قرار الروابط ووعود وزير التربية لم تُعِد الأساتذة إلى صفوفهم: لن نديّن الدولة بعد اليوم


2023-03-06    |   

قرار الروابط ووعود وزير التربية لم تُعِد الأساتذة إلى صفوفهم: لن نديّن الدولة بعد اليوم

“لا عودة قبل تحقيق المطالب” هكذا جاء رد أساتذة التعليم الرسمي على قرار الروابط العودة إلى التدريس اليوم، إذ امتنع الأساتذة في غالبية الثانويات في مختلف المناطق عن التعليم مؤكدين بأنّ قرار الروابط  بالعودة المشروطة غير شرعي لأنّها لم تعقد جمعيات عموميّة، فضلًا عن أنّها ارتضت العودة على أساس وعود “اعتادت وزارة التربية أن تغدقها لتتنصّل منها فيما بعد” على حدّ تعبير أحد الأساتذة.

وفيما امتنع غالبية أساتذة الثانوي عن التعليم مؤكّدين استمرار اللاتدريس حتى تحقيق مطالبهم، يبدو أنّ أساتذة التعليم الأساسي التزموا بقرار الروابط فعاد قسم كبير منهم إلى التدريس اليوم، على الرغم من إعلان اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي الاستمرار في الإضراب.

وللتأكيد على موقفهم الرافض العودة إلى التدريس طالما أنّ حقوقهم الأساسيّة لم تُلبّ، اعتصم مئات الأساتذة صباح اليوم أمام وزارة التربية آتين من مختلف المناطق. وفي حين كان لأساتذة الملاك في التعليم الثانوي مشاركة لافتة في الاعتصام كان هناك حضور للمتعاقدين ولأساتذة التعليم الأساسي والمستعان فيهم.  

وبالتزامن أيضًا نظّم أساتذة في التعليم الرسمي، وقفة أمام فرع مصرف لبنان المركزي في مدينة صيدا رافضين الانقسام الحاصل بين الأساتذة باعتباره محاولة للتآمر على المعلّمين والضغط عليهم. وناشد الأساتذة المعتصمون في بيروت وصيدا زملاءهم الانضمام إليهم  لتوحيد الصف والقرار حتى نيل الحقوق.

واعتبر الأساتذة تحرّك اليوم مفصليًا لتحرير الروابط من سيطرة الأحزاب ولإعادة الاعتبار ليس للأساتذة فقط بل للتعليم الرسمي أيضًا، مؤكدين أنّ تحرّكاتهم هي من أجل مستقبل أفضل للتلامذة بعدما همّشت سياسات الدولة التعليم الرسمي وتستمر بالعمل على القضاء عليه. 

وفي الإطار أكّدت النائبة حليمة قعقور التي شاركت بالاعتصام لـ “المفكرة” أنّ الحقوق لا تتجزّأ وأنّ الأساتذة والتلامذة في موقع واحد وليس في وجه بعضهم البعض، مشددة على ضرورة وضع خطّة طوارئ تربويّة يشارك فيها الأساتذة.

واعتبرت قعقور أنّ “الأموال موجودة ولكن يجب أن نسأل في جيب من وُضعت”، مشيرة إلى قروض وهبات وملايين الدولارات ضاعت في وزارة التربية من دون لمس نتائج لاستثمار هذه الأموال الأمر الذي يؤشّر إلى فساد وسوء إدارة وبالتالي يجعل المحاسبة أمرًا ضروريًا.

وقالت قعقور إنّ الوزارة ترفض حتى إعطاء أرقام تتعلّق بهذه الأموال وكأنّ هناك قرار عفو عام متّخذ يمنع محاسبة من تعاقب على الوزارة.

كما تحدّثت قعقور عن ضرورة تحرير العمل النقابي والروابط من أيدي الأحزاب التي تسيطر عليها.

عودة جزئية في الأساسي والثانوي استمر بالإضراب  

لم تسر رياح الأساتذة بما تشتهي سفن وزارة التربية وروابط التعليم الرسمي. فبعدما كانت الروابط أعلنت العودة إلى التدريس في الثانويات والمدارس اعتبارًا من صباح اليوم الإثنين 6/3/2023 انطلاقًا من قرار وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف عباس الحلبي الذي حدد فيه تفاصيل ما أسماه “العطاءات المخصصة للمعلمين ولسائر الأسرة التربوية”، لم تتمكّن معظم الثانويات من فكّ الإضراب إذ امتنع أساتذتها عن التدريس مؤكدين استمرار الإضراب انطلاقًا من أمرين أوّلهما أنّ الرابطة لم تعقد جمعيات عموميّة للتصويت على العودة وثانيهما أنّ المطالب التي أضرب الأساتذة من أجلها لم تتحقق.

وعلى صعيد التعليم الأساسي، كانت العودة جزئيّة إذ امتنع عدد من الأساتذة عن التدريس فيما التزم القسم الأكبر منهم بقرار الروابط وعاد إلى التدريس. وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أنّه على سبيل المثال في 115 مدرسة متوسطة  فتحت أبوابها على مستوى أقضية صور وصيدا وجزين، 7 مدارس درست جزئيًا و103 مدارس تلقى طلابها تعليماً كليًا، فيما حصرت 5 مدارس عملها بتسيير الشؤون الإدارية.

أمّا على مستوى الثانويات، وبحسب ما أكّد الأساتذة لـ “المفكرة” فإنّ 85% منها لم تلتزم بقرار الروابط وامتنع أساتذتها عن التعليم مشيرين إلى أنّ النسب تجاوزت في مختلف المحافظات والأقضية 80% ما عدا في عدد من أقضية منها في محافظة جبل لبنان وصور جنوبًا.

وكانت روابط الأساتذة في التعليم الرسمي أعلنت ما أسمته العودة المشروطة إلى التدريس بعد ثمانية أسابيع متواصلة من الإضراب. وجاء قرار الروابط بعد إعلان وزير التربية عن عطاءات حدّدها بدل قيمة 5 ليترات بنزين يوميًا بمعدل أربعة أيام عمل أسبوعيًا للملاك كحد أقصى و3 أيام للمتعاقدين، و300 دولار أميركي عن الأشهر الثلاثة الأولى من العام الدراسي الحالي، الأولى قيمتها مئة دولار أميركي في العاشر من آذار 2023، والدفعة الثانية من مئتي دولار في العشرين من الشهر نفسه، ووعد بـ 125 دولارًا من نهاية آذار 2023، حتى أواخر شهر حزيران.

وكذلك وعد الوزير بإعطاء القبض الشهري للمتعاقدين والسعي إلى العقد الكامل للمتعاقدين مع مجلس النوّاب.

“العطاءات” لا تسمن ولا تغني عن جوع    

وفيما اعتبر الحلبي أنّ هذه التقديمات “تحقق معظم المطالب باستثناء تحديد سعر دولار صيرفة خاص بأفراد الهيئة التعليمية وموظفي القطاع العام” واعدًا بالعمل على تلبية المطالب المتعلقة بالاستشفاء والصحة عبر رفع تقديمات تعاونية موظفي الدولة والضمان الصحي، يعتبر الأساتذة بأنّهم إذا عادوا اليوم سيعودون بعطاءات قيمتها أقلّ مما كانت عليه حين أعلنوا الإضراب في كانون الثاني. “الوزارة أخذت منّا ولم تعطنا” يقول حسن مظلوم، أستاذ لغة عربيّة وناظر وعضو لقاء النقابيين الثانويين في ثانويّة أديب سليمان في قضاء بعلبك الهرمل، مضيفًا في حديث مع “المفكرة” أنّه حين أضرب الأساتذة كان سعر منصة صيرفة بحدود ثلاثين ألفًا وفي آخر راتب تقاضيناه كان 44 ألف ليرة، الآن هو سبعين ألف ليرة أي تلقائيًا تراجع راتب الأستاذ 30% والقيمة نفسها بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء معيشة”.

وفي حين يذكّر مظلوم أنّ مطالب الأساتذة كانت واضحة وهي تصحيح الأجور بما يتناسب مع التضخم وإدخال المساعدات في أساس الراتب ودعم تعاونية الموظفين حتى تستطيع تغطية استشفاء الأساتذة بقيمة 90%  وإعطاء بدل نقل عادل كما كان سابقًا أي ثلث صفيحة بنزين يوميا، يشير إلى أنّ الوزارة اليوم لم تقدّم إلّا وعودًا فهي ستعطي خلال هذا الشهر مستحقات عن الأشهر الثلاثة الماضية وستعطي 5 ليترات.

وفي الإطار نفسه تقول فيرونا سمعان المدرّسة في إحدى ثانويات زغرتا إنّ هناك تضليلًا واضحًا في موضوع ما يحصل عليه الأساتذة، مشيرة في حديث مع “المفكرة” إلى أنّ الأساتذة لم يأخذوا إلّا وعودًا بوعود تمامًا كما الأعوام الماضية، وأنّه من أول العام لم يقبض الأساتذة غير راتبهم الذي لا يتجاو 9 ملايين ليرة شهريًا ومستحقات العام الماضي مع الإشارة إلى أنّ بعض الأساتذة لم يأخذوا عن العام 2021 وأساتذة لم يقبضوا حوافز العام الماضي (90 دولارًا) حتى اليوم. 

وتقول فيرونا: “لم يعد لدينا القدرة لنديّن الدولة، لا ثقة في هذه الوزارة، لو الأموال موجودة لمَ يأجلونها إلى نهاية شباط؟ ثمّ أنّ مطالبنا بتصحيح الأجور والاستشفاء، ماذا تحقّق منها؟”  

 وليس بعيدًا، تقول مدرّسة في إحدى ثانويات صور إنّ أسوأ ما في تعاطي السلطة مع الأساتذة هو عدم احترامهم وعدم السعي لحلّ أزمة التعليم بشكل جدي. وتقول: “الوضع لم يعد مقبولًا، يتعاطون مع حقوقنا بالكيلو وكأنّنا على بسطة خضار، نحن أساتذة لنا حقوق والتعليم الرسمي مسؤولية السلطة، كفا استخفافًا بنا وبكرامتنا”.

نقابة الأمر الواقع 

بعيدًا من المطالب التي يرون أنّها لم تتحقّق، يعتبر الأساتذة أنّ روابط التعليم صادرت قرارهم فهي قرّرت العودة إلى التدريس من دون إجراء جمعية عمومية والتصويت على توصيات كما ينصّ النظام الداخلي حسب ما تقول مدرّسة في إحدى ثانويات عرمون. وتضيف في حديث مع “المفكرة” أنّ الرابطة لم تعد تمثّل الأساتذة وسقطت عنها الشرعية وأنّها بالأساس أعلنت الإضراب بعدما أعلن الأساتذة التوقّف القسري عن التعليم، أي أنّها التحقت بهم مجبرة بدلًا من أن تكون المدافع الأول عن حقوقهم.

وفي الإطار نفسه، يشير مظلوم إلى أنّ الأساتذة المنتفضين قد يذهبون إلى خيار تشكيل روابط بحكم الأمر الواقع ولا سيّما أنّ هناك طعن بهذه الرابطة وهي لم تمتثل له.

شمّاعة الامتحانات الرسمية

يعتبر الأساتذة أنّ الوزير يريد أن يُجري الامتحانات الرسميّة بأي ثمن وذلك ليس حرصًا منه على مستقبل الطلّاب بل بسبب الأموال التي تخصّص لهذه الامتحانات.

وفي هذا الإطار يقول الأستاذ الثانوي حكمت سابا من ثانوية رحبة الرسمية إنّ هناك أموالًا تُخصّص للامتحانات الرسمية ويستفيد منها موظفون في الوزارة، مشيرًا في حديث مع “المفكرة” إلى أنّه إذا استمرّ الوضع على حاله لن يكون هناك امتحانات رسميّة أقلّه في الشهادة الثانويّة فهي تقوم على الأساتذة المضربين.

وكان الحلبي أكّد سابقًا أنّ “الامتحانات لن تلغى” كما طلب من المدارس البدء بإرسال اللوائح الخاصة بالامتحانات الرسميّة.

ويرى عدد آخر من الأساتذة أنّ الإصرار على إجراء الامتحانات ليس فقط بدافع المنافع الخاصة التي يستفيد منها بعض الموظفين والأساتذة المحظيين إنما أيضًا بسبب ضغوط تمارسها المدارس الخاصة لإجراء الشهادة.

نموذج وزعته وزارة التربية لتسجيل الحضور والامتناع عن التدريس

ترهيب الأساتذة مستمر 

يتحدّث الأساتذة عن ضغوطات تُمارس عليهم من قبل مديري المدارس ومديرية التعليم وطبعًا من خلفهم الوزارة، للعودة إلى التدريس تتجلّى بإجراءات مثل منع الأساتذة من التوقيع على دفتر الحضور أو تسجيل من يحضر إلى المدرسة ويمتنع عن التدريس غائبًا من دون عذر، فضلًا عن التهديد بالخصومات وحتى بالاستغناء عن الخدمات كليًا.

ويشير الأساتذة إلى أنّ مديري المدارس عادوا وذكّروا بهذه الإجراءات فور إعلان الروابط العودة إلى التدريس.

وفي هذا الإطار يتحدّث سابا مثلًا عن منع بعض المديرين الأساتذة من التوقيع على دفتر الدوام بهدف ترهيبهم لعدم المشاركة في الاعتصام أو عدم التدريس، الأمر الذي يعتبره سابقة إذ لا يحقّ للمدير ولا لغيره منع أستاذ حضر إلى المدرسة من التوقيع على دفتر الدوام.

كما تحدث أساتذة آخرون عن تعميم وصل إلى المديرين يؤكّد على عدم السماح لأي مدرّس بالحضور والتوقيع فقط على سجل الدوام والمغادرة تحت طائلة المساءلة القانونية، وأنّ بعض المديرين أعلموا الأساتذة أنّ الحضور وعدم التدريس سيُعامل معاملة الغائب من دون عذر.

ويؤكد الأساتذة أنّ اعتبار الأستاذ الذي حضر وامتنع عن التدريس غائبًا أو تعريضه للخصم من الراتب لهذا السبب مخالف للقانون لأنّ عدم الدخول إلى الصف هو تعبير عن الرأي يكفله الدستور تمامًا كما الإضراب.

ويُشار إلى أنّ هذه الممارسات التي يضعها الأساتذة في إطار الترهيب تكرّرت هذا العام بشكل غير مسبوق وطالت عددًا كبيرًا من الأساتذة لا سيّما هؤلاء الذين رفعوا الصوت في وجه الوزارة والرابطة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

عمل ونقابات ، نقابات ، الحق في التعليم ، لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم ، حقوق العمال والنقابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية