قرار قضائي بإلغاء رسوم تسجيل الطلبة الموظفين في المغرب: حق التعليم والمساواة


2017-12-18    |   

قرار قضائي بإلغاء رسوم تسجيل الطلبة الموظفين في المغرب: حق التعليم والمساواة

أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط مؤخرا حكما وصف بالمبدئي[1]، قضى بإلغاء قرار رئيس جامعة محمد الخامس، الذي فرض بموجبه على الموظفين أداء رسوم الدراسة في الجامعة.

القضية التي شغلت الرأي العام الوطني عموما والوسط الطلابي على وجه الخصوص تعكس تطورا في فكرة التقاضي، وتجسيدا للدور الطلائعي للقضاء الإداري في حماية الحقوق والحريات، ومن بينها الحق في التعليم وحظر التمييز بين الطلبة الموظفين وغيرهم.

ملخص القضية

بتاريخ 03/02/2017 تقدم طالب باحث في سلك الدكتوراه بدعوى أمام المحكمة الإدارية بالرباط، في مواجهة الدولة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة محمد الخامس بالرباط وكلية الآداب.

وقد عرض فيها أنه عند تقدمه لمصالح الكلية قصد استيفاء إجراءات التسجيل، واجهته الإدارة بمطالبته بأداء رسوم التسجيل بمبلغ 10.000 درهم عن كل سنة يقضيها في تحضير شهادة الدكتوراه بعلة أنه موظف، وهو شرط لم يكن مدرجا بأي وثيقة متصلة بالمباراة، إنما تم الكشف عنه بموجب قرار صادر عن مجلس الجامعة بتاريخ 21/09/2016. وقد بنى الطالب طعنه على هذا القرار على أسباب عدة أبرزها، أنه مشوب بعيب عدم الاختصاص، على أساس أن مجلس الجامعة غير مختص دستوريا بفرض أعباء مالية جديدة على الطلبة سواء كانوا موظفين أو غير موظفين، لأن الدستور بموجب فصليه 39 و71 جعل هذا الاختصاص حكرا على المؤسسة التشريعية، كما أن القرار يمس بمبدأ المساواة بين المواطنين عندما ميز بين الطلبة الموظفين وغيرهم من الطلبة. كما أن القرار مشوب بعيب انعدام التعليل والانحراف في استعمال السلطة.

وقدم رئيس الجامعة مذكرة جوابية دافع فيها عن القرار الصادر عن مجلس الجامعة معتبرا أن القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي خول لها مهامّ رئيسية بخصوص تدبير وتسيير الشأن الجامعي، وهو ما يجعله قرارا صادرا عن جهة مختصة، والغاية منه تمكين الطلبة الموظفين من برمجة للتكوين تراعي أوقاتهم والتزاماتهم المهنية، كما أن الجامعة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، ولها صلاحية اتخاذ كافة المقررات التي ترتئيها.

الأسباب القانونية التي اعتمدتها المحكمة

في مناقشتها للقضية، اعتمدت المحكمة الادارية بالرباط على الفصل 71 من الدستور الذي جعل البرلمان الجهة المختصة بفرض تكاليف مالية جديدة على المواطنين، وهو اختصاص حصري مستمد من طبيعته كجهاز تشريعي يتولى تمثيل المواطنين. وبذلك، رأت أنه لا يمكن للسلطات الممنوحة له أن تمارس من قبل أي جهة أخرى إلا في نطاق الاستثناءات الحصرية المنصوص عليها بالدستور في حالات معينة تتولى فيها الحكومة التشريع بمرسوم خارج الدورات تحت قيود محددة تضمن للبرلمان الرقابة على القوانين المذكورة بما لا يسحب منه اختصاصه الأصيل.

وقد جاء في قرار المحكمة:

“وحيث إن المادة 18 من القانون المتعلق بالتعليم العالي التي تمسك بها رئيس الجامعة كأساس لفرض رسوم التسجيل لا تتضمن ما يجيز للجامعة إصدار القرار المطعون فيه، لأن مقتضياتها تتعلق بموارد ونفقات الجامعة…، وبذلك لا يمكن أن تشكل أساسا ضمنيا لتبرير قرار من هذا القبيل، كما أن المادة المذكورة تضمنت بذاتها ما يفيد عدم اختصاص الجامعة في استخلاص أي موارد مستمدة من الرسوم محل الطعن، ذلك أنها جعلت من موارد الجامعة ما يحصل من رسوم للتسجيل بمناسبة التكوين المستمر، بينما جاءت خالية من أي بند يتعلق بالموارد الناتجة عن متحصلات رسوم التسجيل المتعلقة بالتكوين الأساسي، وهو دليل على حصر مجال الرسوم التي يمكن استخلاصها في تلك المرتبطة بالتكوين المستمر دون أن يشمل أي رسوم متعلقة بالتكوين الأساسي.

وحيث أنه بخصوص ما تمسك به رئيس الجامعة من اندراج الرسوم موضوع القرار ضمن المحاصيل والأرباح المستخلصة مقابل الخدمات التي تقدمها الجامعة وفقا للمادة 18 أعلاه، فإنه يبقى غير ذي أساس، ذلك أن المادة المذكورة نصت على أن موارد الجامعة تشمل”المحاصيل والأرباح المتأتية من القيام بالأبحاث ومن تقديم الخدمات ولا سيما أعمال الخبرة”، وهي مقتضيات يتبين أنها لا تنطبق على مجال فرض الرسوم والضرائب، التي يندرج ضمنها القرار المطعون فيه، ذلك أن الضريبة هي واجب مالي يحدده القانون ويلتزم بأدائه الملزم الضريبي بلا تعليل، لتتمكن الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية من القيام بتحقيق أهداف المجتمع، بينما الرسم هو مبلغ مالي يحدده القانون وتستخلصه الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية من الفرد مقابل استفادته من احدى الخدمات التي تؤديها هذه الجهات، ويتعين أن يكون مقدار الرسم مساويا لقيمة الخدمة المقدمة أو يقل عنها، لكون الرسم يهدف أساسا لتغطية تكلفة الخدمة المقدمة كلا او بعضا، وبذلك فإن متحصلات الرسوم موضوع النازلة لا تعد أرباحا حتى تكون مندرجة ضمن التحديد الوارد بالمادة 18  أعلاه، … اعتبارا لمفهوم الأرباح بوصفها الفائض الناتج عن خصم تكلفة الخدمة المؤداة من قيمة العائدات المحققة، وهو ما يتناقض مع طبيعة الرسم الذي لا يهدف لتحقيق أي ربح للجهة الإدارية التي تستخلصه… فضلا عن ذلك فإن البند المستند عليه من قبل رئيس الجامعة حدد مصادر الموارد المعنية وحصرها في الخدمات ونص على بعض أمثلتها من قبيل القيام بالأبحاث أعمال الخبرة، وهو تحديد انصب على مجالات الأنشطة الاختيارية التي تمارسها الجامعة والتي تقبل من حيث طبيعتها أن تكون موضوع عملية تبادلية تهدف الى تحقيق الربح، تقدم فيها الخدمة من قبل الجامعة مقابل مبلغ مالي يدرج ضمن مواردها. غير أن هذا التحديد لا تستوعبه طبيعة التكوين الأساسي الذي تندرج ضمنه مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه باعتبارها شهادات وطنية خاضعة في ضوابطها للنصوص التشريعية والتنظيمية الصادرة عن الجهات صاحبة الاختصاص، لأن هذا التكوين يدخل ضمن المهام الإلزامية التي تضطلع بها الجامعة في إطار تحقيق أهداف التعليم العالي التي من بينها تكوين الكفاءات وتطويرها وتنمية المعلومات ونشرها في جميع ميادين المعرفة والإسهام في التطورات العلمية والتقنية والمهنية والاقتصادية والثقافية للأمة، وفقا للتحديد الوارد بالمادة الأولى من القانون المتعلق بالتعليم العالي، وهو ما يجعله غير مندرج ضمن مجالات الخدمات القابلة للتصرف فيها بصورة انفرادية من قبل الجامعة، ولا يمكن أن يخضع للمنظور التبادلي الاقتصادي الموجه بغاية تحقيق أرباح مالية وفقا لما يستفاد من استدلال الجامعة بالمادة 18 أعلاه، ما دام أن الاستفادة من هذا التكوين تدخل في إطار الحق في التعليم بجميع مستوياته الذي يندرج ضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، وهو حق يثبت لكل فرد متوفر على الشروط القانونية والتنظيمية المنصوص عليها من طرف الجهات المختصة بشكل صريح، ولا يمكن تقييده الا بنص القانون الصادر عن البرلمان الذي يختص حصريا بالتشريع في ميادين الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين بنص الفصل 71 من الدستور.

وبذلك فان إلزام فئة من المواطنين بدفع مقابل مالي للاستفادة من التكوين الأساسي للحصول على الشواهد الوطنية المحددة بشكل نظامي يشكل تقييدا لهذا الحق عن طريق تعليق الاستفادة منه على شرط جديد غير مقرر بنص قانوني، ويمس بمبدأ المساواة بين المواطنين، لفرض هذا القيد على فئة الموظفين دون غيرهم، وهو ما يشكل تمايزا غير منصوص عليه قانونا بخصوص الأعباء التي يتحملها كل منهم للاستفادة من نفس الحق، الأمر الذي تكون معه الجهة مصدرة القرار قد تصرفت خارج نطاق اختصاصها بشكل يخالف القانون”.

قرار المحكمة

الغاء قرار رئيس الجامعة القاضي بفرض رسوم تسجيل على الطلبة الموظفين المقبولين في سلك الدكتوراه، وترتيب الآثار القانونية الناتجة عن ذلك.

 


[1] – يتعلق الأمر بحكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 815، صادر بتاريخ 10/03/2017، في الملف 18/7106/2017.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المغرب ، المرصد القضائي ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية