قراءة لقرار شورى الدولة الفرنسي حول تدابير الحدّ من انتشار كورونا: أي دروس لحماية الحقوق والحريات الأساسية في لبنان؟


2020-04-02    |   

قراءة لقرار شورى الدولة الفرنسي حول تدابير الحدّ من انتشار كورونا: أي دروس لحماية الحقوق والحريات الأساسية في لبنان؟

في ظلّ إنتشار فيروس كورونا (Covid-19) في جميع البلدان، سارعت السلطات العامّة في العديد منها إلى إقرار وتنظيم وسائل للحدّ من إنتشاره. من أبرز القرارات التي أقرّت في أغلب البلدان نظرا لفعاليتها المثبتة في الحدّ من إنتشار الفيروس هو قرار التباعد الإجتماعي والذي تترجم العديد منها في إلتزام المواطنين بالحجر المنزلي. في هذا السياق، اتّخذ رئيس مجلس الوزراء الفرنسي في 16/03/2020، مرسوماً ألزم فيه المواطنين المكوث في المنزل مع عدّة استثناءات منها إمكانيّة الخروج لأسباب عائليّة، أو لممارسة الرياضة شرط أن تكون هذه الممارسة منفردة، من دون أن يقيّد هذه الإستثناءات بشروط محددة. كما سمح المرسوم بتنظيم الأسواق المفتوحة Marchés à ciel ouvert.

على إثر ذلك، طلبت إحدى نقابات الأطباء الفرنسية وهي Jeunes médecins  من مجلس شورى الدولة الفرنسي، بصفته قاضي العجلة لحماية الحريّات، إلزام رئيس الوزراء بتشديد التدابير المتخذة للحدّ من إنتشار كورونا وفرض الحجر المنزلي التام دون أي من الإستثناءات الملحوظة في المرسوم. وصدر قرار هذا المجلس بتاريخ 22/03/2020، بقبول الطلبات جزئيا. وإذ رفض طلب إلزام السلطة الإجرائيّة بفرض الحجر المنزلي التامّ، إلا أنه فرض عليها إعادة النظر بالإستثناءات الملحوظة في المرسوم الأساسي وتحديدها بشكل أكثر وضوحاً.

يهمّنا قرار مجلس شورى الدولة الفرنسي هذا على أكثر من صعيد، إذ أنه يظهر ثغرات في المنظومة القضائية اللبنانية بشأن حماية الحقوق والحريات الأساسية.

فنذكّر أنه وفي لبنان شكّل قرار التعبئة العامّة الذي أقرّ بالمرسوم رقم 6198/2020 الصادر عن مجلس الوزراء والمنشور بتاريخ 15/03/2020، السند لاتخاذ عدد من التدابير اللاحقة، بعضها مقيد للحريات، في إطار مكافحة انتشار فيروس كورونا. وينصّ المرسوم على "وجوب إلتزام المواطنين البقاء في منازلهم وعدم الخروج منها إلاّ للضرورة القصوى". كما نصّ المرسوم على إقفال الإدارات والمؤسسات العامّة والبلدية والمصالح المستقلة والجامعات والمدارس الرسمية والخاصة باستثناء البعض منها لتلبية حاجات المواطنين، وتعليق العمل في الشركات والمؤسسات الخاصة والمحلات التجارية على إختلافها ومكاتب أصحاب المهن الحرّة مع مراعاة الضرورة القصوى المرتبطة بالعمل بالتنسيق مع نقابات المهن الحرّة هذه. وتكون عملياً الحكومة، ومن خلال هذه التدابير، قد قيّدت حرّيتين أساسيتين هما حق التجوّل المصان في المادة 13 من الإعلان الدولي لحقوق الإنسان المشار إليها في مقدمّة الدستور، وحريّة التجارة والصناعة المصانة في البند "و" من مقدمّة الدستور . وبرّر هذا التقييد بمقتضيات حماية الصحّة العامّة. وقد عاد رئيس الحكومة اللبنانية حسّان دياب من ثم ليفرض إغلاق المؤسسات حتى المسموح لها في العمل كالمؤسسات الغذائية خلال ساعات الليل مع استثناء بعضها كالصيدليات والأفران والمطاحن. كما منع الخروج والولوج إلى الشارع، الأمر الذي تترجم في منع تجول فعلي، خلال ساعات الليل، من دون أن يقدّم أي إيضاحات لحرية التجول كما جاءت في مرسوم التعبئة، في ساعات النهار تحديدا.

وقبل التوسّع في التعليق على قرار مجلس شورى الدولة الفرنسي، يجدر التذكير أنّه يجوز قانونيا وإجتماعيا تقييد بعضّ الحريّات وذلك في حالات إستثنائيّة. فتلحظ مثلا المادة 15 من الشرعة الأوروبيّة لحقوق الإنسان إمكانيّة إتخاذ تدابير تخالف الحقوق المصانة في الوثيقة في الحالات الطارئة état d’urgence. وقد اعتُبر إنتشار فيروس كورونا إحدى هذه الحالات، حيث دفع بست دول أعضاء من مجلس أوروبا إلى اللجوء إلى المادة 15 من الوثيقة لتعليق بعض الموجبات المتعلّقة بالوثيقة. وهذا الإستثناء ليس سوى تطبيق لنظريّة الأوضاع الإستثنائيّة circonstances exceptionnelles التي طوّرها مجلس الشورى الفرنسي، والتي تمنح السلطات الإجرائيّة وخاصة الضابطة الإداريّة  police administrativeفي تلك الأوضاع صلاحية إتخاذ تدابير إستثنائية تخرج عن الشرعية وقد تمّس حتى بالحريّات[1]. غير أنّ قبول تقييد الحرّيات هذا يترافق مع شرطي مراقبة قرار إصداره في مرحلة أولى، وكيفية تطبيقه في مرحلة ثانية. فالقاضي الإداري الفرنسي الذي كان أوّل من طوّر هكذا إستثناء، فرض رقابة على هذه التدابير الإستثنائية. وهذه الرقابة هي نفسها تلك التي يطبّقها على جميع قرارات الضابطة الإداريّة، أي التأكّد من معياري الضرورة والتناسب. بمعنى آخر لا يعدّ تقييد الحريّة العامة مقبولاً إلا إذا كان ضرورياً نظرا للأهداف التي يتبعها، ومتناسباً في مداه مع هذه الأهداف[2].

 

موجبان على عاتق الإدارة:"وضوح القرارات المقيدة للحريات" و"تبليغ منتظم" للمواطنين

من أهمّ ما جاء في القرار الفرنسي، التذكير بموجب السلطة التنفيذيّة بإصدار تدابير واضحة. وكان القرار الأساسي الصادر عن رئاسة الحكومة في 16/03/2020 نصّ كما ذكرنا على تقييد حرّية التنقل أو تجول، واضعآً بعض الإستثناءات على ذلك. وجاءت معظم الإستثناءات مبرّرة بالمصلحة العامّة، كالتنقّل للذهاب إلى العمل في القطاعات التي لا يمكن التخلي عن نشاطها (كالطبابة أو صناعة الأدويّة…). لكن الإستثناء الذي أثار الجدل هو ذلك المتعلّق ب "تنقلات قصيرة حول مكان السكن لممارسة الرياضة". فإعتبر مجلس شورى الدولة أنّ هذا الإستثناء واسع جدّا بالنظر إلى مقتضيات حماية الصحّة العامّة التي تفرض الحدّ من التنقّل للحدّ من إنتشار الفيروس. وذكّرت الهيئة القضائية أنّ الإدارة تكون متقاعسة عن موجباتها إذا أصدرت قرارات غير واضحة قد تؤسّس لإساءة في تفسيرها، أو تؤدي إلى تنفيذها بشكل غير متساوٍ على الجميع.

وبالإستناد إلى هذه الأسباب، خلص القرار إلى إلزام رئيس الوزراء باتّخاذ تدبير أكثر صرامة ووضوحاً، الأمر الذي حصل فعلياً بموجب قرار إتخذه هذا الأخير بتاريخ 24/03/2020. فبعدما أبقى على الإستثناء الذي يتيح السير أو الركض لممارسة الرياضة، وضع قيوداً زمنية وجغرافية، أي أن يحصل ذلك بحدود ساعة واحدة في النهار ومن دون الإبتعاد أكثر من كيلومتر واحد عن مكان السكن. إضافة إلى ذلك، ذكّر القاضي في نهاية قراره بموجب السلطات بإبلاغ المواطنين بجميع التدابير المتخذة بإنتظام وبشكل مستمّر وبكافة وسائل الإعلام المتاحة.

أما في لبنان، فمن الواضح أن السلطات لم تحترم أياً من هذين الموجبين. أولا بالنسبة إلى موجب الوضوح، لم يكرّس مجلس الوزراء منعاً صريحاً وعاماً للخروج من المنزل، إنما وضعه في سياق "مسؤوليّة أخلاقيّة"، على حدّ تعبير وزير الصحة حمد حسن[3]. وإن كنّا أمام موجب أخلاقي، فكيف تبرّر محاضر الضبط التي سطّرت بحق المواطنين حتى قبل نشر المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء في الجريدة الرسميّة، الذين كانوا يتجوّلون؟ وهل تستند هذه الغرامات إلى أساس قانوني صحيح[4]؟ هذا فضلا عن أن الحكومة لم تعرّف أبداً مفهوم الضرورة القصوى التي تبرر الخروج من المنزل من منظورها أو آلية تحديدها. ويفيدنا كل ما سبق بفشل السلطات في إبلاغ المواطنين بالتدابير المتخذة بشكل واضح و كافٍ.

في الاتجاه نفسه، ذهب قرار رئيس مجلس الوزراء حين منع كلياً "الخروج والولوج إلى الشوارع" في ساعات الليل  من دون أي تفسير أو تعليل، مما أثار العديد من التساؤلات حول فعاليّة منع التجوال الليلي وحقيقة الحاجة إليه.

 

الدور الرقابي الضروري للقضاء الإداري

يسلط قرار مجلس الشورى الفرنسي الضوء على ضعف الأدوات في لبنان لمواجهة قرارات السلطة التنفيذيّة، خاصة في الحالات الطارئة. ففي فرنسا، أنشأ القانون رقم 597/2000 مراجعة عاجلة أمام المحاكم الإدارية، منها تحديداً في حالات العجلة المتعلّقة بالتعدي على الحقوق والحريّات، وهي المراجعة التي لجأ إليها المتقاضون في القضية الراهنة، لطلب حماية حقّ المواطنين بالحياة عبر التشدّد في تقييد حقّ التجوّل. تتيح العجلة المتعلّقة بالتعدي على الحقوق والحريّات للقاضي الإداري، أن يتخذ جميع التدابير الضرورية التي من شأنها وقفه. . ويعود للقاضي في نطاق هذه المراجعة، أن يتأكّد من معياري الضرورة والتناسب. فقد يجد القاضي أنّ المسّ بحريّة ما قد يكون مبرّراً نظرا للهدف الذي تبتغيه الإدارة. في القرار موضوع تعليقنا، اعتبر المتقاضون أنّ تدابير الإدارة ليست كافيّة لحماية حقّهم بالحياة، ولذا إعتبروا أنّ على الإدارة أنّ تتخذ تدابير أكثر صرامة لحماية هذا الحقّ. في المقابل، اعتبر القاضي، بعد تعداد جميع التدابير المتخذة ومدى تكيّف الإدارة مع تطوّرات الأوضاع، أن الحقّ بالحياة محمي بشكل كاف من قبل السلطات، وإن طلب بتوضيح بعض مضامينها حرصا على تحقق مبادئ التناسب والضرورة والمساواة أمام القانون.

للأسف، هذه المراجعة المستعجلة غير متوفّرة في لبنان. فلا ينصّ نظام مجلس شورى الدولة على إمكانية توفّر حالة عجلة متعلّقة بالتعدي على الحريّات. كما لا ينصّ على إمكانية توفّر حالة عجلة تستدعي وقف التنفيذ، وهي حالة ينظّمها القانون الفرنسي أيضاً، وهي تسمح أيضاً بالحدّ من تعدّي السلطة التنفيذيّة على الحريّات.

أبعد من ذلك، يمنع نص المادة 77 من نظام مجلس شورى الدولة صراحة وقف التنفيذ بناء على طلب المستدعي في مراجعات إبطال المراسيم التنظيمية أو القرارات، إذا كانت متعلّقة بالصحة العامة. كما يمكن ملاحظة انكفاءأ القاضي اللبناني أو تردده إجمالاً عن إجراء امتحان لمدى تناسب قرارات السلطة التنفيذيّة مع أهدافها المعلنة ومدى ضرورتها، خاصة إذا اقترنت هذه القرارات بحساسية ما لدى الرأي العام – كما هي الحال في قرارات التصدي لانتشار فيروس كورونا –، وإكتفاؤه بالتأكّد من عدم وجود خطأ فادح في التقييم Erreur manifeste d'appréciation اقترفته الإدارة، وهو الحدّ الأدنى من الرقابة الممكنة على القرارات الإدارية[5].

 

خطر محدق من الإنزلاق نحو نظام قمعي

تبرز المراجعة المقدّمة من إحدى نقابات الأطباء الفرنسية أمام مجلس شورى الدولة الفرنسي أمرا أساسياً على الصعيد الإجتماعي: فطلب النقابة ينمّ عن تشديد التدابير المتخذة من قبل السلطة الإجرائيّة على نحو يحدّ من حريّة التنقل وغيرها من الحرّيات بشكل ملحوظ وربما غير مسبوق فرنسيا، في سبيل حماية الصحة العامّة وتبعا لذلك الحق بالحياة، عن ثقة المجتمع الفرنسي بالنظام واحترامه للحرّيات والحقوق، وإنعدام الخوف من إستدامة هذا التقييد للحريات ما بعد الفترة الإستثنائية التي تفرض محاربة تفشي فيروس كورونا. تنبع الثقة المجتمع الفرنسي أوّلا من تجربته الحديثة مع إقرار حالة الطوارئ التي أعقبت العمليات الإرهابيّة في عام 2015 والتي أبرزت دور القاضيين الإداري والدستوري المحوري في مراقبة الإجراءات التي تتخذها السلطة التنفيذيّة. إلى جانب فعالية نظام الرقابة القضائيّة، يؤثر عامل ثانٍ في بناء هذه الثقة، وهو توافر المعلومة/الوصول إلى المعلومات بشكل واسع، حيث يساهم عدد المنشورات المتعلّقة بآثار كورونا على الحريّات العامّة على تكوين وعي مجتمعي بالحقوق والحرّيات الأساسية والمخاطر التي قد تحملها التدابير المتّخذة عليها، وبالتالي امكانية للمجتمع بالتصدي الفعّال لأي تعدٍّ غير مقبول عليها[6].

يختلف الوضع تماماً في لبنان. فمن يتجرأ على الطلب من السلطات تشديد التدابير المتخذة والزيادة من تقييد الحرّيات العامة؟ فلا ثقة باحترام النظام لهذه الحرّيات وضمان العودة إلى احترامها بشكل تام مع إنتهاء الحالة الإستثنائية، تحديداً بغياب قضاء مستقّل وفعّال.

وما يزيد من قابلية الشكّ بهذا النظام، هو اليقين بأن السلطة والنظام ينتظران أوّل فرصة للرجوع إلى حالة ما قبل 17 تشرين. فقد شكّلت الأزمة الناتجة عن فيروس كورونا أفضل فرصة لإسترجاع النظام قوّته[7] من خلال إستغلال خوف المجتمع وهشاشته الإقتصاديّة التي تزداد مع التدابير المتخذة (نظرا لخسارة العديدين وظائفهم أو جزء من معاشاتهم). والدليل الأبرز على ذلك قيام القوى الأمنية في ليل 27/03/2020 بتحطيم الخيم التي كان قد نصبها الثوار في كل من ساحة الشهداء ورياض الصلح بحجة الحدّ من "التعديات على الأملاك الخاصة وعلى المارة وبتوقيف النشاط غيث حمود يوم 29/03/2020 إثر وقفة احتجاجية في حلبا.  كما شهدنا من جهة أخرى استخدام السياسيين والأحزاب وأصحاب المصارف الأزمة المستجدة لتلميع صورهم، من خلال تقديم المساعدات والتبرعات، وإعادة إحياء ثقافة العوز والصدقة والزبائنية بدل ثقافة المحاسبة وبناء الدولة التي أطلقتها ثورة 17 تشرين.

 


[1] قرار مجلس شورى الدولة الفرنسي بتاريخ 28/02/1919 السادتان دول ولوران، قرار متعلّق بقرارات صادرة عن الضابطة الإدارية مسّت بحريّة التجوّل

[2] Fiches d’orientation-Circonstances Exceptionnelles, Dalloz Septembre 2019

[3]  أنظر عن الطابع الأخلاقي هذا: كريم نمّور، كيف نحد من تفشي الكورونا وتداعياته بشكل مستدام (الهلع والقانون في زمن الكورونا 2)، موقع المفكرة القانونيّة الإلكتروني 25/03/2020

[4]  يشير تعليق كريم نمّور المشار إليه أعلاه إلى عكس ذلك

[5] غيدة فرنجيّة، شورى الدولة يضحي بحريّات أساسيّة على مذبح النظام، المفكرة القانونية، العدد 9، أيّار 2013، ص.3

[6] على سبيل المثال:

Catherine Vincent, « Les libertés publiques à l’épreuve du Covid-19 », Le Monde 21 mars 2020

«A l’air libre, épisode 5: nos libertés individuelles et les travailleurs oubliés », Médiapart  24 mars 2020

[7] مراجعة حلقة البودكاست القانوني للمفكرة القانونيّة مع الباحث جميل معوّض تحت عنوان "وظيفة الوباء والهلع في السياية"

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *