قراءة هادئة لبيان مكتب مجلس شورى الدولة: لهذه الأسباب يخالف تكليف القضاة القانون والصالح العام


2020-10-09    |   

قراءة هادئة لبيان مكتب مجلس شورى الدولة: لهذه الأسباب يخالف تكليف القضاة القانون والصالح العام
رسم رائد شرف

أصدر مكتب مجلس شورى الدولة أمس بيانا تناول فيها النقاش الحاصل مؤخّرا حول تكليف عدد من قضاة المجلس بمهام استشارية في الوزارات، وهو النقاش الذي انطلق بعدما كشف وزير التربية الوطنية طارق المجذوب عن تلقي عدد من هؤلاء مبالغ مالية مرتفعة في إطار مقابلة أجراها على قناة الجديد بتاريخ 25 أيلول 2020. ومن أهمّ ما جاء في هذا البيان أن تكليف القضاة بمهام استشارية يستند إلى نص قانوني هو المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة وهو يتمّ لقاء بدل أتعاب تحددها الوزراة للمكلفين بمعاونتها.

وإذ أشار البيان في محلات عدة منه أن معالجة أيّ خلل قد يرتكبه أي قاضٍ مكلف يتم حصرا وفق الأطر القانونية من قبل المرجع الذي كلفه (أي رئيس مجلس شورى الدولة)، فإنه سارع إلى إبراء ذمة القضاة المكلفين بحجة أن المكتب لم يتلقّ أي شكوى حيال أي من هؤلاء. بمعنى أنه اعتبر أن غياب الشكوى من الإدارات العامة هو دليل كافٍ على أن القضاة يقومون بالواجب الذي كلفوا به بشكل مرضٍ لا يستدعي أي مساءلة.

فإذا وصل إلى هذه النتيجة، اعتبر مكتب المجلس نفسه مُخوَّلا، من منطلق حرصه على استقلال المجلس وهيبته وسمعة قضاته، اتهام وسائل الإعلام بالتشويش والإضرار بثقة الناس بالقضاء ومخالفة القانون من خلال التعرّض لقضاته وقراراته محذّرا إياها من مغبة التعرض للملاحقة القانونية، على الأقل 3 مرات في البيان. التحذير الأول، جاء في المقطع الأول وشمل إلى جانب وسائل الإعلام والإعلاميين من خلال أسلوب الغمز والتلميح، وزير التربية المجذوب نفسه (وهو في الأساس قاضٍ في مجلس شورى الدولة ويفترض أن يعود إليه بعد انتهاء مهامه الوزارية) حيث جاء: “لا تكون المساءلة إعلامية عملا بموجب التحفظ المسؤول عنه كل قاضٍ أينما وجد وأي مركز ارتقى”. التحذير الثاني جاء في المقطع الثالث منه حيث جاء أن “نشر أخبار غير صحيحة تتعلق بالمجلس والقضاة لديه والقرارات الصادرة عنه تعرض ناشرها للملاحقة القانونية”. والتحذير الثالث ورد في المقطع الرابع والأخير حيث جاء “أن أي تداول لمهام هذا القضاء وقراراته خارج إطار الأصول القانونية الواجبة الاتباع يشكل تعرضا له ويرتب المسؤولية على من يصدر عنه”.

ومجرّد تكرار هذا التحذير على هذا الوجه في بيان لا يتجاوز عدد كلماته 200 كلمة، وهو البيان الأول لمكتب مجلس الشورى على حدّ علمنا منذ سنوات، إنما يؤشر إلى حالة الاضطراب التي تسوده تبعا لانفتاح النقاش حول مسألة التكليفات، والتي هي بمثابة علبة باندورا  بالنسبة إلى هذا المجلس، وفق ما أشرت إليه في تعليقي على التفاعلات التي تولدت عن مقابلة المجذوب التلفزيونية أو حتى من قبل في سياق تحديد أبرز الإشكالات التي يعاني منها مجلس شورى الدولة ويستوجب معالجتها لغاية إصلاحه.

وتعليقا على هذا البيان، يهمني إبداء الملاحظات الآتية:

 

1- أن تكليفات عدة تتمّ بمخالفة صريحة للقانون

أو شجرة المادة 15 لا تخفي غابة التكليفات

في بيانه اعتبر مكتب مجلس شورى الدولة أنه يكفي إثباتا لقانونية تكليف أعضاء المجلس القضاة في مهام استشارية في الوزارات الإحالة إلى المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة التي تنص حرفيا على الآتي: “يمكن لأعضاء مجلس شورى الدولة أن يشتركوا لمدة محدودة في أعمال تتفق مع مؤهلاتهم القانونية لدى الوزارات والإدارات أو المؤسسات العامة أو البلديات أو أن يكلفوا بمهمة في الخارج. يجري التكليف بقرار من رئيس مجلس شورى الدولة”.

إلا أن هذا الأمر غير صحيح للأسباب الآتية:

أولا، أن هذه المادة تفترض أن تكون مدة التكليف محدودة. إلا أن ما كشفه وزير التربية الوطنية (وهو غيض من فيض) يظهر أن بعض التكليفات وصلت مدتها إلى 17 سنة، علما أن عددا من القضاة الإداريين عمد إلى مراكمة التكليفات ومعها مراكمة الأتعاب المحصلة من جرائها على طول مسارهم المهني. وإذ فرض عليهم ذلك تخصيص طاقاتهم الأهم للعمل الإستشاري مقابل انحسار طاقاتهم المخصصة للعمل القضائي، فإنه خولهم في حالات كثيرة مضاعفة رواتبهم الأساسية خمس مرات أو أكثر.

ثانيا، أن هذه المادة تفترض أن يحصل التكليف بقرار من رئيس مجلس شورى الدولة. إلا أنه أمكن رصد مؤشرات عدة (آخرها ما كشف عنه الوزير المجذوب)، قوامها اكتفاء هذا الأخير بإعطاء تكليف عام لمهام استشارية لدى وزارة معينة من دون تحديد ماهيتها، على أن تتولى الوزارة فيما بعد تكليف القاضي بمهام استشارية عدة، مع تخصيص بدل لأداء كل منها. وهذه الممارسة التي أسميناها “التكليف على التكليف”.

ثالثا، انطلاقا من ذلك، تمّ رصد تكليف عدد من القضاة بمهامّ لا تأتلف مع مؤهلاتهم القانونية، وأحيانا كمستشارين في لجان يشتبه بفسادها مما انعكس بشكل سلبي جدا على ثقة الناس بالقضاء. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو تكليف وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق أحد قضاة مجلس شورى الدولة ليكون رئيس لجنة فنية لفض العروض وتقييمها في مناقصة معاينة الميكانيك.

رابعا، أن تكليف بعض القضاة بناء على تكليفهم الأساسي تطور في اتجاه توقيع الإدارات العامة عقودا معهم، كل ذلك من دون الرجوع إلى مجلس شورى الدولة أو إلى أي مرجع آخر. وهذا ما حصل بخصوص القضاة المكلفين في وزارة التربية العامة حيث تم وصف الوزير بأـنه صاحب العمل كما تم وصف القاضي بأنه الملتزم، بما يتعارض تماما مع مبدأ استقلال القضاء ومع نص المادة 15 التي استند إليها مكتب المجلس وروحيتها.

خامسا،ـ أن بدل التكليفات التي كشف عنها المجذوب والمدفوع بعملة الدولار (وفق العقد) يصل إلى 5000 د.أ (أشار العقد أنها بالعملة الصعبة) وهو يتجاوز تاليا بكثير للحدّ الأقصى الذي يسمح به قانون الموازنة العامة لسنة 2019 والذي حدده ب 3 مرات الحد الأدنى للأجور أي ما يعادل مليونين وخمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية. وهذا ما نقرأه بوضوح كلي في المادة 72 من قانون الموازنة العامة التي نصت حرفيا تحت عنوان ” تحديد سقف المبالغ المدفوعة للقضاة لقاء خدماتهم في الإدارات العامة” على الآتي: “يُحدّد سقف مجموع المبالغ الشهرية التي تدفع للقضاة كبدلات أتعاب عن الخدمات التي يقدمونها للإدارات والمؤسسات العامة كاستشارات وما شابه بحسب القوانين المرعية الإجراء بثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور كحد أقصى”.

وهذه الواقعة لا تستدعي فقط فتح تحقيق مع القضاة الذين تقاضوا هذه المبالغ خلافا للقانون وللأخلاقيات القضائية، إنما أيضا وبشكل خاص فتح تحقيق بشأن النظام المعتمد لدى مجلس شورى الدولة للتثبت بأن الأتعاب التي يتقاضاها قضاة المجلس تبعا للتكليفات الحاصلة منه لا تتجاوز هذا الحد الأقصى. ومرة أخرى، أكرر ما قلته في مقالي السابق أن هذه الحادثة تفرض حكما على رئاسة مجلس شورى الدولة وهيئة التفتيش القضائي وديوان المحاسبة (وأيضا وزارة المالية) إجراء تحقيقات حول مدى التزام الإدارات العامة بالحدّ الأقصى الذي حدّده قانون الموازنة العامة 2019 والحيل المستخدمة لتجاوزه.

لهذه الأسباب كافة، فإن ما ورد في بيان المكتب لجهة أن التكليفات الحاصلة إنما هي تحصل وفق القانون، هو قول يجانب الحقيقة في الكثير من الحالات.

 

2- في مخاطر ممارسة التكليف على استقلال القضاء وحياديته

إلى جانب تعارض هذه التكليفات مع أحكام قانونية عدة، فمن الثابت مدى تعارضها مع جلّ ما أؤتمن عليه مكتب مجلس شورى الدولة وقوامها تأمين حسن سير عمل القضاء الإداري وهيبته واستقلاليته ونزاهته. وهذا ما أشرنا إليه في مقال سابق حيث أثبتنا أن من شأن هذه التكليفات أن تؤدي بفعل توسعها وانتشارها إلى نسف استقلال القضاء ومجمل الفواصل بين القضاء والإدارة ونشوء تضارب مصالح لدى عدد كبير من القضاة. فبدل أن تقوم الإدارات العامة بأعمالها تحت إشراف القضاء الإداري ورقابته وربما بعد استشارته، يقود “التكليف بأعمال” إلى دمج القضاة الإداريين المكلّفين ضمن فرق عملها وعملياً استتباع من يفترض به أن يراقبها. وبالإضافة إلى التأثير السلبي لهذه التكليفات على الطاقات المتوفرة لأداء العمل القضائي، فإن من شأن منحها أو حجبها بإرادة رئيس مجلس شورى الدولة كما من شأن توسيعها أو تضييقها بإرادة الإدارات العامة وحدها، أن يتحوّل إلى أداة لإغراء القضاة “المنسجمين” مع رئاسة المجلس أو القوى الحاكمة أو لمعاقبة القضاة المستقلين. ومؤدى كل ذلك ليس فقط نسف ثقة الناس بالقضاء واستيلاد ارتياب مشروع بحياديته، بل علاوة على ذلك نسف الثقة بين قضاة المجلس أنفسهم وبث روح التنافس والفرقة فيما بينهم.

 

3- الثقة بالقضاء تكتسب بشفافية القضاء وإصلاحه وليس بالتعتيم على أوجه الخلل فيه

الملاحظة الثالثة تتصل بتوجس مكتب مجلس الشورى حيال التغطية الإعلامية إلى درجة تضمين بيانه تحذيرات متكررة حيالها. وفيما تعكس هذه التحذيرات المواقف النمطية للقضاء في هذا المضمار، فإنه اكتسى بعدا آخر، قوامه اعتبار وزير التربية المجذوب ملزما بموجب التحفظ بالنظر إلى أنه قاضٍ في مجلس شورى الدولة، وتاليا مسؤولا عن أي إخلال به. هذه التحذيرات مقلقة جدا للأسباب الآتية:

  • أنها تشكل تنكرا لحرية الإعلام من قبل مكتب مجلس يفترض قانونا أن يكون المرجع القضائي لحماية هذه الحرية حيال أي تعسف من قبل السلطة الحاكمة. وقد أخذ التنكر لهذه الحرية أبعادا خطيرة مع إنكار حق الإعلام بالتعليق على أي قضية ما تزال عالقة أمامه، وضمنا على قرارات مجلس الشورى غير النهائية كقراره بوقف تنفيذ قرار المجذوب بإلغاء تكليف د.ة ندى معويجان كرئيسة للمركز التربوي للبحوث والإنماء. علاوة على ذلك، أبدى المجلس اعتراضه على أي مساءلة إعلامية لأي من قضاته بمعزل عن مدى صحتها، وذلك بحجة المحافظة على سمعة القضاة وثقة الناس بهم وأن المساءلة الوحيدة المقبولة تجري فقط من قبل المرجع الذي كلفه. وهذه المواقف إنما هي مقلقة جدا وتتجاهل مجمل التطور الحاصل مؤخرا بفعل صدور قوانين مكافحة الفساد (ومنها قانون حق الوصول للمعلومات وقانون حماية كاشفي الفساد وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام) في اتجاه تكريس مبدأ الشفافية في مجمل المؤسسات والإدارات العامة، بما فيها القضاء.
  • أنها تشكل مؤشرا آخر شديد الخطورة على موقف مكتب المجلس إزاء حرية القضاة بالتعبير. ففيما تتجه مواثيق أخلاقيات القضاة عالميا (وأهمها وثيقة بنغلور للأخلاقيات القضائية) إلى توسيع حرية القضاة في التعاطي في الشؤون العامة وتاليا إلى حصر مفهوم موجب التحفظ للقاضي في الحالات التي يُستشفّ منها تجاوز مبدأ الحيادية في القضايا الممعروضة عليه، يأتي مكتب المجلس ليوسع من هذا المفهوم ليتحول إلى موجب صمت وليشمل القضاة الذين يديرون بصفتهم وزراء مرافق عامة ويفترض بهم إعلام الرأي العام بأوسع قدر من الشفافية بكل ما يقومون به. ومؤدى ذلك الوصول إلى نتائج عبثية قوامها منع الشفافية في إدارة المرافق العامة.
  • أنها تؤشر إلى أمر خطير وهو أن المكتب لم يجد حرجا في التلويح باتخاذ عقوبات مسلكية بحق كاشف فساد (هو في هذه الحالة الوزير المجذوب) بدل الإلتزام بحمايته طبقا لقانون حماية كاشفي الفساد. ومن شأن هذا الأمر أن يشكل مخالفة صريحة للمادة 7 من قانون كاشفي الفساد، وهي مخالفة يتعرض من يرتكبها لعقوبة الغرامة المنصوص عليها في المادة 11 من القانون المذكور والتي تصل إلى مائة مليون ليرة لبنانية.

ولا يرد على ذلك أن كشف الفساد يتم حصرا من خلال الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والنيابة العامة وليس في الإعلام، لوضوح المادة 16 من القانون المذكور والتي أحالت إلى المادة 387 من قانون العقوبات لتبرير الذم بأحد الأشخاص (فضح فساد إعلاميا) إذا كان موضوعه عملا يتعلق بفساد قام به موظف، ويثبت صحته. وهي مادة تضمنها القانون لغاية التأكيد على تغليب الكشف على الفساد كلما كان صحيحا، ولو أدى ذلك للتضحية بسمعة الموظف أو القاضي الذي يكون بذلك نال جزءا من جزائه.

  • وأسوأ ما في ذلك أن مكتب المجلس يبدي حرصه هذا على التعتيم على أعمال المجلس وأداء قضاته في الإدارات العامة في موازاة غياب تام للشفافية داخله في مجمل أعماله الإدارية وضمنا التكليفات، حيث ليس للمجلس أي سجل للتكليفات ولا للأتعاب المتصلة بها والتي يتقاضاها القضاة. فكأنما يهدف المكتب بنتيجة ذلك تأبيد التعتيم في مجمل هذه المجالات.

تبعا لكل ذلك، وبدل أن يسعى المكتب لتعزيز الشفافية داخل القضاء بما يعزز الثقة به، بدا أنه على العكس من ذلك تماما يبرر المحافظة على السمعة والثقة بمزيد من العتمة. وفي ذلك، قارب البيان هنا أيضا قمة العبث.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *