قراءة في نتائج استمارة حول الأخلاقيات القضائية: قضاة تونسيون كما يتصورون مهنتهم

،
2021-01-07    |   

قراءة في نتائج استمارة حول الأخلاقيات القضائية: قضاة تونسيون كما يتصورون مهنتهم
(ا ف ب)

حين تُقاس فضائل القاضي بمعايير واقعية

هنا، طرحنا عدداً من الأسئلة حول تصوّرات قضاة العيّنة عن أخلاقياتهم المهنية. وقد عبّرت إجاباتهم إلى حدّ كبير عن تصوّرات تنسجم من وجهة نظرهم (أو نظر غالبيتهم) مع ما تفترضه الوظيفة القضائية من سلوكيات، علما أن بعض هذه التصورات لم تحظَ بإجماعهم بل شهدَتْ انقساما واضحا فيما بينهم. وفيما أمكن التساؤل والجدل حول مدى انسجام بعض التصوّرات التي عبروا عنها مع نبالة الوظيفة القضائية، يبقى أنها تتميز بواقعيتها وربطها بما هو معقول، مع خلوّها من أيّ مبالغة أو إسراف في ادّعاء البطولة أو القداسة أو التجرّد التامّ. وهي تقطع من هذه الزاوية مع التصور المتخيل للقاضي المثاليّ والذي غالبا ما يكون بفعل مثاليته مُجرّدا عن أيّ قدرة بالتأثير على واقع العمل القضائي وهو واقع محفوف بالصعوبات والتحديات. وهذا ما نتبينه من مجموعة إجابات اتّصلت بمدى التزام القاضي بعمله أو تجرّده أو متطلّباته المالية أو قدرته على التصدي للتدخلات أو أيضا المسافة التي يتعين عليه المحافظة عليها في علاقته مع الآخرين.

 

  • بذل الجهد بصورة معقولة بعيدا عن ادعاءات التفاني ونكران الذات

 

ثمة أسئلة عدة وردتْ في الاستمارة من شأن الإجابات عليها أن تمنحنا إضاءات حول تصوّرات القضاة للجهد الذي يتعيّن عليهم بذله في إطار عملهم القضائي. وقد بيّنت هذه الإجابات ما اتفقوا أو اختلفوا عليه، فضلا عن نسبة اتفاقهم أو اختلافهم بشأنه.

 

إصدار الأحكام في تواريخها

أول الأسئلة في هذا المجال تمحْور حول مدى وجوب احترام القاضي تواريخ إصدار الأحكام المقررة منهم أو في القانون. وهنا طرحنا عددا من الفرضيات طالبين من القضاة تحديد ما إذا كانوا موافقين تماما أو إلى حد ما أو غير موافقين تماما أو إلى حد ما. وقد وافق 67% من قضاة العينة تماما أو إلى حدّ ما على الطرح القائل بأن هذا الواجب غير مطلق إنما يتم الإلتزام به “قدر الإمكان”. وفيما قطع القضاة بذلك مع منطق التفاني في العمل بما يتعدّى امكانات الإنسان العادي، فإنهم بالمقابل وافقوا على إحاطة عدم الاستجابة لهذا الموجب بمجموعة من الضوابط السلوكية: فقد وافق 66% من قضاة العينة تماما أو إلى حدّ ما على وجوب أن يكون أيّ تأجيل في إصدار الأحكام معلّلا ومعلنا وأن يراعي مبدأ إصدارها ضمن آجال معقولة. كما وافق 90% منهم تماما أو إلى حدّ ما على أن “واجب الاجتهاد والحياد الظاهري (يتطلب) من القاضي أن يصدر أحكامه في آجال معقولة ومع احترام التسلسل الزمني المقرر الذي يقطع الطريق أمام أي شك بأية محسوبية في إنجاز الملفات” ولم يعارض ذلك إلا 6%. وقد تأكّد شبه الإجماع على هذه القاعدة في حصيلة الإجابات على سؤال آخر ورد في الاستمارة، حيث أكدت غالبية كبيرة من القضاة “أنه في حال تقرر تأجيل إصدار الأحكام، فإنه يتوجب على القضاة احترام الترتيب الزمني المحدد مسبقا لإصدار الأحكام، وذلك احتراما لمبدأ المساواة بين المتقاضين” (حصل هذا الطرح على موافقة تامة أو إلى حدّ ما من 61% من القضاة فيما لم يعارض هذا الطرح إلا 9% علما أن نسبة عدم الإجابة بلغت 30%).

 

التفرغ التام للنشاطات القضائية؟

من الأسئلة المهمة في هذا الإطار أيضا، سؤالنا عن مدى تفرغ القضاة لوظائفهم القضائية وجواز قيامهم بأيّ نشاط آخر (غير قضائي) قد يشغلهم عنها أو يؤثر على إنتاجيتهم في أدائها أو يجعلهم أكثر اعتمادا على هذا النشاط لكسب العيش من اعتمادهم عليها. ومن البيّن أن الإجابات قطعت هنا أيضا مع منطق التفاني والتفرغ التام للنشاطات القضائية في اتجاه الاعتراف بما قد يكون للقاضي من إهتمامات فنية أو علمية معينة أو أي اهتمامات مشروعة أخرى تخوله القيام بنشاطات غير قضائية وتحصيل مداخيل إضافية، إنما ضمن ضوابط تفرضها أولوية وظيفته القضائية ومقتضياتها.

وعليه، وافقت غالبية العينة على طروحات عدة بشأن ماهية الأعمال غير القضائية الجائز القيام بها وردت في الاستمارة:

الطرح الأول الذي وافقت عليه غالبية ملموسة من القضاة أنه على القاضي أن يحصر التزاماته المهنية غير القضائية بنشاطات من شأنها توسيع آفاقه والسماح له بالاطلاع على مشاكل المجتمع بشكل مكمل للمعارف التي يستمدها من ممارسة مهامه القضائية (وقد وافق على ذلك تماما أو إلى حدّ ما 45% فيما لم يوافق على ذلك تماما أو إلى حدّ ما 12% وبلغت عدم الإجابة نسبة 43%). ويؤشر هذا الطرح إلى ربط مشروعية النشاط غير القضائي بما قد يرتبه من آثار إيجابية على العمل القضائي نفسه.

إلى ذلك، وافقت غالبية معتبرة من قضاة العينة على طرح ثانٍ نصّ “أنه على القاضي أن يحصر الوقت المكرّس لالتزاماته غير القضائية بشكل لا يمسّ واجب الحرص على ممارسة مهامه خصوصا لجهة احترام الآجال لإصدار الأحكام” (وقد وافق على ذلك تماما أو إلى حد ما 48% فيما لم يوافق على ذلك تماما أو إلى حد ما 9% وبلغت عدم الإجابة نسبة 43%).

كما نجد موافقة واضحة على طرح ثالث نصّ أنه “على القاضي الامتناع عن القيام بأي نشاط يمس باستقلاليته وحياديته وبمبدأ المساواة مع زملائه الآخرين (وقد وافق على ذلك تماما أو إلى حدّ ما 48% فيما لم يوافق على ذلك تماما أو إلى حد ما 8% وبلغت عدم الإجابة نسبة 44%).

وتؤشّر نسب الموافقة وعدم الموافقة على توجّس أقليّة مُعتبرة من القضاة إزاء القيود التي قد تفرضها القواعد الأخلاقية على القيام بنشاطات غير قضائية. ونلقى مؤشرا واضحا على أسباب هذا التوجّس في إجابات القضاة على مدى موافقتهم على “أنه لا يجب أن تتخطى العائدات الناتجة عن هذه النشاطات غير القضائية مجموع ما يحصله القاضي من وظيفته القضائية”. فهنا، لم ينحصر التوجس في أقلية بل توسّع لتصبح عدم الموافقة على الطرح غالبة بنسبة (30%) مقابل بلوغ الإجابات بالموافقة عليه (21%)، علماً أن عدم الإجابة ارتفعت هنا لتصل إلى نسبة 49%. واعتراض القضاة الكثيف على هذا الطرح بالذات إنما يعزز فرضية أن يكون توجّسهم ناجما ليس عن توقهم للقيام بنشاطات أخرى، بل بالدرجة الأولى عن عدم رضاهم بمستوى رواتبهم الحالية وحاجتهم ورغبتهم في زيادة مدخولهم من خلال القيام بنشاطات أخرى مشروعة. وهو توجس قد يقوى أو يضعف على ضوء تطوّر هذه الرواتب وقمتها الشرائية. ويلحظ أن هذه الحاجة لم تحُل دون موافقة غالبية كبيرة من القضاة على وجوب رفض أي خدمات مجانية أو هدايا سواء كانت مرتبطة بمهامهم القضائية أو كان من شأنها التأثير على حيادهم واستقلاليتهم بنظر مراقب متزن. ويؤشّر هذا الأمر إلى أنّ تصوّر القضاة لأنفسهم ينمّ عن تمسّكهم بالاستقلالية المالية وأنهم يقاربون حفظ حقهم بتحصيل مداخيل إضافية من نشاطات غير قضائية على أنه ضرورة لتعزيز هذه الاستقلالية في ظل تدني الرواتب الحالية، أكثر مما هو عامل يهدّد بإضعافها.

 

  • البطولة والشجاعة

هنا أيضا تُظهر إجابات القضاة على الأسئلة المطروحة نزعة لمقاربة أخلاقياتهم بصورة واقعية خالية من المبالغة والإسراف في ادعاء البطولة.

ولعل الإجابات الأكثر دلالة في هذا الخصوص هي إجابات القضاة بشأن التصرف المناسب للقاضي ردا على التدخّل في عمله، سواء حصل هذا التدخل من خارج القضاء أو من داخله. وقد طرحْنا هنا على القضاة فرضيّات عدّة منها أن يعبر القاضي “عن استيائه من هذا التدخل مع صدّ الشخص المتدخل” أو أن يعبر عن استيائه من هذا التدخل “مع تبيان أسباب اعتبار التدخل غير مقبول” أو أن يستمع “بتهذيب من دون الالتزام بأي أمر” أو أن يتنحى “إذا بدا له بشكل معقول أنه لن يستطيع درء التدخل دون تعريض نفسه أو الغير إلى خطر شديد جدا” أو أن يعمد إلى “كشف التدخل بطريقة أو بأخرى” أو أن يطلب “حضور الأطراف واطلاعهم أنه لم يعد يتمتع بالصفاء اللازم لمتابعة القضية”.

وتتميز هذه الطروحات من زوايا عدة أبرزها درجة المواجهة التي تفترضها. ف “الاستماع بتهذيب من دون الالتزام بأي أمر” يشكّل خيارا ديبلوماسيا يأمل منه القاضي عموما اتّقاء المواجهة. بالمقابل، يشكّل التعبير عن الاستياء مع شرح أسبابه أو مع صدّ الشخص المذكور أشكالا من المواجهة الفورية بدرجات مختلفة، حيث أن الأول يأخذ طابعا توجيهيا وإن كان حازما فيما أن الثاني يأخذ طابعا تصادميا. وتزداد حدّة المواجهة مع اتّخاذ مواقف لاحقة لفعل التدخّل (كشف عن التدخل أو استدعاء الفرقاء لإعلامهم بحصوله)، بما يعكس نية القاضي بترتيب نتائج قانونيّة لهذا التدخل وتحويله إلى قضية، وهو فعل غالبا ما يأتي تبعا لتخطيط وتصميم مسبقين وتهيؤ لما يتطلبه من تصدّ ومواقف. وفيما أمكن اعتبار “التنحّي اتقاء للخطر الشديد” هروبا من المواجهة من باب التقيّة، فإنه على العكس من ذلك قد يتحول إلى مواجهة بيّنة في حال تعليله أو أتى تبعا لأفعال مختلفة من التصدّي.

وبالتدقيق في الإجابات، أمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

  • إن عددا كبيرا من الإجابات اعتمدت خيارات متنوعة من دون أن تكتفي بخيار واحد، وبخاصة عند حصول التدخل من خارج القضاء. فعدد الإجابات التي اختارت طرحا واحد حصرا بلغ تباعا 106 و152 عند حصول التدخل من خارج أو داخل القضاء وأن التوجه الغالب في الإجابات التي تضمنت خيارا واحدا لم تتعدّ نسبته 16% (وهي نسبة الإجابات الحصرية بصدّ المتدخل في حال حصول تدخل من خارج القضاء) أو 32% (وهي نسبة الإجابات الحصرية بالاستماع بتهذيب في حال حصول التدخل من داخل القضاء) من مجموع الإجابات. وهذا الأمر إنّما يؤشر إلى ميل لاعتماد سلوكيات مختلفة على ضوء هوية الجهة المتدخلة أو وفق خطورة الحالة، من دون التسليم بوجود طريقة واحدة مناسبة للتعامل مع فعل التدخّل. وهذا الأمر إنما يعكس قناعة لدى القضاة بوجوب التعامل بواقعية ومرونة وربما تدرّج مع الوضع الاجتماعي والسياسي والقضائي من دون التمسك بسلوكيات صارمة ومثالية وهو يضعنا تاليا على مسافة من القاضي المتخيل الذي يتصدى بصرامة وقسوة لأي تدخل في عمله سواء جاء من خارج القضاء أو داخله.
  • أن غالبية الإجابات ذهبت إلى اختيار أحد سلوكيات المواجهة أو أكثر كخيار مناسب، سواء تناولت الإجابات هذه السلوكيات وحدها أو تناولتْ إلى جانبها سلوكيات التعامل الديبلوماسي، وسواء حصل هذا التدخل من خارج القضاء أو من داخله. فالتدقيق في تفاصيل الإجابات في حال حصول التدخل من خارج القضاء يظهر أن 205 إجابة اختارت على الأقل أحد سلوكيات المواجهة مقابل انحصار خيار اللامواجهة (الاستماع بتهذيب أو التنحي من دون مواجهة حصرا) في 36 فقط. ويبقى الاتجاه نحو المواجهة غالبا حتى في حال حصول التدخل من داخل القضاء، وإن بدرجة أقل حيث بلغ عدد الإجابات التي اختارت أحد سلوكيات المواجهة 144 مقابل انحصار خيار اللامواجهة في 101 فقط.
  • مع أهمية الملاحظة المشار إليها أعلاه، من اللافت عند التدقيق في الإجابات أن الميل للمواجهة بدا أكثر وضوحا عند حصول التدخّل من خارج القضاء، مما هو في حال حصوله من داخله. ونستشفّ هذا الأمر من معطيات عدة أبرزها المقارنة بين عدد الإجابات التي اختارت “الاستماع بتهذيب من دون الالتزام بأي أمر” كخيار حصري أو كأحد الخيارات المناسبة في كلتا الحالتين. ففيما بلغ عددها عدد هذه الإجابات في حال التدخل من خارج القضاء 21 و61 (أي ما يقارب 25% من الإجابات فقط)، بلغ عددها في حالات التدخل من داخل القضاء تباعا 82 و128 (أي ما تزيد نسبته عن 50% من الإجابات).

وعليه، يبقى نَفَس المواجهة لدى العينة غالباً وإن دلّتْ الاستمارة على مراعاة واضحة لاعتبارات الحفاظ على روابط الزمالة والميْل للتعاطي مع تدخلات القضاة بطريقة ديبلوماسية بعيدا عن التصادم.

  • أن الميل للتعامل الفوري مع التدخّل من دون متابعة لاحقة بدا أيضا واضحا، وهو ميل يزداد وضوحا عند حصول تدخل من داخل القضاء. فكأنما يؤثر القضاة التعامل مع التدخل بالطريقة التي يرونها مناسبة، سواء بصورة تصادمية أو غير تصادمية، من دون أن يتولّد عنه أي نتائج قد تتحول إلى موضوع نزاع وتعقيد في الاجراءات. ونستشفّ هذا الأمر من بلوغ مجموع الإجابات التي اكتفت باختيار تصرف فوري أو أكثر (التعبير عن الاستياء و/أو الاستماع بتهذيب) ردا على التدخل 131 و183 وفق حصوله من خارج أو من داخل القضاء، في حين بلغ مجموع الإجابات التي نصّت ضمن خياراتها على متابعة لاحقة 110 و62 في هاتين الحالتين. ومن الأدلة الجليّة على غلبة الميل للتعامل الفوري مع التدخلات هو قلّة عدد الإجابات التي اختارت “استدعاء أطراف النزاع” والتي بلغ مجموعها 21 و14 فقط وفق حصول التدخل من خارج القضاء أو من داخله.
  • أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن خيار التنحّي يرد عموما في غالب الإجابات إلى جانب أحد خيارات المواجهة. فمن أصل 75 إجابة حفظت خيار التنحي في حال حصول تدخل من خارج القضاء، يؤكد التدقيق في تفاصيل الاستمارات أن 60 منها تضمنت إلى جانب التنحي أحد خيارات المواجهة، مقابل 7 منها أوردت التنحي كخيار حصري و8 أوردت خيار التنحي إلى جانب الخيار الديبلوماسي بالاستماع بتهذيب من دون أي خيار آخر. الغالبية نفسها (أي ورود خيار التنحي إلى جانب أحد خيارات المواجهة) نلحظها في حال حصول التدخل من داخل القضاء وإن بدرجة أقل، حيث أن 23 استمارة تضمنت إلى جانب التنحّي أحد خيارات المواجهة، مقابل 2 منها أوردت التنحي كخيار حصري و17 أوردت خيار التنحي إلى جانب خيار الاستماع بتهذيب من دون أي خيار آخر. وهذا الأمر إنما يشكل مؤشرا على قناعة لدى غالبية القضاة بأن التنحي هو شكل من أشكال المواجهة، أكثر مما هو هروب من المسؤولية أو من الخطر. ويتأكد التوجه الغالب في هذا الخصوص في سؤال آخر حول مدى موافقة القضاة على وجوب القاضي الإفصاح عن أسباب تنحيه. ففيما عبر 36% من القضاة أنهم موافقون تماما أو إلى حدّ ما مع هذا الطرح، أعرب 29% منهم أنهم غير موافقين تماما أو إلى حد ما معه.

 

الجهة المتدخلة التدخل من خارج القضاء التدخل من داخل القضاء
عدد الإجابات/ نسبة إجابة حصرية/ضمن إجابات أخرى نسبة إجابة حصرية/ضمن إجابات أخرى نسبة
التعبير عن استيائه من هذا التدخل مع صد الشخص المتدخل 40/129 51% 28/76 30%
التعبير عن استيائه من هذا التدخل مع تبيان اسباب اعتبار التدخل غير مقبول 26/106 42% 32/94 37%
الاستماع بتهذيب من دون الالتزام بأي أمر 21/61 24% 82/128 50%
التنحي إذا بدا له بشكل معقول أنه لن يستطيع درء التدخل دون تعريض نفسه أو الغير إلى خطر شديد جدا 7/75 29% 2/42 17%
كشف التدخل بطريقة أو بأخرى 11/53 21% 5/22 9%
طلب حضور الأطراف واطلاعهم أنه لم يعد يتمتع بالصفاء اللازم لمتابعة القضية 1/21 8% 3/14 6%

 

مصدر التدخل معالجة فورية فقط متابعة لاحقة
استياء مع تصد أو شرح تهذيب تصدي/تهذيب متابعة من دون تنحّ
(دعوة الأطراف لإعلامهم، الكشف عن التدخل)
تنحي مع تصدي تنحي من دون تصد
خارج 95 21 15 35 60 15
داخل 83 82 18 20 23 19

 

ختاما في هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من قضاة العينة وافقوا على وجوب التضامن مع أي قاضٍ في حال تعرّضه لاعتداء غير مبرّر وغير متناسب (97% أي 247 من أصل 254 علما أن قاضيا واحدا عارض ذلك). وعند سؤالهم عن كيفيّة التعبير عن هذا التضامن مقترحين عليهم 4 أشكال له (اللجوء جماعيا إلى المجلس الأعلى للقضاء أو القيام بنشاطات من خلال الجمعيات والهياكل المهنية أو إقامة دعاوى جماعية أو إقامة نشاطات جماعية في الفضاء العام)، آثرت غالبية القضاة هنا أيضا أن يتم التضامن بطرق مختلفة من دون الاكتفاء بطريق واحد. ففيما رأت غالبيتهم ضرورة في اللجوء إلى المجلس الأعلى للقضاء أو إلى الهياكل القضائية (60% منهم لكلا الطريقين)، فإن أقلية من القضاة حصرت واجب التعبير عن التضامن باللجوء إلى أحد هذه المراجع دون سواه (17% بالنسبة إلى مجلس القضاء الأعلى و15% بالنسبة إلى الهياكل المهنية). وهذا الأمر إن دلّ على شيء فعلى أمرين متلازمين: الأول، أن ثمّة ثقة مقبولة بهذه المراجع والثاني: أن ثمة قناعة لدى القضاة بضرورة تنويع آليات التضامن من دون الاكتفاء بإحداها أو المراهنة عليها وذلك من باب تعزيز أثرها في حماية القضاة حيال الاعتداءات. بالمقابل، يسجّل أن نسبة موافقة قضاة العينة على إقامة دعاوى قضائية جماعية أو نشاطات جماعية في الفضاء العام بلغت 43% و22%، وهي نسبة تبقى معتبرة وإن أقل من نسبة اللجوء إلى الهيئات الممثلة للقضاة.

ويتبدّى من كل هذه الإجابات أن غالبية القضاة تعي أن شجاعة القاضي وحدها لا تكفي لمواجهة الصعوبات القضائية، وأن لا بدّ من التعامل بصورة واقعية مع هذه الصعوبات، سواء من خلال اعتماد أساليب مواجهة مختلفة وفق كل ظرف أو من خلال مأسسة التضامن القضائي في اتجاه تعزيز قدرة القضاء على الدفاع عن استقلاليته.

 

  • التجرد والحيادية

في هذا الخصوص، أتتْ الإجابات على أسئلتنا لتؤكد هنا أيضا قطع القضاة التونسيين مع التصور المتخيل للقاضي المثالي والذي غالبا ما يظهره صامتا ومنعزلا ومتجردا من أي آراء أو روابط أو ميول فكرية. ويتبدّى من الإجابات فهم قضائي لمبدأي التجرد والحياد بصورة أكثر واقعية تخرج القاضي من محبسه المذكور في اتجاه تحديد الضوابط التي تفرضها عليه وظيفته بحدود الضرورة من دون أي مبالغة. وقد تطرقت هذه الأسئلة إلى ثلاثة أمور أساسية تمنحنا كيفية مقاربتها إضاءات هامة في هذا الخصوص: الأول يتصل بامكانية ارتباط القاضي بالتزامات عامة واجتماعية، والثاني يتصل بحرية التعبير وما قد تحتمله من حدود، والثالث يتصل بمشاركة القاضي في الحياة العامة وعلاقاته الاجتماعية بشكل عامّ.

 

التزامات عامة واجتماعية

أول الأسئلة في هذا الإطار، نصّ على الآتي: “إلى أي مدى يمكن أن يكون للقاضي التزامات عامة واجتماعية؟” وقد طُلب من القضاة اختيار إحدى الفرضيات المطروحة التي يوافقون عليها. وقد انحصرت الفرضيات في ثلاث تتباين فيما بينها من حيث مدى الحرية المتاحة بالنسبة إلى كل منها. ففيما اقترحنا كفرضية أولى فرضية وسطية قوامها أن بإمكان القاضي “الإلتزام بأي نشاط عام باستثناء النشاطات التي تهدف إلى الفوز في انتخابات سياسية عامة”، اقترحنا فرضيتين أخريين يمثّلان الحد الأقصى للحرية (وقوامها أن بإمكان القاضي التمتع بكل الحقوق العامة كأي مواطن والانخراط تاليا في أي نشاط عام دون أي قيد) وحدّها الأدنى وقوامه أن “يمكنه الالتزام حصراً بنشاطات مرتبطة بالقضاء”.

ومن اللافت هنا أن غالبية القضاة اتجهوا نحو اعتماد الفرضية الوسطية، وذلك بحدود 59% منهم. وقد انقسم سائر القضاة بين مؤيدين للحد الأقصى والحد الأدنى، علما أن مؤيدي الحد الأقصى (23%) بلغوا ما يقارب ضعف مؤيدي الحد الأدنى (12%). وهذا الأمر إنما يؤكّد تمسّك القضاة بحريتهم المكتسبة منذ 2011 وتمتعهم بجميع الحقوق أسوةً بسائر المواطنين وبخاصة بما يتصل بالحريات التي لا تولد ممارستها من حيث المبدأ أي ارتياب مشروع بحياديتهم.

 

حرية التعبير

ثاني الأسئلة في هذا الإطار اتّصل بحرية التعبير. ففيما سلّمت الاستمارة بحرية التعبير للقضاة، فإن السؤال تمحور حول حدودها. وقد قدّمت الاستمارة لهذه الغاية ثلاثة طروحات أُعطيَ القضاة امكانية الموافقة على بعضها أو كلّها. الطرح الأول تمثل في أنه “على القاضي أن يمتنع عن إطلاق أي تصريح غير مسند على حجج، أو يعكس أفكاراً مسبقة أو ينمّ عن خفّة في إبداء الآراء، في حال كان من شأن هذه التصريحات أن تؤثر على حقوق أو اعتبار الغير” وهو الطرح الذي ربما يبدو الأكثر دقة في تحديد الحدود المعقولة لحرية التعبير. أما الطرحان الآخران فقد اختلفا عنه من حيث درجة الصرامة في الأسلوب التي يتطلبانها. ففيما نصّ الطرح الثاني أنه “في كل الحالات، للقضاة الحق في الفكاهة والنكتة” (وهو طرح يمكن القضاة من اعتماد أسلوب أقل صرامة)، نصّ الطرح الثالث أنه “على القاضي أن يبرهن عن حرص ومسؤولية” وهو طرح يستشفّ منه وجوب اعتماد صرامة أكبر. وقد جاءت الإجابات وفق الجدول الآتي:

الطروحات النسبة
الطرح الأول (الحصري/ مجموع) 37%/ 82%
الطرح الثاني (الحصري/ مجموع) 1%/ 18%
الطرح الثالث  (الحصري/ مجموع) 15%/ 58%
الطرحان الأول والثاني 4%
الطرحان الأول والثالث 30%
الطرحان الثاني والثالث 2%
الطروحات الثلاثة 11%

 

ويخرج عن ذلك أنه مع تسليم القضاة بحرية التعبير، فإن غالبيتهم أبدوا ميلا إلى وجوب اعتماد الرصانة في الأسلوب والتحليل. ففيما أيّد (82%) من القضاة الطرح الأول، فإن الطرح الثالث (الحرص والمسؤولية في التعبير) لقي نسبة عالية جدا أيضا (56%)، مقابل تأييد أقلية نسبية (ولكن معتبرة) للطرح الثاني (18%). ولربما أمكن تفسير تراجع التأييد للطرح الثاني بتوجّس القضاة من سوء استخدام أسلوب النكتة والفكاهة على نحو يقارب الإسفاف ويعزز حجج القوى المناوئة لحرية القضاة المكتسبة حديثا. وهنا أيضا بدا تصوّر القضاة لحريتهم بالتعبير وحدودها وليد واقعهم أكثر مما هو إسقاط لتصورات مثالية في اتجاه أو آخر.

 

الروابط الاجتماعية

في هذا السياق، وافقت الغالبية الكبرى من الإجابات على وجوب امتناع القاضي عن إنشاء أو متابعة علاقة قد تبرر أو تسهل بنظر مراقب متّزن ممارسة جرمية وعلى وجوب تجنبه إقامة علاقات عامة مع السياسيين أو أصحاب النفوذ في عالم المال والتجارة. بالمقابل، أعربت غالبية القضاة عن عدم الموافقة على الطرح الذي ورد في الاستمارة لجهة وجوب تجنّب القاضي “أية مشاركة في المناسبات الاجتماعيّة غير المبرّرة بالروابط العائلية أو الصداقة المتينة”، وقد وصلت الغالبية الرافضة لهذا الطرح إلى 61% من الإجابات مقابل 39% للذين وافقوا عليه. ونستشفّ من هذه الإجابات قبولا لدى القضاة بتقييد حريّتهم في بناء علاقات مع محترفي الإجرام أو أصحاب النفوذ حفظا لمظهر استقلاليتهم، مقابل رفضهم لأي تقييد لهذه الحرية خارج هذه الحالات.

 

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المهن القانونية ، تونس ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *