفة للقانون المتعلق بالقضاء على كل أشكال العنصرية [2]. وفيما لم تستجِبْ وزارة العدل في 2018 لطلب حمدان، لجأ هذا الأخير بواسطة محاميته حنان بن حسانة إلى الدائرة الشخصية بالمحكمة الابتدائية بمدنين بحكم القيم الدستورية للوظيفية القضائية والتي تقوم على حماية الحقوق والحريات[3].

تبعا لذلك، أصدرت الدائرة المذكورة (برئاسة القاضية منتهى الضوافلي وعضوية القاضيين انتصار الورغمي وعصام الكفاف) بتاريخ 12-10-2020 حكما متميزا (والذي نتفرّد بنشره) بقبول طلبه. ومن أبرز ما جاء فيه الآتي:

  • مضمون الحكم: “تغيير الاسم المسيء لحامله أو لقيم المجتمع” حقّ

استهلّت الدائرة حكمها بمناقشة رد وزارة العدل لطلب حمدان، علما أن هذه الأخيرة استندت إلى قانون 28 ماي 1964 الذي يحصر امكانية تغيير الاسم العربي أو المغربي فقط إذا كان “بمعناه أو عند النطق به محلّ التباس أو سخرية”. ففيما رأت وزارة العدل أن اسم عتيق لا يدخل ضمن هذه الفئة ولا حتى ضمن تعرفي الاسم طالما أنه لقب عائلي وليس اسما شخصيا، اعتبرت المحكمة الطلب مبرراً قانونا بحصيلة ثلاث حيثيات هامة:

الأولى، أن الإسم جزء من هوية الشخص كما يبين انتماءه الأسري وهو بمفهومه الوظيفي ذاك “يشمل اسم الشخص ولقبه وأسماء أصوله” بما لا يجوز معه الإقرار بجواز تغيير جزء منه ومنع تغيير جزء ثان رغم وحدة سبب طلب ذلك. وانطلالاقا من ذلك، اعتبرت المحكمة أن امكانية تغيير الاسم تشمل أيضا اللقب العائلي،

الثانية، أن وظيفة القضاء تقوم على حماية الحقوق الأساسية، ومنها حماية حق المدعي في هوية لا تنتهك حقوق الإنسان، ولم تنسَ المحكمة في هذا السياق الإحالة إلى الفصل 49 من الدستور الذي يؤكد على ماهية هذه الوظيفة،

الثالثة، أن المحكمة اعتبرت أن “لقب العارض (المدعّي) يدلّ بصفة قطعيّة على ماضٍ عاشه أسلافه الذين كانوا يعانون من العبوديّة”. وقد رأت أن من شأن ذلك أن يمسّ بكرامته، وأن يميّز سلبيّا ضدّه مقارنة ببقيّة سكان منطقته، حيث أنّ هذا اللقب سيكون سببا لاستمرار قصّة “عبوديّة أهل فلان لأهل فلان” في ذاكرة الأجيال مهما اختلف الزمن. وقد جاءت كلّ هذه الاعتبارات تبعا لحيثية وضعت فيها المحكمة أن “حقّ الإنسان في الكرامة يعدّ من أهمّ الحقوق المكرّسة دوليّا وداخليّا” وأن “الرقّ بجميع أنواعه والتّمييز العنصري يعدّان من بين المظاهر الأكثر انتهاكا لحقوق الإنسان بصفة عامّة، وللحقّ في الكرامة خاصّة” لتصل للقول بكون

أبعاد الحكم: تكليل لتقاضٍ استرتيجي ضد العنصرية:

بالنتيجة، يرشح الحكم عن أبعاد عدة:

أولا، أنه يكرس الوظيفة القضائية في حماية الحقوق والحريات، وهي وظيفة ظهرت بوضوح ليس فقط في العبارات المستخدمة بل قبل كل شيء في كيفية تفسير النص، على نحو يجعله أكثر انسجاما مع حماية الحقوق الأساسية.

ثانيا، أنه يشكل تكليلا لتقاضٍ استراتيجي يهدف إلى تعزيز هذه الحقوق، وإبرزا الجوانب المترسبة من العنصرية تمهيدا للتحرر منها.

[1]قانون 28 ماي 1964 المتعلق بالسماح لبعض التونسيين بتغيير الاسم أو اللقب والذي ينص في الفصل الثاني منه “يمكن لكل تونسي ليس له اسم عربي أو مغربي أو له إسم يكون من أجل معناه أو عند النطق به محل التباس أو سخرية ..أن يطلب الإذن بإبدال إسمه بأمر”.

[2]  قانـون أساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري

[3]ورد بعريضة الدعوى كما وثق ذلك الحكم الصادر عن محكمة مدنين ” أن المدعي قدم طلبا لتغيير اللقب العائلي لمصالح وزارة العدل مستندا على الفصل الأول من القانون عدد 20 لسنة 1964 مؤرخ في 28/05/1964 المنقح بالقانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 28/05/1966 المتعلق لبعض التونسيين بتغيير الإسم واللقب، وبتاريخ 07/12/2017 تلقى إجابة من المدعي العام بإدارة المصالح العدلية مفادها أن القانون عدد 20 لسنة 1964 المؤرخ في 28/05/1964 المنقح بالقانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 28/05/1966 يتعلق بتغيير الإسم فقط بالنسبة للتونسيين متى كان محل التباس أو سخرية، وأن تغيير اللقب العائلي ينظمه القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرخ في 26/05/1959 الذي أسند اختصاص النظر في طلبات اختيار الألقاب العائلية إلى لجان محلية يترأسها الوالي أو من ينوبه وأن هذه اللجان لم تعد موجودة منذ أواسط السبعينات، ومع غياب الهيكل المخول له النظر في هذه المطالب فقد اتجه اللجوء للقضاء لتمكين منوبها من تغيير لقبه، ولاحظت أنه عملا بمقتضيات أحكام الفصل 63 من قانون الحالة المدنية المؤرخ في 1 أوت 1957 فإن الاختصاص الحكمي يعود لرئيس المحكمة الابتدائية بالمنطقة التي حرر فيها الرسم وهو ما أقرته المحكمة الإدارية في القضية عدد 1/10714 المؤرخة في 29 مارس 2003 لتغيير اللقب العائلي، وكذلك ما دأبت عليه محاكم القضاء العدلي من ذلك القضية عدد 9094 الصادر فيها الحكم عن المحكمة الابتدائية بتونس في 15/01/2018، وأضافت أن لقب منوبها عتيق دالي يوحي بالعبودية ويعد وصمة تحمل تمييزا عنصريا فكلمة “عتيق” هي من أصل فعل “عتق” أي حرّر وكنية “عتيق فلان” تعني “العبد المحرر من طرف فلان”، ويعود لقب “عتيق فلان” في تونس إلى القرن التاسع عشر عندما بدأ تحرير العبيد السود، القادم غالبيتهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، إثر قرار منع الرق العام 1846، عندما كانت تونس تحت الحكم العثماني وهو يحمل المفهوم المطلق للعبودية باعتباره حصر الكائنات البشرية في أغراض يمكن تملكها من قبل أناس آخرين بما تحمله من تحقير الآخر والحط من شانه، وأن لقب منوبها عتيق دالي دائما ما يعرضه للإحراج بسبب معناه اللغوي الصريح وخلفيته التاريخية ورمزيته الدالة على العبودية، وقد عرضه لمواقف عنصرية كثيرة كان فيه استنقاص من ذاته البشرية واستهزاء وازدراء له وعرضه للسخرية والرفض الاجتماعي، ويكون منوبها بالتالي عرضة للتمييز العنصري والتفرقة على معنى الفصل 2 من القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري إذ ينص على أنه “يقصد بالتمييز العنصري على معنى هذا القانون كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية، وعلى معنى الفصول 21 و23 و49 من الدستور حيث أن لقب عتيق دالي يكرس التمييز ويهينه فيمس من ذاته البشرية.

 

انشر المقال



متوفر خلال:

أطراف معنية ، تونس ، حريات ، سلطات إدارية ، قرارات قضائية ، قضايا ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *