قرار النائب العام المصري بمنح الضبطية القضائية للمواطنين


2013-03-26    |   

قرار النائب العام المصري بمنح الضبطية القضائية للمواطنين

في مطلع الشهر الجاري، قرر النائب العام تفعيل المادة 37 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تبيح للمواطن التحفظ على مرتكب جريمة إذا كان في إحدى حالات التلبس الواردة بالقانون ذاته، بشرط أن تكون الجرائم المرتكبة مما يجوز فيها الحبس الاحتياطي.
أن مضمون هذا الحق يتمثل في اقتياد المتهم لتسليمه جبرا عنه إذا اقتضى الأمر، إلى أقرب مأمور ضبط قضائي. كما أن مقتضى هذا الحق يتسع ليشمل "التفتيش الوقائي" من دون تفتيش شخص المتهم وأيضا التحفظ على جسم الجريمة الذي شوهد مع المتهم كي يسلمه بدوره إلى مأمور الضبط القضائي.
أن هذا القرار –لا جدال– أنه حق مقرر وفقا للقانون، وأنه لم يكن وليد الفترة الراهنة. حيث أن هذا النص قد تم وضعه في 1950. لكن تذكير المواطنين بهذا الحق -والذي يعد وفقا للقانون واجب على كافة المواطنين- في هذا التوقيت يثير علامات الاستفهام والتعجب في آن واحد. حيث أن التذكير به قد جاء بعد مطالبة عدد من الأحزاب المنتمية إلى الإسلام السياسي الدفع بأعضائها بدعوى حفظ الأمن في الشارع المصري. كما أنه قد جاء بالتزامن مع الإضرابات التي اجتاحت العديد من المؤسسات الأمنية احتجاجا على سياسة وزير الداخلية ومطالبتهم بإقالته، وعدم إدخال المؤسسة الشرطية في مواجهات مع الشعب مدركين في ذلك ما نتج عن تلك المواجهات في ثورة يناير 2011.
فإذا كان المقصود من تفعيل مثل هذا النص القانوني في هذا التوقيت توجيه رسالة إلى رجال الأمن التابعين لوزارة الداخلية، مفادها أنه سيتم الاستعاضة عنهم في حالة عدم انصياعهم للوزير أو فض تلك الإضرابات باللجان الشعبية، فهذا أمر مرفوض حيث أنه لا يمكن الاستعاضة بأي حال من الأحوال عن الأجهزة الأمنية. وإلا سيحكم الدولة قانون الغاب. وما يعزز هذه المخاوف هو الدعوة الى تفعيل هذا النص في وقت تسود فيه البلاد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني والفوضى وارتفاع معدل الجريمة، مما قد يؤدي إلى زيادة الاقتتال بين المواطنين. فإذا شرع أي من المواطنين للامساك بآخر يرتكب جريمة سيؤدي إلى حدوث مواجهات فيما بينهم قد تؤدي في نهاية المطاف إلى مقتل أحدهم. كما من شأنه أن يؤدي الى ظهور ميليشيات مسلحة، والى تصفية الحسابات والخصوم السياسيين، والتجني على الأشخاص والافتئات عليهم. كما أنه سيشعل الصراع السياسي بين القوى المدنية والقوى المؤيدة لحكم الإخوان المسلمين أو من يحاولون التقرب منه .
وما يزيد من خطورة تفعيل هذا النص هو أن غالبية المواطنين يفتقرون لثقافة القانون والوعي به، مما يجعلهم غير قادرين على ادراك الحدود التي يمكنهم التحرك من ضمنها، كمفهوم حالات التلبس المقررة بالقانون أو الجرائم التي يجوز فيها حبس المتهم احتياطيا، وكل ذلك في جو محموم تسود فيه المبالغات وتمحي فيه التفاصيل والضوابط.
كما تجدر الاشارة الى أن تفعيل هذا النص سيؤدي بالضرورة إلى الافتئات على كثير من الحقوق والحريات اللصيقة بالمواطنين وانتهاكها، الذي طالما ارتكبته الأجهزة الأمنية ولا زالت. ومن بين هذه الحقوق حرية التنقل، والتعبير عن الرأي، والتظاهر والتجمع السلمي. وقد تصبح الحال تاليا أسوأ مما هي عليه الآن في ظل غياب المساءلة القانونية عن انتهاكات حقوق الإنسان من جانب هذه الأجهزة الأمنية، وغياب المساءلة القانونية عند انتهاكهم لأي حق من حقوق الإنسان، فما الحال لو قام المواطنين بمثل هذه الانتهاكات؟ من الذي يستطيع اذ ذاك محاسبة أفراد غير معلومين على جرائم ارتكبت في مواجهة مواطنين آخرين حتى لو كانوا مجرمين فعلا؟
وهذا يعيد للأذهان أحداث قصر الاتحادية، وتحديدا ردود فعل مواطنين ضد المتظاهرين، وهي ردود فعل  عصفت بحقوق الإنسان وحرياته. وتدليلا على ذلك، ما قام به هؤلاء بالقبض على العديد من المتظاهرين وضربهم وسحلهم وإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها في محاولة منهم لتشويه المعارضين أمام الرأي العام ونعتهم بالمجرمين والمخربين، في وقت غضت فيه الدولة الأبصار عن تلك الانتهاكات والجرائم. وقد خرج رئيس الجمهورية في بيان له للتعقيب على هذه الأحداث مشوها كرامة هؤلاء المواطنين. وما حدث أيضا أمام مقر مكتب الإرشاد، من مواجهة المتظاهرين من جانب أعضاء مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين أثناء التظاهر أمام هذا المقر، والذي نتج عنه إصابات عدة في الطرفين.
وبعد هذا القرار وتطبيقًا له، قام شخصان بالقبض على فتاة وتسليمها إلى قسم شرطة شبرا الخيمة بدعوى أنها لا ترتدي حجابا، الأمر الذي دفعها إلي اتهامهما بالتحرش بها.
كما أعلنت جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة السويس بفتح باب التطوع للمواطنين، لتطبيق الضبطية القضائية للقبض على كل من يخالف شرع الله، ذلك في إطار حرصها على تطبيق الشريعة الإسلامية، وحفظ الأمن في الوقت الذي تخلت فيه قوات الأمن عن دورها في الحفاظ على الأمن.    
وأبعد من ذلك، فان هذا التوجه لم يأت منعزلا بل سرعان ما فتح الباب لمزيد من التطورات. وهذا ما نقرؤه من خلال مشروع القانون الذي تقدم به حزب البناء والتنمية (الذراع السياسي للجماعة الإسلامية) لتنظيم عمل اللجان الشعبية، على أن تكون خليطا من المدنيين والعسكريين وتكون تبعيتها إلى وزارتي الداخلية والدفاع ورئيس الجمهورية. فإن مثل هذا المشروع سيدفع البلاد نحو حرب أهلية لا تنتهي.     
ان تفعيل مثل هذا القرار سيدفع البلاد إلى الهاوية، نظرا لتأثيراته المختلفة على الجوانب السياسية والاقتصادية والمجتمعية في مصر. فإذا كان ينوي نظام الحكم القائم في البلاد عبور هذا المأزق، فلا بد أن ينتهج سياسة أخرى قائمة على سيادة القانون واحترامه، لا الى بث الفرقة والفوضى بين المواطنين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مصر ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية