قرار قضائي تونسي يحمي حق المشتبه به بالدفاع


2018-08-15    |   


قضت الدائرة الجناحية الصيفية بالمحكمة الابتدائية بالقيروان بجلستها التي عقدت بتاريخ 08-08-2018 بعدم سماع الدعوى الجزائية في حق متهم تعلقت به تهمة جزائية. وقد أسست المحكمة حكمها على بطلان إجراءات التتبع في حقه بعدما ثبت لها أنه لم يتمكّن من الاستعانة بمحام عند سماعه من قبل باحث البداية رغم طلبه ذلك وحضور نائبه. وعليه، اعتبرت المحكمة أن ثمة اعتداء على إحدى ركائز المحاكمة العادلة المتمثلة بحقه في الدفاع كما كرسه القانون عدد 5 لسنة 2016 المنقح لمجلة الإجراءات الجزائية.

يلحظ أن المحكمة خالفت في قضائها موقف النيابة العمومية في ذات القضية والتي تمسك ممثلها عند مرحلة البحث الأولي برفض قبول حضور محامي المشتبه به معه جلسة استنطاقه من الباحث الابتدائي بحجة أن القانون الذي نظم نيابة المحامي على مستوى هذه المرحلة من نظر الدعوى الجزائية حصر هذا الحق بمن صدر في شأنهم قرار في الاحتفاظ. وبالتالي لا يمكن سحبه على من لم يكن بمثل هذه الحالة. وقد اعترض  في حينها محامو جهة القيروان على هذا التأويل للنص الجزائي بأن تداعوا بتاريخ 13-07-2018 لوقفة احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية بالقيروان نددوا  فيها بما اعتبروه تعديا على حقوق الدفاع.

يظهر عند هذا الحد موقف محكمة الابتدائية بالقيروان من النزاع القضائي الذي قضت فيه  مهما من وجهة نظر قانونية مبدئية علاوة على ما يؤشر عليه من وعي قضائي بضرورة  النأي بالوظيفة القضائية عن كل تكتل أو نزاع قطاعي.

الأهمية المبدئية لموقف محكمة القيروان من حقوق المحتفظ به

عبرت اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب بمناسبة نظرها في التقرير الدوري الثالث لتونس سنة 2016 عن انشغالها “بخصوص غموض قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بتحديد بداية تاريخ الاحتفاظ لدى الشرطة”. ويعود انشغالها هذا لكون الفصل 13 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية كما تم تنقيحه بموجب القانون عدد 05 لسنة 2016 يشترط لبداية الاحتفاظ صدور إذن كتابي من وكيل الجمهورية المختص ترابيا بذلك. وهذا النص يطرح السؤال حول تكييف حالة ذي الشبهة خلال فترة التحقيق الحاصلة معه السابقة لصدور هذا الإذن، والذي يكون خلالها محتجزا فعليا في مقر الباحث. وبالطبع، لهذا السؤال مفاعيل عملية تتصل بمدى تمتعه بحق الاستعانة بمحام.

ردا على هذا السؤال، فرضت محكمة القيروان حقا أصيلا لمن هو محتجز في مقر الباحث بتهمة بالاستعانة بمحام للدفاع عنه عند استنطاقه الأول، الذي سيعتمد لاتخاذ القرار فيما تعلق بالاحتفاظ به من عدمه. وقد جاء حكمها في هذا السياق حاميا لحقوق المشتبه به في مواجهة غموض نص جزائي لم يضبط هذه الحقوق بالدقة الواجبة وهو يتلاءم مع  تصور الوظيفة القضائية كحامية للحقوق والحريات كما بين تصورها الفصل 102 من الدستور التونسي.

وتتأيد ذات الأهمية النظرية للحكم القضائي بأهمية عملية تستشف من مقاربة الحكم  بالحديث الدائر عن الصراعات بين المحامين والقضاة بتونس وأثر تلك المناكفات القطاعية على الوظيفة القضائية.

الانتصار للقانون في مواجهة ثقافة القطاعية

شكلت واقعة منع مساعد وكيل الجمهورية الذي كان حاضرا بمقر الباحث الابتدائي محامي المتهم في القضية من الاستعانة بمحام بدعوى أنه لم يتخذ بعد قرارا في الاحتفاظ به سببا في بروز خطاب في وسط محامي القيروان يحتج على ذاك الموقف ويتهم المؤسسة القضائية في الجهة بالتقصير في عملها وبسوء فهم مقتضيات استقلالية القضاء.

أدى الصدام لحملة تضامن في الوسط القضائي بجهة القيروان حيث اعتبر القضاة في حينها  أن الانتقادات التي وجهت لهم تمس بالثقة العامة بالقضاء، ومردها انخراط هياكل المحامين في حملات الانتخابات الخاصة بتجديد مجالسها. وفي ذات الحيز الزمني، لم تمنع العطلة القضائية من تعدد الصدامات بين المحامين والقضاة في عدد المحاكم. وقد أنذرت تلك الصدامات بدخول القطاعين في مواجهات بينهما كان يخشى أن يكون العمل القضائي من أول ضحاياها. فكان أن تمسك خلافا لتلك التوقعات قضاة الدائرة الجناحية الصيفية بالقيروان بتحصين قضائهم من كل شبهة على علاقة بمواقف قطاعية، بما يمكن أن يعد مؤشر وعي هام في جانبهم وموقفا سيساهم حتما في تدعيم الثقة العامة في القضاء.

انشر المقال

متوفر خلال:

مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *