قرار المجلس الدستوري بشأن قانون آليّة التعيين: التضحية بالكفاءة بحجة حماية صلاحيات “السلطة الإجرائيّة” أو هذا القرار الذي يقتل


2020-08-11    |   

قرار المجلس الدستوري بشأن قانون آليّة التعيين: التضحية بالكفاءة بحجة حماية صلاحيات “السلطة الإجرائيّة” أو هذا القرار الذي يقتل

أصدر المجلس الدستوري بتاريخ 22/7/2020 القرار موضوع هذا التعليق، والذي آل إلى قبول الطعن المقدم من رئيس الجمهورية لإبطال القانون الناظم لآلية التعيينات في وظائف الفئة الأولى. وفيما هدف القانون المُبطَل إلى تعزيز اعتبارات الكفاءة والحدّ من المحاصصة في هذه التعيينات، جاء قرار المجلس الدستوري ليعيد الأمور إلى المربع الأول، كلّ هذا باسم حماية صلاحيات السلطة الإجرائية، ليس فقط سلطة مجلس الوزراء بل حتى سلطة الوزير. وفيما كنا أنهينا التعليق على هذا القرار قبل الساعة السادسة من يوم 4 آب 2020 وضمناه ما يكفي من المراجع لدحض حججه، فإن المجزرة الحاصلة بعد 20 دقيقة أتت لتعطيه بعدا مختلفا: فالمجزرة ما كانت لتحصل لولا أخطاء جسيمة مرتكبة من وزراء وموظفي الفئة الأولى، منهم من وافق على تخزين هذه الحمولة في المرفأ منذ 7 سنوات، ومنهم من أبقاها هنالك من دون اتخاذ اجراءات السلامة العامة الضرورية، كل ذلك وسط شكوك كبيرة لجهة وجود فساد ومصالح مخفية في سلب مكونات من هذه الحمولة.

وعليه، أظهر هذا الحدث ليس فقط المسؤولية الجنائية المترتبة على هؤلاء، بل بالأخص المسؤولية السياسية في تعيين موظفين من الفئة الأولى بناء على اعتبارات المحسوبية، مع ما يستتبع ذلك من تراجع لأداء المرافق العامة وتحوير وظيفة الإدارة من حماية الصالح العام (االشيء المشترك) والمواطن إلى نسف ما تبقى من هذا الشيء المشترك مع تعريض المواطنين لخطر داهم، انتهى فعليا إلى تدمير أحياء واسعة من بيروت، هي الأحياء التي تحمل جزءا هاما من تاريخها وترائها وإلى أكبر مجزرة في هذه المدينة. من هذه الزاوية، يشكل القرار موضوع التعليق تأكيدا على ممارسات مؤداها القتل. وبه، يفقد المجلس الدستوري هو الآخر مشروعيته في الدفاع عن الدستور والدولة (المحرر). 

أصدر المجلس الدّستوري بتاريخ 22/7/2020 القرار بقبول الطعن المقدم من رئيس الجمهورية لإبطال القانون الناظم لآلية التعيينات في وظائف الفئة الأولى وفي المراكز العليا في الإدارات العامّة. وكان القانون المبطل أرسى آلية لتعيين موظفين الفئة الأولى، عن طريق إنشاء لجنة مؤلفة من الوزير المختص ورئيس مجلس الخدمة المدنيّة ووزير الدولة للشؤون الإنمائيّة، تتولى وضع مواصفات التعيين للوظائف الشاغرة وتجري مقابلات شفهيّة مع الموظفين المؤهلين للتعيين وصولا إلى وضع لائحة بثلاثة أسماء وفقا لترتيب العلامات. فإذا تم ذلك، يرفع الوزير هذه اللائحة إلى مجلس الوزراء الذي يطلع عليها ويختار إسما منها لأجل التعيين. نشأت هذه الآلية بناء على قرار سابق لمجلس الوزراء بتاريخ 12/04/2010. لم يُطبّق دائما إنما فقط في بعض الحالات رغم صدوره بعد التوافق عليه من قبل الأفرقاء السياسيين. وكان ينتظر من هذا القانون أن يشكّل خطوة (قد تكون غير كافية) أمام تعزيز اعتبارات الكفاءة والحدّ من شمولية المحاصصة في الإدارة وآليات استتباعها. ومن أبرز هذه الممارسات، التعيينات التي كان مجلس الوزراء أقرّها خلال إجتماعه المنعقد في 10/06/2020 والتي شابتها مخالفات فادحة للقانون[1].

وقبل المضي في التعليق على القرار، يقتضي التذكير بأمرين:

  • أن اقتراح القانون كان قدمه النائب جورج عدوان في 09/09/2019، وقد أدخلت لجنة الإدارة والعدل تعديلات عليه أبرزها تمكين الوزير المعني بالتعيينات من اقتراح مرشحين إضافيين إلى المرشحين المختارين من قبل لجنة منشأة لهذه الغاية، لإشغال مراكز في الإدارات المرتبطة بوزارته. إلا أن الهيئة العامة عادت خلال الجلسة التشريعيّة المنعقدة بتاريخ 28/05/2020 لتقرّ الإقتراح بعد شطب هذا التعديل.
  • أن اقتراح القانون أثار جدلاً طويلاً خلال الجلسة التشريعيّة التي انتهت بإقراره، حول دستوريّته أو عدم دستوريّته. ففيما إعتبرت أغلبيّة النوّاب أن وضع آليّة للتعيينات يشكّل خطوة ضروريّة نظرا للواقع الحالي حيث يقوم جميع الأطراف على “إستزلام الموظفّين” حسبما عبّر عنه النائب جورج عدوان صاحب الإقتراح، إعتبر آخرون في مقدمتهم النائب جبران باسيل، أنّه مخالف للدستور وبخاصة للمادة 66 منه المتعلّقة بصلاحيّات الوزراء. وكرّر النائب سمير الجسر هذه الفكرة، معتبراً أنّ الإقتراح غير دستوري، إذ أنّه شبيه بالقانون رقم 353 الصادر بتاريخ 16/08/2001، الذي كان قد أبطله المجلس الدستوري في قراره رقم 5/2001 لمخالفته المادة 65 من الدستور[2]. وقد تمّ التصويت على عدم دستوريّة الإقتراح، إلا أنه لم يحظَ بغالبية النواب. وقد عاد الطعن المقدم من رئيس الجمهورية ليعكس مجددا هذا التوجه.

وبالتدقيق في القرار، نلحظ أنه استند إلى ثلاث مسائل رئيسيّة كلها لا تصمد أمام أي نقاش جدي:

الأول، مبدأ القوّة القضيّة المحكمة لقرارات المجلس الدستوري وإلزاميّتها بعدما رأى المجلس أن القانون المطعون فيه هو لباس جديد للقانون رقم 353/2001 الذي تم إبطاله،

الثاني، التفريق بين المادة التشريعيّة التي تدخل ضمن صلاحيات المشرع domaine législatif والمادة التنظيميّة التي تدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية domaine règlementaire،

والثالث، يكرّس صراحة صلاحيّات دستوريّة للوزير من خلال تفسير واسع للنصّ الدستوري.

حجة القضية المقضية

استند القرار إلى قوّة القضيّة المحكمة لقرارت المجلس الدستوري وإلزاميتّها، وتحديدا إلى القرار رقم 5/2001  الصادر عنه بتاريخ 29/09/2011 بإبطال القانون الآيل إلى وضع أحكام خاصّة للتعيين في الفئتين الأولى والثانية في وظائف الملاك الإداري العام. وقد رأى المجلس أن القانون الحالي هو مجرد إستعادة لقانون التعيينات المبطل عام 2001 “بلباس مختلف”.

وقد أسند المجلس قراره على المادّة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري رقم 250/93 التي تكرّس تمتّع قرارات المجلس الدستوري بقوّة القضيّة المحكمة وتلزم جميع الإدارات العامّة، وتمنع على السلطة التشريعيّة “أن تسنّ قانونا جديدا يحتوي بلباس مختلف على مضمون قانون أبطله المجلس الدستوري، ما لم تقم بتعديل دستوري يجعل ما أبطل سابقا مطابقا للدستور[3].

إلا أن هذا الاتجاه مردود للأسباب الآتية:

– أن ثمة فارقا بين القانون الذي تم إبطاله في 2001 والقانون المطعون فيه، مما يمنع تطبيق القوة المقضية التي تفترض تماثل الأحكام القانونية. فبخلاف قانون 2001، أخذ القانون المطعون فيه بعين الإعتبار صلاحيّات الوزير ومجلس الوزراء وسعى للموازنة بينها وبين مبادئ الكفاءة والمساواة والمنصوص عليها دستوريا. وهذا ما كان فعله المجلس الدستوري الفرنسي في القرار الذي أصدره بتاريخ 08/07/1989 والذي استشهد به المجلس الدستوري اللبناني، بحيث أفرد حيثيات عدة للتثبت من أن القانون الجديد ليس سوى لباس مختلف لقانون كان قد أبطله المجلس الدستوري الفرنسي في قرار سابق.

– أنّ هدف تمتّع  قرارات المجلس الدستوري بقوّة القضيّة المحكمة هو إلزام المحاكم كما جميع الإدارات العامّة بإحترام قراراته عند التذرع بأحكام قانونية تمّ إبطالها مباشرة أو تمّ إبطال أحكام مماثلة لها، لكن لا تلزم المجلس الدستوري نفسه، الذي يجب أن يتمتع بإمكانية تطوير إجتهاده. وهذا ما أكّده البروفيسور ميشال ڤربو:

« Cette autorité de « chose décidée » ne vaut cependant pas réellement pour le Conseil lui-même, car elle lui interdirait tout revirement de jurisprudence »[4].

وقد أسند البروفيسور الفرنسي رأيه على قرار صادر عن المجلس الدستوري الفرنسي إعتبر فيه أنّ يحقّ للمجلس أنّ يعيد دراسة قانون حتّى لو كان ذات مضمون أو صياغة شبيهة لأحكام قانون آخر كان قد أصدر المجلس الدستوري قراراً بشأنه في حال تغيّر الظروف القانونيّة[5].

رفض تجزئة السلطة الإجرائيّة

مجلس الوزراء: سلطة تعيين لا يمكن تقييدها؟

مسألة أخرى تطرق إليها المجلس الدستوري قوامها الصلاحيات الدستورية العائدة للسلطة التنفيذية (مجلس الوزراء). وهي مسألة أثارتها الجهة الطاعنة (أي رئاسة الجمهورية) بحيث رأت أنّ ” كلّ قانون تطبيقي إنما يجب عليه التقيّد بآليّة تعيين الموظفين التي تمكّن الوزير المختصّ من ممارسة صلاحيته، كما تمكّن مجلس الوزراء من ممارسة اختصاصه الدستوري” وأن لمجلس الوزراء صلاحية دستورية لا يجوز التعرض لها سندا للمادة 65 فقرة 3 من الدستور والتي تنيط به صلاحيّة “تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول إستقالتهم وفق القانون“. وقد استندت الجهة الطاعنة على القرار رقم 5/2001، الذي إعتبر أن “مسألة تعيين موظفي الفئة الأولى أو ما يعادلها مسألة أساسيّة” لحظها (الدستور) بين المواد التّي يُشترط لإقراراها موافقة ثلثي أعضاء الحكومة على مرسوم تشكيلها، ولذلك “”لا يصحّ تقييد سلطة مجلس الوزراء وبخاصة في المواضيع التي إعتبرها الدستور أساسيّة بقوانين يسنّها المشترع وإن تناولت تنظيم الوظيفة العامّة عندما يكون من شأن هذه القوانين الإنتقاص من هذه السلطة أو فرض شروط مقيّدة لممارستها”.

وإذ ذهب المجلس الدستوري في نفس اتجاه قراره السابق، فإنه اعتمد للوصول إلى ذلك حججا مختلفة. فقد عمد إلى التفريق ما بين صلاحيّات المشرّع في وضع شروط تعيين الموظفيّن، وصلاحيّات السلطة الإجرائيّة على صعيد التعيينات. فقد فرّق بين”شروط التوظيف العامّة التي تشكّل “مادة تشريعيّة تدخل في دائرة إختصاص السلطة التشريعيّة”، و”شروط التعيين الخاصّة التي تشكّل “مادة تنظيميّة تدخل في دائرة إختصاص السلطة الإجرائيّة أي مجلس الوزراء”. ويبني المجلس الدستوري هذا الموقف بناء على قانونين هما نظام الموظّفين العامين (المرسوم الإشتراعي رقم 112 تاريخ 12/06/1959) والقانون المتعلّق بإنشاء مصالح مستقلّة لمياه الشرب وتنظيمها ووضع نظام للمؤسسات العامة والمصالح المستقلّة، حيث إختار بشأنهما المشرّع أنّ يضع شروط التوظيف العامّة بينما ينيط بالوزراء صلاحيّة وضع شروط إضافيّة خاصّة”،

إضافة إلى ذلك، إعتبر المجلس الدستوري أنّه لا يحقّ للسلطة الإشتراعيّة أن تنيط السلطة الإجرائيّة لغير مجلس الوزراء.

ويقبل القرار الإنتقاد من الزوايا الآتية:

  • أنه يجب التفرقة بين صلاحيّة التعيين التي تعود إلى السلطة الإجرائيّة المتمثّلة بمجلس الوزراء، وصلاحيّة الإقتراح التي لا تشكّل بالضرور صلاحيّة إجرائيّة، ويمكن إذا إعطاؤها على أساس قانون إلى لجنة يحدّدها القانون.
  • أنّ الدستور لحظ حرفياً وخلافا لما جاء في القرار إمكانيّة تقييد صلاحيّة مجلس الوزراء في تعيين الموظفيّن بقانون يفرض شروطاً متعلّقة بالمعايير المشروطة لتوظيف الموظفين، أو يضع آليّات معيّنة للإختيار بين المرشحين. فلا تتمتع سلطة التعيين حسب الفقه والإجتهاد الفرنسيين بسلطة تقديريّة، إنّما بسلطة مقيّدة compétence liée، فيكون أمامها خيار من إثنين: إمّا القبول بأحد الأسماء المقترحة، إمّا رفضها والطلب من سلطة الإقتراح تقديم إقتراحات جديدة[6]، على غرار ما يجري بين الوزير ومجلس القضاء الأعلى بالنسبة إلى التعيينات القضائية في المرحلة الأولى، في قانون تنظيم القضاء العدلي الحالي.
  • إن المجلس الدستوري ذهب إلى التفريق حيث لمّ يفرّق نصّ الدستور بين شروط التوظيف العامة وشروط التوظيف الخاصة، وذلك خلافا للقاعدة التي لا تسمح بالتمييز حيث لم يميز القانون (هنا الدستور), ولا يرد على ذلك بالتفريق الحاصل في القانونين المذكورين، فهذا التفريق تم بإرادة المشرع وبناء على تفويض منه وليس بناء على أي قاعدة دستورية. هذا مع العلم أنّ المشرّع في هاتين الحالتين تمثل بالحكومة التي كانت قد حصلت على تفويض من مجلس النوّاب لوضع هذه الأنظمة، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تختار حماية صلاحيّاتها وصلاحيّات وزرائها من دون أن يكون من الممكن أن نستخلص منها أي قاعدة عامة.
  • فضلا عن ذلك، فإن المجلس الدستوري افترض أن الآلية التي نص عليها القانون تندرج ضمن الشروط الخاصة وليس الشروط العامة للتوظيف من دون أي تعليل. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد هو أن وضع آلية إدارية لاقتراح المرشّحين الأفضل إنما هو يقارب المباراة، وهو شرط يتولى عادة المشرع وضعه في مجمل القوانين ضمانا للمساواة والكفاءة،

وعليه، يكون المجلس الدستوري قد خالف القراءة الحرفيّة للدستور التي تسمح بتدخّل قانون لإشتراط التعيين، وذلك في سبيل حماية سلطة وصلاحيّات مجلس الوزراء، ويكون قد عزّز تبعاً لذلك إمكانيّة التدخّل السياسي في الإدارة. وفيما يخالف هذا التوجه المادة 65 من الدستور التي تنيط بمجلس الوزراء صلاحيّة التعيين “وفق القانون”، فإنه لا يقيم أي اعتبار لمبادئ الكفاءة والمساواة أمام القانون وتحديدا المادتين 7 و12 من الدستور، علما أن المادة الأخيرة تلحظ صراحة صلاحيّة المشرّع في وضع شروط التوظيف في الوظيفة العامّة.

تكريس وتحصين صلاحيّات الوزير

هل للوزير سلطة دستورية بإقتراح المرشّحين لتولي منصب في الإدارة التابعة له؟

المسألة الثالثة التي تطرق إليها قرار المجلس الدستوري هي الأخرى كان أثارها رئيس الجمهوريّة في طعنه. ومفادها أنّ الدستور، بعد تعديل الطائف، يعطي الوزير صلاحيّة على الأقلّ على صعيد إقتراح أسماء المرشّحين للتعيين في وظيفة في الإدارة التي يرأسها. وترتكز هذه الحجّة على المادة 66 من الدستور، التي تولي “الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلّق بالأمور العائدة إلى إدارته وما خص به”. والمادة هذه لا تولي صراحة الوزير أي صلاحية بتعيين الموظفين. غير أنّ رئيس الجمهوريّة اعتبر في طعنه أنّ صلاحية الإقتراح هي نتيجة ضرورية تترتّب على مبدأ مسؤوليّة الوزير في إدارة المؤسسات المناطة به ولا سيّما الموظفين التابعين لإدارته، معتبرا أنه لا “يجوز تحميل الوزير مسؤوليّة أو سوء إدارة أو خطأ موظّف تابع له أو مخالفات يرتكبها إذا لم يكن للوزير صلاحيّة الإقتراح في التعيين”. وقد استند رئيس الجمهورية إلى القرار رقم 5 الصادر عن المجلس الدستوري في عام 2001 والذي أبطل قانونا كان يرمي إلى إنشاء هيئة مكوّنة من رئيس مجلس الخدمة المدنيّة، ورئيس الهيئة العليا للتأديب، ورئيس إدارة الأبحاث والتوجيه، وثلاثة أشخاص من أهل الخبرة والإختصاص.

وإذ وافق المجلس الدستوري رئاسة الجمهورية بمخالفة المادة 66 من الدستور، فإنه علل قراره بشكل مختلف. فبعدما رأى أنّ الدور الذي يعطيه  القانون (المطعون فيه) للوزير ليس سوى دور تنسيق ومساهمة من خلال اللجنة في تحديد مواصفات وشروط التعيين في الوظائف الشاغرة في الفئة الأولى، إعتبر أنّ تقييد الوزير بثلاثة أسماء وفقا لترتيب العلامات التي حصلوا عليها المرشحين، وعدم الإعتراف له بإمكانيّة الإختيار بين جميع الناجحين مهما كانت رتبتهم في النجاح، يعد تعرضا لصلاحياته.

وهذا القرار كما موقف الرئاسة يلقى الإنتقاد من ثلاث زوايا:

  • الأول، أنّ الأخذ بأن للوزير صلاحية خاصة في اقتراح أسماء المرشحين للتعيين على خلفية أنه المسؤول عن أداء الإدارات التابعة لوزارته، يؤدي إلى نتائج عبثية، بحيث يصبح كلّ الرؤساء التسلسليين في الإدارة مسؤولين عن أخطاء مرؤوسيهم، من دون أن يتمتّعوا بصلاحيّة التعيين أو الإقتراح،
  • الثاني، أنه خلافاً للقانون الذي أبطله المجلس الدستوري في 2001، يحفظ القانون المطعون فيه للوزير دوراً أساسياً في اقتراح المرشّحين إذ أنّه يشارك في اللجنة التي تقترح لائحة من ثلاثة أسماء على مجلس الوزراء كما سبق بيانه. فتتألف في القانون الراهن هذه اللجنة من الوزير المعني ورئيس الخدمة المدنيّة  ووزير الدولة لشؤون التنميّة الإداريّة. ويتمتّع إذا الوزير بإمكانيّة إقتراح الأسماء التي يراها مناسبة في هذه المرحلة، مع صون اعتبارات الشفافية والموضوعية ومكافحة المحاصصة السياسية. فمن شأن هذا الإجراء الذي يفرض الجماعيّة collégialité في وضع لائحة الأسماء أن يخفّف من إستنسابيّة الوزير في إقتراح الأسماء، بطريقة توفّق بين صلاحيات الوزير السياسيّة وتعيين موظّفين ذات كفاءة وإختصاص. كما يبقى للوزير أن يسجّل عدم رضاه من خلال تصويته خلال جلسة مجلس الوزراء، أو رفضه توقيع مرسوم التعيين، مع العلم أنّ توقيعه يشكّل شرطاً جوهرياً تتوقّف عليه شرعيّة قرار التعيين.

وعليه، وفيما تعتبر المباراة الطريقة الأفضل لإختيار الموظفين الأكثر كفاءة بطريقة تحترم مبدأ المساواة[7]، رأى المجلس الدستوري أنّه يحقّ للوزير أن يختار بين جميع الناجحين مهما كنت رتبتهم. ومن خلال ذلك، يعود للوزير أن يعود ويدخل معايير للتعيينات غير معيار الكفاءة التي يضمنها النجاح في المباراة بأعلى رتب، خلافا للمادة 12 من الدستور التي تنصّ على حقّ كلّ لبناني “في تولّي الوظائف العامّة لا ميزة لأحد إلّا من حيث الإستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينصّ عليها القانون“.


[1] كتعيين معالج فيزيائي وهو محمد أبو حيدر كمدير عام لوزارة الإقتصاد دون أي تعليل أو إبراز لمؤهلاته لتولي الوظيفة، وبعد أن تمّ تقريب موعد جلسة مجلس الوزراء المخصّصة للتعيين يوماً واحداً، لملاءمة شرط عدم تخطيه السنّ المحدّدة كحدّ أقصى لتولي الوظيفة، إذ كان موعد الجلسة الأساسي يصادف عيد مولد أبو حيدر.

[2] قرار رقم 51002/2/  تاريخ29/09/2000: طلب ابطال القانون رقم 363 تاريخ 26/08/2001 المتعلّق باحكام خاصة للتعيين في الفئتين الاولى والثانيةفي وظائف الملاك الاداري العام

[3] أسند المجلس الدستوري هذا التحليل على قرار صادر عن المجلس الدستوري الفرنسي بتاريخ 08/07/1989 رقم 89/258

[4] Verpeaux (M.), “Brèves considérations sur l’autorité des décisions du Conseil constitutionnel », Nouveaux cahiers du Conseil constitutionnel n°30, janvier 2011

[5]  قرار 99/410 صادر عن المجلس الدستوري الفرنسي بتاريخ 15/03/1999

[6] Petit, (J). (2006). La nomination des grands commis de l’État. L’expérience française. Revue générale de droit36 (4), 653–674

[7] Petit, (J). (2006). La nomination des grands commis de l’État. L’expérience française. Revue générale de droit36 (4), 653–674

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، محاكم دستورية ، مقالات