قرارات حظر التجول ضد الأجانب وضد المواطنين السوريين غير قانونية


2016-07-14    |   

قرارات حظر التجول ضد الأجانب وضد المواطنين السوريين غير قانونية

على طول السنوات السابقة، فرضت عدد من البلديات في لبنان، حظر تجول على فئات معينة من الأجانب اختلفت وفق البلديات المعنية، بحيث شمل الحظر في بعضها العمّال الأجانب وفي بعضها الآخر العمال السوريين أو الرعايا السوريين (نازحين و/أو عمّال) .. الخ.
ويهم المفكرة هنا اثبات أن هذه الاجراءات تتجاوز صلاحيات البلديات، وتشكل مخالفة لحقوق أساسية للاجئين والمقيمين غير اللبنانيين في لبنان، وبوجه خاص للإعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن المعاهدات الثنائية بين لبنان وسوريا. وهذا ما سوف نثبته تفصيليا أدناه: 
 
في مخالفة البلديات المذكورة للمادة 13 فقرة 1 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:
 
من الثابت أن لبنان قد وقع على الاعلان العالمي لحقوق الانسان، كما انه صدق على معظم معاهدات الأمم المتحدة الأساسية، ولا سيما: الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على حرية كل فرد في التنقل داخل حدود كل دولة تواجد فيها (المادة 13 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية). وقد اعتبر المجلس الدستوري في قراره الصادر بتاريخ 10/5/2001، أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكافة اشكاله، تؤلف حلقة متممة للاعلان العالمي لحقوق الانسان، وان هذه المواثيق الدولية التي تبنتها مقدمة الدستور اللبناني، تؤلف معا جزءا لا يتجزأ من الوحدة وتتمتع معا بالقوة الدستورية. ومن الثابت أن المادة 12 فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اجازة تقييد حرية التنقل ولكن فقط ضمن الشروط الآتية:
 

  1. أن ينص عليه القانون؛
  2. وأن يكون متماشيا مع الحقوق الأخرى المعترف بها في العهد،  
  3. وأن يكون ضروريا لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم.

 
غير أن اجراءات حظر التجول التي فرضته البلديات المذكورة لا تتقيد بأي من شروط المادة 12 فقرة 3، وهذا ما نفصله ادناه:
 
في عدم صلاحية البلديات اتخاذ قرارات حظر تجول:
 
من الثابت أن قانون البلديات الصادر سنة 1977، لا ينص صراحة في أي من بنوده على حق المجلس البلدي أو رئيسه بفرض حظر تجول، لا بل أن المادة 74 فقرة 19 من القانون نصت حرفيا على تولي رئيس البلدية مهام "المحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة بشرط أن لا يتعرض للصلاحيات التي تمنحها القوانين والانظمة لدوائر الامن في الدولة
 
ومن الثابت أن القوانين اللبنانية اناطت بالسلطة العسكرية العليا فقط صلاحية فرض حظر تجول الاشخاص والسيارات في الاماكن وفي الاوقات التي تحدد بموجب قرار، وذلك بشروط حددها قانون الطوارئ. ومن هذه الشروط أن يتخذ مجلس الوزراء قرارا لإعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء" وأن يجتمع مجلس النواب للنظر بهذا التدبير في مهلة ثمانية ايام (المادة 4 فقرة 10 من المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر بتاريخ 5/8/1967 – اعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية)،
 
بالتالي يتضح ان فرض البلديات لحظر تجول يخالف صراحة الشرط الأول المذكور في المادة 12 فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كون هذه الصلاحية لم يعطها المشرّع للبلديات بأي قانون، بل أنه اناطها فقط للسلطة العسكرية العليا ضمن الشروط المحددة أعلاه.
 
في الحق بحرية التنقل في القانون الدولي:
 
من الثابت أنه، وبغض النظر عن مدى صلاحية البلديات بفرض حظر تجول، فان الحد من حرية التنقل يجب ان يكون متماشيا مع الحقوق الأخرى المعترف بها في المواثيق الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بضمنات عدم التمييز بين الأفراد.
 
فمن الثابت أن اجراءات حظر التجول التي فرضتهاالبلديات المذكورة، هي موجهة ضد افراد من رعايا دول أجنبية: سوريين واثيوبيين وسيريلنكيين وبشكل عام عمّال أجانب، وهي تاليا تنشئ صراحة تمييزا بين مواطنين وغير مواطنين (وتحديدا العمّال غير المواطنين)، خلافا للحقوق والحريات المضمونة بالدستور وبالمواثيق الدولية:
 

  • فلبنان صدق على إتفاقية الأمم المتحدة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي تحظر أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة. وفي حين أجازت المادة الأولى فقرة 2 من الاتفاقية، التمييز بين مواطن وغير مواطن، فهذا لا يعني اطلاقاً، سنداً لتفسير لجنة القضاء على التمييز العنصري، أنه يجوز التمييز بين مواطن وغير مواطن في الحقوق والحريات الأساسية، لا سيما تلك المنصوص عليها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (يراجع، لجنة القضاء على التمييز العنصري، توصية عامة رقم 30: التمييز ضد الغير مواطنين، 10/1/2004)؛

 

  • فضلا عن ذلك، فالمادة 26 من اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين تنص حرفيا على موجب كل دولة بمنح "اللاجئين المقيمين بصورة نظامية في إقليمها حق اختيار محل إقامتهم والتنقل الحر ضمن أراضيها، على أن يكون ذلك رهنا بأية أنظمة تنطبق على الأجانب عامة في نفس الظروف". فهذا يعني ان اي قيود لهذا الحق، خاصة بالنسبة الى اللاجئين هي محظورة، ويجب تاليا العودة الى الشروط المنصوص عنها في المادة 12 فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمذكورة اعلاه. وتجدر الاشارة الى أنه وفي حين لم يصدق لبنان على اتفاقية جنيف للعام 1951، فهو عضو في اللجنة التنفيذية التابعة للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يشارك في تبني خلاصاتها التي تتخذ بالاجماع، والتي تشكل ما يسمى "قانونا مرنا" (soft law). فخلاصات المفوضية تعبر اذ ذاك عن آراء تمثيلية على النطاق الواسع لوجهة نظر المجتمع الدولي، وينبغي تاليا على لبنان أن يسترشد بها بالحد الأدنى.

 
يراجع لطفاً:
 

  • Conclusion No. 65 (XLII) – 1991

 
(c) Emphasizes the primary importance of non-refoulement and asylum as cardinal principles of refugee protection and encourages States to intensify their efforts to protect the rights of refugees, to prevent them from becoming the object of armed attacks in camps or settlements, to avoid unnecessary and severe curtailment of their freedom of movement, to ensure conditions of asylum compatible with recognized international standards, and to facilitate their stay in countries of asylum, including through the issue of necessary personal documentation and permission to return after travel abroad”;
 

  • Conclusion No. 108 (LIX) – 2008

 
“Reiterating, in the 60th anniversary year of the Universal Declaration of Human Rights, the enduring importance of freedom of movement and residence within the borders of each State, of the right to seek and enjoy asylum in other countries from persecution and of the right to a nationality, enshrined in Articles 13, 14 and 15 of the Declaration; and recognizing the importance of the rights in the Declaration to all persons of concern to UNHCR […]
 
(n) Stresses the importance, while searching for solutions, of supporting the efforts of host countries to enhance education, health care and provision of other basic services in refugee-impacted areas, and encourages State parties to respect the full range of rights included in the 1951 Convention and its 1967 Protocol and, mindful of the particular conditions applicable, to explore the most practical and feasible means to accord freedom of movement, and other important rights underpinning self-reliance”;
 

  • Conclusion No. 105 (LVII) – 2006 – Women and Girls at Risk

 
“Recognizing that, while women and girls may be exposed to certain risks, such as trafficking, in any location, the different nature of camp and urban environments can expose women and girls to different protection risks and that in camps, for example, their freedom of movement and capacity to earn a livelihood may be more restricted and they may be more exposed there to sexual and gender-based violence (SGBV), whereas in urban situations, they may be less able to exercise their rights effectively, to access protection and services or reach UNHCR or implementing partner offices, […]
 
(k) The empowerment of displaced women and girls is to be enhanced including by partnerships and actions to: […]
 
ii. strengthen women’s and girls’ capacities, including by enabling their access to quality education, including secondary education, in safe school environments and by enhancing food security, livelihood opportunities, freedom of movement and economic independence, including where appropriate through access to labor markets; […]
 
فلما كانت اجراءات حظر التجول التي فرضتهاالبلديات المذكورة، تنشئ صراحة تمييزا بين مواطنين وغير مواطنين ولا سيما غير المواطنين النازحين السوريين، فهي تخالف حتما الحقوق والحريات المضمونة بالدستور وبالمواثيق الدولية خاصة الحق بحرية التنقل.
 
في عدم توفر شرط وجود ضرورة لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم:
 
من الثابت سندا للجنة الامم المتحدة لحقوق الإنسان، أن تقييد الحق في حرية التنقل يجب ان يتوافق من الشروط المنصوص عنها في المادة 12 فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما شرط ضرورة الاجراء المتخذ، بشكل لا يلغي مبدأ حرية التنقل. فالقانون نفسه يجب ان يضع شروطا ومعايير واضحة لاتخاذ مثل هذا الاجراء،
 
ومن الثابت أن المشرع اللبناني وضع مثل هذه المعايير في المرسوم الاشتراعي المتعلق باعلان حالة الطوارىء او منطقة عسكرية والمذكور اعلاه، حيث تنص المادة الاولى منه حرفيا على امكانية اتخاذ اجراءات مماثلة "عند تعرض البلاد لخطر مداهم ناتج عن حرب خارجية او ثورة مسلحة او اعمال او اضطرابات تهدد النظام العام والامن او عند وقوع احداث تأخذ طابع الكارثة".
 
يراجع لطفا:
 
Human Rights Committee, Gen. Comment No 27, Freedom of movement (Art.12), 11/02/1999:
 
The permissible limitations which may be imposed on the rights protected under article 12 must not nullify the principle of liberty of movement, and are governed by the requirement of necessity provided for in article 12, paragraph 3, and by the need for consistency with the other rights recognized in the Covenant […];
 
The law itself has to establish the conditions under which the rights may be limited […];
 
Article 12, paragraph 3, clearly indicates that it is not sufficient that the restrictions serve the permissible purposes; they must also be necessary to protect them. Restrictive measures must conform to the principle of proportionality; they must be appropriate to achieve their protective function; they must be the least intrusive instrument amongst those which might achieve the desired result; and they must be proportionate to the interest to be protected […];

The principle of proportionality has to be respected not only in the law that frames the restrictions, but also by the administrative and judicial authorities in applying the law. States should ensure that any proceedings relating to the exercise or restriction of these rights are expeditious and that reasons for the application of restrictive measures are provided.
 
 
ثانياً – في مخالفة البلديات المذكورة للمعاهدات الثنائية بين لبنان وسوريا:
 
من الثابت أن لبنان قد صدق على معاهدات ثنائية مع الجمهورية العربية السوريا تضمن الحق بحرية التنقل للمواطنين السوريين الذين يدخلون أو يقيمون أو يزورون لبنان وفقا للآتي:
 

  • ان المادة الأولى من اتفاق التعاون والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية الموقع بتاريخ 16/9/1993 تنص على ان البلدين يتفقان على اقامة اعلى درجات التعاون والتنسيق من خلال تبني عددا من المبادئ، لا سيما: "1.حرية انتقال الاشخاص بين البلدين؛ 2. حرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي وفق القوانين والأنظمة المرعية في كل من البلدين".

    لهذا الغرض نصت المادة 2 فقرة "أ" من الاتفاق على "اطلاق حرية انتقال المواطنين اللبنانيين والسوريين بين البلدين من خلال الغاء القيود التي تحد من هذه الحرية". فضلا عن ذلك فالفقرة "ز" من المادة عينها تنص على "اطلاق حرية العمل والاستخدام والاقامة وممارسة مختلف الانشطة الاقتصادية والمهنية لرعايا كل من البلدين بما يكفل لهم فرصاً متساوية وذلك وفق القوانين والأنظمة في كل من البلدين؛ وفي هذا المضمار يجري العمل على تطوير تشريعات العمل والضمان الاجتماعي في كل من البلدين بما يؤدي الى التقارب بينهما لجهة الحقوق والموجبات والاشتراكات والتقديمات".
     

  •  كما ان المادة الثانية من اتفاق تنظيم انتقال الاشخاص ونقل البضائع بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية الموقع بتاريخ 16/9/1993 تنص على ان البلدين يتفقان على العمل "على تأمين حرية الاقامة والتنقل، كل في بلده لرعايا الطرف الآخر في إطار القوانين والانظمة النافذة فيه".

    بناء عليه، يظهر جليا ان اصدار حظر تجول يستهدف المواطنين بما فيهم العمّال السوريين يتعارض صراحة مع الضمانات المنصوص عليها في احكام الاتفاقيتين المذكورتين اعلاه.

 
خلاصة:
بموجب ما تقدّم، تشكل اجراءات حظر التجول المتخذة من البلديات المذكورة والتي تستهدف الاجانب وخاصة الرعايا السوريين منهم، مخالفات واضحة للقانون ولا سيما للدستور اللبناني وللمعاهدات التي صدق عليها لبنان. 

انشر المقال

متوفر خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *