قراءة في قانون العاملات والعمال المنزليين الجديد بالمغرب


2018-10-09    |   

قراءة في قانون العاملات والعمال المنزليين الجديد بالمغرب

بعد طول انتظار دخل قانون العاملات والعمال المنزليين حيز التنفيذ بالمغرب بتاريخ 02/10/2018، حيث سيخلق إطار قانونيا لتنظيم ظروف عمل هذه الفئة التي لطالما عانت من الهشاشة والاستغلال.

القانون الجديد حدد نطاق تطبيقه وهو يشمل:

العامل المنزلي: الذي يقوم بصفة دائمة واعتيادية مقابل أجر بانجاز أشغال مرتبطة بالبيت أو بالأسرة، سواء عند مشغل واحد أو أكثر”،

العمل المنزلي: “كل عمل منجز لدى أسرة أو عدة أسر، وتشمل الأشغال المرتبطة بالبيت أو بالأسرة على وجه الخصوص الاعتناء بشؤون البيت أو الأطفال أو أحد أفراد البيت بسبب سنه أو عجزه أو مرضه أو لكونه في وضعية إعاقة، فضلا عن السياقة أو البستنة أو حراسة البيت”،

المشغل : “كل شخص ذاتي يستأجر عمل عاملة أو عامل منزلي لإنجاز الأشغال المرتبطة بالبيت أو بالأسرة”.

من خدم بيوت إلى عمال منزليين: محاولة شكلية لتكريس مفهوم العمل اللائق

استبدل القانون الجديد تسمية “خدم البيوت” الواردة في مدونة الشغل، بتسمية جديدة وهي “العمال المنزليين”، تجاوزا للنظرة الدونية لهذه الشريحة من العمال التي لطالما ترسخت في الضمير الجمعي كعنوان للوصم والتمييز، واعترافا بدورهم في المجتمع ومساهمتهم في الاقتصاد الوطني. ويتلاءم هذا التعديل اللغوي مع اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين التي دعت لاستعمال جهاز مفاهيمي يستحضر قيم المواطنة والأبعاد الإنسانية لهذه الشريحة من العمال.

نظام الشغل وفق عقد الخدمة المنزلية: الحد الأدنى من الضمانات

تطرق القانون الجديد للعديد من المقتضيات المنظمة لعقد العمل المنزلي. فبالنسبة للأجر، نصت المادة 19 منه على ضرورة ألا يقل عن 60% من الحد الأدنى للأجور، ولا يدخل ضمن الأجر النقدي مزايا الإطعام والسكن.

كما حدد مدة العمل في الأشغال المنزلية في 48 ساعة أسبوعيا، ونص على استفادة العامل المنزلي من راحة أسبوعية لا تقل عن 24 ساعة متصلة، يمكن باتفاق الطرفين تأجيل الاستفادة منها وتعويضها في أجل لا يتعدى 3 أشهر. كما أكد على استفادته من عطلة سنوية مدفوعة الأجر إذا قضى ستة أشهر متصلة في خدمة المشغل لا تقل مدتها عن يوم ونصف عن كل شهر.

ويلاحظ أن القانون الجديد منح سلطة تشغيل العمال المنزليين لوكالات التشغيل الخصوصية، ومنع الأفراد من الوساطة بمقابل في تشغيل العمال المنزليين.

ولضمان حماية أكبر للعامل المنزلي، أكدت المادة 21 على حقه في التعويض على الفصل إذا قضى مدة لا تقل عن سنة متواصلة لدى نفس المشغل. كما تم تمتيع العمال المنزليين من الاستفادة من قانون الضمان الاجتماعي.

توثيق عقد العمل المنزلي التزام يفتقد صيغة الإلزام

نصت المادة 3 من القانون على أنه: “يتم تشغيل العامل المنزلي بمقتضى عقد عمل محدد أو غير محدد المدة، يعده المشغل وفق نموذج يحدد بنص تنظيمي، ويوقع هذا العقد من قبل المشغل و العامل المنزلي. يحرر العقد في ثلاث نظائر يحتفظ المشغل بنسخة والعامل بثانية وتودع ثالثة لذى مفتش الشغل”.

للوهلة الأولى، يبدو أن العقد يجب أن يكون مكتوبا. لكن بالرجوع إلى المادة 9 من نفس القانون يتضح أنها تنص على أنه: “يمكن إثبات عقد شغل العامل المنزلي بجميع وسائل الإثبات. وإذا كان عقد الشغل ثابتا بالكتابة أعفي من رسوم التسجيل”.

ولا شك أن المقتضى الأخير يفرغ المقتضى الأول المتعلق بالكتابة من عنصر الإلزام، ويسمح باستمرار الوضع الحالي على ما هو عليه من حيث طبيعة العقد الذي يتم في الغالب بصفة شفوية.

تشغيل العاملات والعمال المنزليين الأجانب

أخضع قانون تشغيل العاملات والعمال المنزليين الأجانب لأحكام البابين الخامس والسادس من الكتاب الرابع من القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، والتي تهم تشغيل الأجراء الأجانب. وبمقتضاها، يجب على كل مشغل يرغب في تشغيل أجير أجنبي، الحصول على رخصة من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل، مرتبا على ذلك عقوبات مالية “مخففة” على عدم الحصول على تلك الرخصة أو تشغيل أجير لا يتوفر عليها.

تحديد سن أدنى لتشغيل العمال المنزليين.. فترة انتقالية لمعالجة الظاهرة أم هروب إلى الأمام

تعتبر مسألة تحديد السن الأدنى لتشغيل العمال المنزليين من أهم القضايا المثيرة للجدل، إلى درجة أنها اختزلت أحيانا النقاش حول مسألة السن. ففي الوقت الذي لجأت فيه الحكومة إلى رفع السن الأدنى المقترح لتشغيل العمال المنزليين الى 16 سنة، تشبثت المعارضة بمطلب منع تشغيل الأطفال دون سنة 18 سنة، لعدة اعتبارات أهمها أن الفضاء الطبيعي لاحتضان الطفل هو المدرسة أو مراكز التكوين وكذا مواقع اللعب والترفيه التي تساهم في نموه وتكوين شخصيته وليس فضاء الشغل. كما أن عقد العمل المنزلي يرتب حقوقا والتزامات متبادلة بين الطرفين مما يفرض وعيا ونضجا ومسؤولية قانونية واجتماعية لا تتوفر للشخص القاصر. كما أبدت المعارضة أن العمل المنزلي بحكم طبيعته يبقى عملا مرهقا. فقد اعتبر المشرع من الأعمال المنزلية التي ينطبق عليها القانون الجديد الاعتناء بفرد من أفراد البيت بسبب سنه أو عجزه أو مرضه أو كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة والاعتناء بالأطفال. فكيف يعقل من الناحية العملية أن يعتني طفل بطفل أو بشخص مسن أو يقوم بتمريض شخص مريض أو من ذوي الاحتياجات الخاصة؟ وكيف يعقل تكليف الأطفال بالقيام بمهام الطبخ والتنظيف وهي مهام تتنافى واقعيا مع طبيعة الأطفال؟ ناهيك عما يمكن أن تشكله المصادقة على هذا المقتضى من تعارض بين النص الجديد والتزامات المغرب الدولية.

لكن الحكومة ردت على هذه الانتقادات بكونها تسعى لتقديم قانون قابل للتطبيق وليس قانونا بنزعة مثالية، متشبثة بكون “اتفاقيات منظمة العمل الدولية لا تحظر بوضوح استخدام الأطفال بعد سن 15 سنة”[1]. ولمواجهة هذه الانتقادات، لجأت الحكومة لخيار تحديد مرحلة انتقالية تسمح بمقتضاها بصفة استثنائية باعتماد سن 16 سنة كحد أدنى لتشغيل العمال المنزليين لمدة خمس سنوات، على أن يتم رفع السن إلى 18 سنة بعد انصرام الفترة الانتقالية. كما أنها قيدت توظيف القاصرين بقيود عدة، منها الحصول على إذن مكتوب من ولي أمر القاصر، وضرورة عرضه على فحص طبي على نفقة المشغل كل ستة أشهر[2]. وهو موقف يبقى محل نظر لأن الاكتفاء بتحديد فترة انتقالية دون إجراءات صارمة وسياسات عمومية مواكبة يبقى مبادرة محدودة الآثار. ولعل فشل تطبيق فترة انتقالية لمعالجة حالات زواج الفاتحة خير مثال على ذلك[3].

سلطة مفتشي الشغل في مراقبة تطبيق القانون الجديد تصطدم بحرمة المنازل

نصت المادة 21 من قانون العمال المنزليين على أن الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل “يتلقون الشكايات التي يتقدم بها المشغل أو العامل فيما يتعلق بتنفيذ العقد، ويستدعي مفتش الشغل الأطراف للاستماع إليهم. وإذا تقرر الصلح، حرر محضرا في الموضوع للإدلاء به للمحكمة إذا لجأ إليها العامل. وفي حالة معاينته مخالفة أحكام هذا القانون، يحرر محضرا في الموضوع يحيله الى النيابة العامة”.

وعليه يلحظ أن دور مفتش الشغل يبقى مجرد دور صوري لأنه يكتفي باستدعاء الطرفين في حالة وجود نزاع بينهما، وتحرير محضر يبقى مجرد ورقة معلومات. وقد أغفل النص دور المراقبة حيث لم ينص صراحة على امكانية دخول مفتش الشغل لمكان العمل من أجل معاينة المخالفات، تحت مبرر عدم انتهاك حرمة البيوت باعتبارها لا تمثل مقاولات، علما بأن ثمة أوضاعا ومراكز قانونية كانت أحق بالحماية. فلجسد الأطفال حرمة، وللقانون حرمة أولى بالاعتبار.

العقوبات في قانون العاملات والعمال المنزليين

حددت المادة 23 من القانون الجديد العقوبات في حالة خرق المقتضيات القانونية المتعلقة بالسن، إذ يعاقب بغرامة من 25 ألف إلى 30 ألف درهم، كل شخص استخدم خلال الفترة الانتقالية، المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 6، عاملا منزليا، يقل عمره عن 16 سنة، وكذا كل شخص استخدم عاملا منزليا يتراوح عمره ما بين 16 و18 سنة دون إذن من ولي أمره، وكل شخص ذاتي توسط في تشغيل عاملات أو عمال منزليين بمقابل“. أما في حالة العود يضاعف مبلغ الغرامة المنصوص عليها ويحكم بالحبس ما بين شهر و3 أشهر، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ختاما، وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى هذا القانون والصعوبات المتوقعة في تنفيذ العديد من أحكامه، فإنه سيسهم في تنظيم ظروف آلاف العاملات والعمال المنزليين الذين حرموا من نطاق الحماية الاجتماعية المقررة لفئة العمال مند صدور قانون الشغل سنة 2004.

 


[1]– تقرير لجنة العدل والتشريع بخصوص مناقشة مشروع قانون العمال المنزليين، منشور بموقع مجلس النواب، دورة نيسان (ابريل) 2016.

[2]– المادة 06 من القانون.

[3]– المادة 16 من مدونة الأسرة.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، المغرب ، حقوق العمال والنقابات ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *