قراءة مختلفة بشأن تعطيل الدستوري لتغيب ثلاثة من أعضائه: أبواب الاجتهاد ليست مغلقة


2013-06-18    |   

قراءة مختلفة بشأن تعطيل الدستوري لتغيب ثلاثة من أعضائه: أبواب الاجتهاد ليست مغلقة

نجيب فرحات
فيما بدا الجميع وكأنه يسلم أنه ليس بوسع المجلس الدستوري تجاوز تعطيل النصاب الحاصل بفعل تغيب ثلاثة من أعضائه عن حضور جلساته، تنشر المفكرة هنا رأيا قانونيا يذهب في اتجاه معاكس لتخويل المجلس استكمال أعماله صونا لحق التقاضي. فأبواب الاجتهاد ليست مغلقة حتما وربما يتعين فتحها ضمانا لهذا الحق (المحرر).    
تعليقاً على تقويض عمل المجلس الدستوري بسبب تعطيل نصابه من قبل ثلاثة من أعضاءه ما حال دون نظره بالطعنين المقدمين بدستورية القانون رقم 246 تاريخ 1/6/2013 الرامي إلى تمديد ولاية مجلس النواب كان لا بد من تسليط الضوء على ما يلي:
من المعلوم أن تحديد نصاب انعقاد جلسات المجلس الدستوري قد رعته المادة الحادية عشرة من قانون إنشاء المجلس الدستوري رقم 250 تاريخ 14/7/1993 وتعديلاته التي تنص: «يجتمع المجلس الدستوري، بناء على دعوة من رئيسه أو من نائبه في حـال غيابه في الحالات المنصوص عليها في هذا القانون، ويتم تبليغ موعد الجلسة بالطرق الادارية.
كما يجتمع المجلس استثنائيا بناء لطلب ثلاثة من أعضائه.
ولا يعتبر المجلس منعقدا بصورة أصولية إلا بحضور ثمانية أعضاء على الأقل».
إلا أن هذا النص لا يمكن قراءته بمعزل عن بقية نصوص القانون المشار إليه عملا بالقواعد الراسخة في مجال تفسير القوانين، وفي هذا المجال تنص المادة السابعة عشرة من القانون نفسه على أن: «يعد المجلس الدستوري نظامه الداخلي الذي يتضمن، بالإضافة إلى المواضيع المنصوص عنها في بعض مواد هذا القانون، القواعد والأصول التي يخضـع لها سير العمل لديه تنفيذا لاحكام هذا القانون.يجب أن يقترن النظام الداخلي بموافقة مجلس الوزراء وأن يصدر عن مجلس النواب بموجب قانون».
وبالفعل فقد صدر النظام الداخلي المقصود بالمادة الواردة أعلاه وذلك بمقتضى القانون رقم 243 تاريخ 7/8/2000 والذي تضمن الأحكام التفصيلية لقانون إنشاء المجلس الدستوري لا بل تضمن في بعض نصوصه أحكاماً متعارضة مع قانون إنشاء المجلس الدستوري.
ومن ضمن هذه الأحكام نص التاسعة عشرة من قانون النظام الداخلي للمجلس الدستوري التي تنص:
«يعتبر مستقيلاً حكماً:
–   العضو الذي يتغيب عن حضور ثلاث جلسات متتالية من دون عذر مشروع.
 
يثبت التبليغ والغياب في كل مرة في محضر الجلسة التي يتغيب عنها.
–   العضو الذي يخالف الحظر المفروض على اعضاء المجلس الدستوري بموجب المادة الثامنة من هذا القانون. تثبت المخالفة بموجب تحقيق يجريه الرئيس شخصياً او بواسطة احد اعضاء المجلس، وينظم به محضر يعرض على الهيئة العامة، ويحفظ لدى الرئيس بعد اقراره من قبلها».
وكانت المادة الثامنة من القانون نفسه قد نصت:« لا يجوز الجمع بين عضوية المجلس الدستوري ورئاسة او عضوية الوزارة او مجلس النواب، ورئاسة او عضوية مجلس ادارة مؤسسة عامة او خاصة، ولا الجمع بينها وبين اي مهنة او عمل مأجور، باستثناء التعليم الجامعي والمشاركة في المؤتمرات والنشاطات العلمية بعد موافقة رئيس المجلس خطياً.
يتعين على أعضاء المجلس الدستوري، خلال مدة عضويتهم التقيد بموجب التحفظ في اقوالهم وأعمالهم، وتجنب كل ما من شأنه المس بالثقة أو الاعتبار أو الاخلال بمقتضيات مهامهم. ويتوجب عليهم المحافظة على سر المذاكرة».
كما تبع هذين النصين نص المادة التاسعة والثلاثين من ذات القانون التي نصت أنه: «الاضافة الى ما ورد في المادة التاسعة عشرة من هذا القانون، يعتبر مستقيلاً حكماً العضو الذي يتخلف من دون عذر مشروع تقدره الهيئة العامة عن متابعة المذاكرة التي شارك فيها او يمتنع عن توقيع القرار الصادر بنتيجتها».
ومن الواضح أن هذه المواد تسمح باختصار ولاية أعضاء المجلس ما يتعارض تعارضاً واضحاً مع ما جاء في المادة الرابعة من القانون 250/1993 المعدل التي تفيد: «مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري ست سنوات، غير قابلة للتجديد، ولا يجـوز اختصار مدة ولاية أي منهم»، ما يجعلها معدلة لها بشكل ضمني.
كما أن مفاعيل تطبيق هذه النصوص لا بد وأن تنسحب على المادة الحادية عشرة من قانون إنشاء المجلس الدستوري التي تحدد نصاب انعقاده وذلك مرده إلى أن تطبيق مآل هذه المواد يستند إلى أسباب زجرية تأديبية استوجبتها مخالفة الأعضاء المستهدفين بأحكامها واجباتهم بحيث يستحيل بعد ذلك إشراكهم في أعمال المجلس وذلك بصراحة نص المادة الرابعة من قانون النظام الداخلي للمجلس الدستوري التي حصرت حكم استمرار الأعضاء في ممارسة أعمالهم بالمجلس بالحالة التي تنتهي فيها المدة القانونية لولايتهم فقط وعلى سبيل الحصر وليس في حال استقالتهم أو إقالتهم إذ تنص المادة المذكورة:«عند انتهاء الولاية، يستمر الأعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة أعمالهم الى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين».
كما وأنه في حالة الإقالة سنداً للمادة 39 من قانون النظام الداخلي تبدو الأمور أكثر وضوحاً إذ أن هذه المادة بورودها في نص خاص مستقل عن المادة التاسعة عشرة تظهر حالة خطيرة وهي تخلف عضو المجلس من دون عذر عن متابعة المذاكرة التي شارك فيها او امتناعه عن توقيع القرار الصادر بنتيجتها ما يفرض إقالته أي إخراجه من الهيئة الحاكمة للمجلس وعدم الإعتداد بمشاركته أو بتوقيعه وإلا فما الغاية من وجودها؟
وهذا ما يجعل نص المادة الحادية عشرة سالفة الذكر غير ذي جدوى عند إعمال نصوص الإقالة ـ فمحل هذه المادة يكون فقط عندما تكون هيئة المجلس الدستوري مكتملة بأعضائها العشرة، ما يستنتج منه أن هذه المادة قد ألغيت ضمناً بقانون النظام الداخلي للمجلس الدستوري رقم 243/2000 لا سيما مادته الثانية والستون التي تنص على أن: «تلغى جميع النصوص المخالفة لأحكام هذا القانون او المتعارضة معه».
وإن القول بغير الرأي المتقدم يؤدي إلى تفريغ نصوص النظام الداخلي من مفاعيلها كما إلى معاقبة كامل هيئة المجلس الدستوري على أخطاء بعض أعضائها وهو أمر لا يستوي منطقاً وقانوناً ويتعارض صراحة مع قرار المجلس الدستوري رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2000 الذي أقر مبدأ عدم جواز تعطل أعمال المجلس الدستوري تحت أي ظرف كان.
وعليه يتبين أنه بإمكان المجلس الدستوري الحالي أن يبت بالطعن المقدم له بقانون التمديد بنصاب مؤلف من سبعة أعضاء فقط شرط أن يعلن قبل ذلك اقالة أعضائه الثلاثة المتخلفين عن الإستمرار بالمذاكرة التي كانوا بدأوها في السابق وذلك بمحضر رسمي كما تفرض المادتين 19 و39 من نظامه الداخلي، ومن ثم وعند نظره في الطعن الراهن يثير المسألة الحاضرة كمسألة اعتراضية كما فعل في قراره رقم 1/2005 عندما بت باختصاصه للنظر في دستورية القانون رقم 679/2005 الذي كان ينص على أن «يؤجل النظر في النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله».
ولا ضير في ذلك طالما أن القرارات الصادرة عنه تتمتع بقوة القضية المحكمة وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية.كما أنها مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية أو غير العادية بحسب المادة 13 من قانون إنشائه.
وطالما يعود له من نحو آخر تفسير الدستور أثناء نظره بالمراجعات المقدمة إليه طعناً بدستورية القوانين فيعود له من باب أولى أن يفسر القانون ويظهر النصوص الملغاة وغير الملغاة منه لأن القاعدة المسلم بها أن"من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل".
لذلك فإنه يمكن للمجلس الدستوري:
1-  أن يعلن إقالة أعضائه الثلاثة المتغيبين والممتنعين عن استكمال المذاكرة بمحضر رسمي حسبما يفرض قانون نظامه الداخلي،
2-  التصدي لمراجعة الطعن بدستورية قانون التمديد لمجلس النواب بهيئته الحالية المؤلفة من سبعة أعضاء على أن يعالج في قرار البت بالطعن مسألة إلغاء المادة 11 من قانون إنشائه كمسألة إعتراضية قبل البحث بمضمون الطعن المقدم إليه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية