قراءة في قرارات مجلس الأمن القومي التونسي: إحياء أدوات الاستبداد في الحرب على الإرهاب


2015-12-01    |   

قراءة في قرارات مجلس الأمن القومي التونسي: إحياء أدوات الاستبداد في الحرب على الإرهاب

قرر رئيس الجمهورية التونسية باجي قايد السبسي إثر العملية الإرهابية التي استهدفت حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة تونس مساء يوم 24-11-2015 دعوة مجلس الأمن القومي للانعقاد. وانتهى المجلس الذي عقد  في اليوم التالي إلى إصدار  14 توصية تخصّ ما سماه الحرب الشاملة على الإرهاب.

تولت السلطة السياسية في إطار تجسيد تلك التوصيات إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما ابتداء من 25-11-2015 وتحديد الاجراءات الاستثنائية التي ستتخذ خلال تلك الفترة. وقد التجأت الحكومة لأحكام الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 -1- 1978 والذي  يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ لتمنح لوزير الداخلية والولاة في الجهات صلاحية "إخضاع كل من له شبهة الارهاب للمراقبة الادارية" و"إتخاذ إجراءات عاجلة في حق العائدين من بؤر التوتّر". وأصدر تبعاً لذلك وزير الداخلية السيد ناجم الغرسلي خلال اليومين الأولين من سريان حالة الطوارئ 138 قراراً في الوضع تحت الإقامة الجبرية.

اختارت الحكومة بإيعاز من مجلس الأمن القومي أن تبتعد عن الإجراءات القضائية في اتخاذ قرارات تتعلق بحرية تنقل الأفراد المشتبه بتورطهم في الإرهاب. ويمكن فهم  مبررات هذا الاختيار من الاطلاع على توصيات مجلس الامن القومي التي تتعلق بالقضاء وما تبعها من تصريحات حكومية. فقد أكدت هذه التوصيات على "إقرار الحرب الشاملة ضدّ الارهاب وتحمّل الجميع مسؤوليته في خوض هذه الحرب". وحدّدت ذات التوصيات المقصود بتحمل الجميع لمسؤولياته بأن طالبت القضاء "بالإسراع في البت في قضايا المتهمين بالإرهاب". تكشف الدعوة الصريحة الموجهة للقضاء بالاسراع في البت في القضايا الارهابية أن مجلس الأمن القومي اعتبر نسق بت القضاء في القضايا الارهابية  من مواطن ضعف الدولة في حربها على الإرهاب. وقد اكد هذا  التقييم السلبي لأداء القضاء في الحرب على الارهاب الكاتب العام للحكومة التونسية أحمد زروق الذي ذكر أن الحكومة تقدمت للقضاء ب164 مطلب في تعليق نشاط جمعيات و64 مطلب حل جمعية لكن المحاكم رفضت الاستجابة لأغلب الطلبات رغم وجود شبهات حول نشاط تلك الجمعيات.

يظهر بالتالي تفعيل مقتضيات أمر الطوارئ فيما تعلق بالاقامة الجبرية والمراقبة الادارية كمحاولة من الحكومة لمنع تدخل القضاء في الحرب على الإرهاب، أقله في مرحلتها الأمنية الأولية. ويتعارض هذا الاختيار بشكل كامل مع  الدستور التونسي الذي يعد في الفصل 24 منه حرية التنقل حقاً أساسياً لا يمكن الحدّ منه الا بقانون، ويشترط الفصل 49 منه أن يكون كل حدّ من الحقوق الاساسية تحت رقابة القضاء الذي يصفه بحامي الحقوق والحريات".

كان يفترض أن ينكب مجلس الامن القومي بصفته هيئة استشارية عليا على وضع مخطط أمني يضمن تجاوز النقائص التي أدت لتتالي وقوع عمليات إرهابية، لكن هذا المجلس اتجه للانخراط في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي المتداول في الإعلام التونسي والذي يحمل القضاء مسؤولية الفشل في حسم الأمن للحرب على الإرهاب.

اتهم مجلس الأمن القومي القضاء "بالابطاء في فصل القضايا الإرهابية"، ولم يتبين هذا المجلس أن قضاة التحقيق الثمانية المعينين بالقطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية تعهدوا بأكثر من الف وستمائة قضية إرهابية بعضها معقد وشائك بما يمنع تحقيق سرعة الفصل المطلوبة ويعيق تحقيق المحاكمة العادلة. وسعت الحكومة التونسية ومن خلفها مجلس الأمن لاستعمال أوامر موروثة عن الحقبة الاستبدادية للتدخل في عمل القضاء دون أن تعي أن الإيقاف الاستباقي لمن يشتبه في  تورطهم في الارهاب دون بحث في أدلة تدينهم يجعل الدولة تنخرط في الممارسة الارهابية بما يفقد حربها على الارهاب جانبا من قيمها الأخلاقية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية