قراءة في تاريخ قضائي خذلته الذاكرة في المغرب: حين أنشأ القضاة رابطة لاستعادة السيادة الوطنية على المحاكم (1961-1965)


2014-01-09    |   

قراءة في تاريخ قضائي خذلته الذاكرة في المغرب: حين أنشأ القضاة رابطة لاستعادة السيادة الوطنية على المحاكم (1961-1965)

تأسس نادي قضاة المغرب بعد دخول دستور 2011 ليباشر القضاة من خلاله نشاطا غير اعتيادي في الدفاع عن استقلال القضاء واستقلال القضاة. وفي موازاة النقاش الدائر حول أعمال النادي بين مؤيد ومعارض، قد يكون من المفيد جدا إعادة الإضاءة على تجربة حراك قضائي رائد، حصلت غداة الاستقلال تبعا لدستور  1962، وتكاد تكون، رغم غناها، مغيبة بالكامل لقلة الوثائق المنشورة الدالة على هذه الفترة.
ويهدف هذا المقال الى التذكير ببدايات هذه التجربة شبه المنسية من تاريخ القضاء المغربي الحديث، وخصوصا في فترة زخمها الأولى (1961- 1965)، علما أن الإحاطة بهذه التجربة تحتاج لجهود عدد كبير من الباحثين والمؤرخين للتنقيب عنـها وإخراجها للعلن. وبلام آخر، يشكل هذا المقال دعوة للقضاة الذين عايشوا هذه الفترة الى الشهـادة، وللذين يتوفر لديهم وثائق عن هذه الحقبة إلى نشرها، لأن الأجيال الجديدة من القضاة تجهلها تماما.

تعرف المجتمعات تحـولات مستمرة يصعب تحديدها زمنيا، إلا من خلال أحداث اجتماعية فارقة، أو من خلال مؤسسات المجتمع نفسه، في حين يختلف تصور واستيعاب هذه التحولات باختلاف مواقع الفاعلين. 
 
أولا – القضاة والتنظيم :
خلّف الاستعمار وضعا قضائيا منهارا عانى منه المغرب طوال العشر سنوات الأولى من الاستقلال. فقد قامت سلطات الحمايـة شمالا وجنوبا بتقويض النظام القضائي المغربي فأنشأت محاكـم للأجانب بقضاة أجانب، وأخرى تباشرها السلطات الإدارية باختصاصات أوسع خاصة في المجال الجنائي ولا تطبق أي قانون، ومحاكم تطبق العرف بواسطة الأعيان تحت إشراف سلطات الحماية خاصة في المناطق القروية. وقد حصل كل ذلك في إطار عملية ممنهجة لأهداف استعمارية لتبخيس القضاء الشرعي – القضاء المغربي ذات الجذور التاريخية العريقة – القائم على الفقه المالكي.

وقد عرف هذا القضاء تدهورا خلال مرحلة الاستعمار. فبالإضافة إلى حصر مجال اختصاصه، بحيث بات يبت فقط في الأحوال الشخصية للمغاربة في المجال الحضري أساسا، فقد ظل يفتقر لوسائل مادية للاشتغال. أما قضاته فجعلتهم السلطات "يتقاضون أجورهم من الخصوم…ثم كالموظفين … كما يتقاضاه حكام المخزن".

ولم يكن عدد القضاة المغاربة – القضاة الشرعيين- وهم نواة القضاء المغربي المستقل كافيا لتغطية التراب الوطني من ناحية. وكانوا غير مؤهلين التأهيل الكافي لتطبيق أهم فروع القانون العصري التي كانت سارية المفعول وباللغة الفرنسية بالنظـر لتكوينهم الفقهي وتخصصهم شبه الحصري في قضايا الأحوال الشخصية.

في عهد الاستقلال، استمر النظام القضائي متعددا مع ازدواجية الأنظمة القانونية المطبقة: فقه مالكي مشتت المصادر وقانــون عصري بالفرنسية؛ كما استمر تواجد القضاة الأجانب حتى في المجلس الأعلى. وقد جعل كل ذلك القضاة ينظـرون الى تلك القوانين نظرة ارتياب، وتدعو أغلبيتهم إلى استلهام قوانين من الفقه المالكي لتمتد الى مجال المعاملات. وبالمقابل تبنىقلة من القضاة موقفا متباينا مفاده وجوب استبعاد الفقه وإرساء قوانين حديثة، وقد كان لهذا الاتجاه الفكري صدى أكبر نسبيا في المجتمع الحضري لمغرب الاستقلال.

إلا انه بالرغم من الطابع المحافظ والتقليدي لقضاة الاستقلال، الا أن ذلك لم يمنعهم من تأسيس جمعية مهنية على أسس حديثة. ولربما كانت الظروف العصيبة للعمل القضائي حاسمة لدفعهم الى التكتل.

فخلال شهر مايو 1961 في إطار ظهيــر الجمعيات لسنة 1958، عقد المؤتمر الأول – التأسيسـي- بالرباط وتم تكوين أول جمعية مهنية للقضاة بالمغرب سميت رابطة القضاة ، وتلخصت أهدافها من خلال قانونها الأساسي في:

أ- توثيق أواصر الصداقة بين قضاة المملكة.
ج- العمل على ضمان حقوق أعضائها ومصالحهم والسهر على احترام كرامتهم كأعضاء في مؤسسة عليا في البلاد.
د- نشر المثل العليا التي تتمسك بها الرابطة وهي العدل، النزاهة، نكران الذات، والكرامة
الإنسانية.
ه- توسيع النمو الثقافي " .

وتشكلت الرابطـة في هياكلها من المؤتمـر ومكتب وطني ورئيس منتخب من المؤتمر، وعقدت خمس مؤتمرات منتظمــة سنوية في مدن مختلفة بين سنوات 1961 و1965، في حين عقدت بعد ذلك أربع مؤتمرات فقط: سنة 1967 بالرباط، سنة 1971 بفاس، سنة 1979 بالرباط والأخير سنة 1980 بالرباط.

وكان للرابطة مجلة شهرية بنفس الاسم إلا أن صدورها لم يكن منتظما صدر منها 22 عددا، تناولت الأعداد الستة الأولى ما بين سنة 1964 و1966 إضافة إلى المواضيع القانونية، الشؤون المهنية المختلفة ونشرت نبذة عن المؤتمرات الخمسة الأوائل. ثم توقفت بعد ذلك عن الصدور إلى أن استأنفت سنة 1981 مستمرة إلى سنة 1987. لكن لم تنشر في هذه الأعداد الأخيرة أية مواضيع تهم الشأن المهني، كما لم تتضمن أي إشارة الى المطالب المهنية أو الى مؤتمرات 1967 وما بعدها.

اختفت الرابطة بعد ذلك من الوجود الفعلي. وقد كانت آخر وثيقة رسمية تشير للرابطة هي الظهيـر المحدث للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990 باعتبارها أحد مكوناته الممثلة للجمعيات والهيئات من فئة  "ب".
 
ثانيا – المطالب:
عرفت فترة 1961 – 1965 دينامية للقضاة من خلال الرابطة، إذ أن تأسيسهم لجمعيـة مهنية شكل في حد ذاته حدثا مهما كما عبر عن ذلك الراحل الحسن الثاني عند لقائه لمكتب الرابطة ورئيسها يوم 27 نوفمبر 1965 " إن رابطة القضاة تكونت من تلقاء نفسها ومن مبادرتكم أنتم معشر القضاة … ".

في ضوء الوضع القانونـي والقضائي السيئ الموروث عن الاستعمار وبعض الممارسات المطبوعـة بهذه الحقبة والتي تمس القاضي والقضاء، كان انتظام القضاة في جمعية أمرا طبيعيا. وقد صاغت مطالبها، من خلال مؤتمراتها الخمسة الأوائل، في شكل ملتمسات، في اتجاه محورين أساسيين تهمان الدفاع عن استقلال القضاء، ومحاولة بناء سلطتــه ومن خلال مطالب تهم الوضع المهني للقاضي والتي هي في نفس الوقت الوجه الآخر للدفاع عن استقلال القضاء والقاضي:
 
1-استقلال القضاء:
بالنظر لأهمية الملتمسات في هذه المؤتمرات أو من خلال مبادرات مكتب الرابطة، فانه لا بأس من نقلها كما جاءت في صياغتها. فقد خلص المؤتمر الثالث للرابطة بطنجة ما بين 20 و23 شتنبر 1963، في الملتمس الأول إلى ما يلي: " إن المؤتمر … يسجل بكامل الأسف التصرفات غير اللائقة بكرامة القضاة والتي تعرض لها قضاة ببعض جهات المملكة. يلتمس ما يلي:

أولا: السهر على تطبيق مبدأ فصل السلطة.
ثانيا: اتخاذ جميع التحريات كلما كان الأمر يتعلق بتفتيش مسكن القاضي أو التحقيق معه.
ثالثا: تنبيه الشرطة بان تقدم تقاريرها للدوائر القضائية المختصة إذا كان الأمر يتعلق باتخاذ إجراء يمس شخص القاضي أو مسكنه وذلك قبل مباشرتها لهذا الإجراء.
رابعا: عدم الاعتماد على التقارير السرية المجردة التي ترفع من طرف السلطة الإدارية ضد رجال القضاء."

وهو نفس المطلب الـذي جاء في الملتمس الثاني للمؤتمر الرابع سنة 1964 حــــول مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء.
وفي نفس الاتجاه ولمواجهة المنحى الذي اتخذته إمكانية الانتداب التي كانت استثنائية بيد وزير العدل فاستعملت استعمالا موسعا جعل "مكتب الرابطة يقدم بتاريخ 10 أبريل 1964 احتجاجا لوزير العدل حول حركة النقل التي قام بها الوزير في أوساط القضاة:
وحرصا على الأمانة الملقاة على عاتقنا كممثلين للقضاة نرى من واجبنا أن نشعركم يا معالي الوزير أن حركة النقل التي قمتم بها في صف القضــــاة قد أحدثت موجة من الاستياء في أوساط القضاة وجعلتهم يتخوفون على مصيرهم ويتساءلون عن مصير الضمانات الضرورية لاستقلالهم والمخولة إليهم بمقتضى الدستور، إننا نطلب منكم بكل إلحاح أن تراجعوا هذه القرارات وتعملوا على إبقاء المعنيين بالأمر على حالها، إلى أن يتم اجتماع المجلس الأعلى".

كما التمس القضاة في مؤتمري الرابطة الرابع والخامس إحداث مسطرة خاصة لنقل القضاة تأخذ بعين الاعتبار أولا رغبة القاضي، وعلى يد المجلس الأعلى، معتمدين على صريح نص الدستور في عدم جواز نقل قضاة الأحكام.
 
2- المطالب المهنية :
عرفت المؤتمرات الثالث والرابع والخامس العديد من المطالب المهنية ، حيث عبر القضاة عن "الحالة القلقة التي يعيش عليها القضاة من عدم توفير أسباب الراحة والطمأنينة والاكتفاء الذاتي"، كما أن المؤتمر الأول التأسيسي ركز على الوضع المادي للقضاة، أما التقرير الأدبي للمؤتمر الخامس المنعقد بفاس أكتوبر سنة 1965 فقد طالب بإقـرار تعويضات للقضاة عن مهامهم وعطلة سنوية مدتها شهـــران، في حين أقر توصل القضاة المستحقين للترقية "بحقوقهم بعدما ظلوا ينتظرونها منذ أزيد من ثلاث سنوات"، ومعلنا كذلك صدور "أوراق الجواز الخاصة بالقضاة".
إن مكتب الرابطة كان نشيطا خلال هذه الفترة سواء باجتماعه المباشر والدوري بوزراء العدل أو مساعديهم، للدفاع عن ملتمسات المؤتمرات أو لتدارس بعض القضايا مثل ضرورة فصل السلط من خلال حالات تعسف بعض رجال الإدارة أو التطرق للوضع المادي للقضاة لضمان "الحد الأدنى والضروري للحياة المعيشية".

ويظهر من الوثائـق المنشورة والشهادات أن أهمية قضية خاضها القضاة عبر الرابطة هي طرح مبادرة تعريب ومغربة وتوحيد القضاء المغربي في المؤتمر الثالث بطنجة شتنبر 1963 ثم الدفاع عنها إلى أن تم اقرارها بموجب قانون المغربة والتعريب والتوحيد بتاريخ 24 يناير 1965.
 
3-العلاقة مع المؤسسات:
لعل إحساس القضاة بعدم تمكنهم من تطبيق القانون بشكل سليم، للغته الاجنبية، ونظرتهم له كميراث عن الاستعمار مع استمـرار تواجد قضاة أجانب بالمحاكـم، مقرونا بتواجد مصالح لا تخدمها عملية تحرر القضاء المغربي من تلك العناصر الثلاث، قام القضاة بإطلاق مبادرة المغربة والتعريب والتوحيد.

فقد عمل القضاة من خلال الرابطة على الاتصال بالبرلمانيين لإطلاعهم على مشاكل النظام القضاء المغربي آنذاك، الأمر الذي توج ولأول مرة في التاريخ المغربي الحديث باستماع لجنة العدل والتشريع بالبرلمان لتمثيلية القضاة في شخص رئيس الرابطة السيد حماد العراقي. فقد قام هذا الأخير بعرض وجهة نظر القضاة حول ضرورة توحيد ومغربة القضاء المغربي وتعريبه، فنالت الرابطة تنويه رئيس اللجنة وتفهما لوجهة نظرهم.
وبعد انطلاق مناقشة القانون في البرلمان، عارضه وزير العدل في غرفتي البرلمان إلا أن ذلك لم يمنـــع من إقرار قانون المغربة والتعريب والتوحيد تبعا لتبني الراحل الحسن الثاني له في إطار استكمال السيادة الوطنية. وقد أعطى إقرار القانون نفسا جديدا للقضاة الذين تعين عليهم اذ ذاك تعبئة جهودهم بهدف بسط السيادة الوطنية على القضاء. وقد عقد المؤتمر الخامس للرابطة في 1965 في هذه الظرفية تحت شعار "مطابقة التشريع والتنظيم القضائي للواقع المغربي"، بحيث ان دخول القانون الجديد حيز النفاذ كان مقررا في فاتح يناير 1966.
كما حضر المؤتمر الملحق الصحفي للمكتب الدائم لتنسيق التعريب التابع للجامعة العربية والقى كلمة فيه، وذلك ضمن الجهود التي كانت الرابطة تبذلها لتأهيل القضاة في مجال المصطلحات القانونية والفقهية العربية، حيث عقد اتفاق بين الطرفين لهذا الشأن.

كما كانت الرابطة في محيطها تقوم بتنظيم لقاءات ثقافية بين القضاة، يعاد فيها احياء التراث القضائي العريق للمغرب. والاهم من هذا كان مطمحها الانفتاح أكثر في المستقبل على المجتمع من اجل توظيف وسائل الاعلام لتوعية المواطنين بالقوانين الجاري العمل بها، دون أن نغفل المساحة التي اتاحتها الرابطة للقضاة في مجلتها خلال هذه الفترة -1961-1965، للمساهمة بمواضيع قانونية او مهنية اتسم غالبها بالجرأة والغزارة.
وفي علاقتها مع وزير الـعدل يستشف ان اللقاءات كان مستمرة ولا توجد عوائق لبلوغها، حيث دام أحد الاجتماعات بين مكتب الرابطة والوزير يوم ثاني عيد الفطر الموافق ل16 فبراير 1964 خمس ساعات لتدارس ملتمسات المؤتمر الثالث ومختلف أوضاع القضاة المعيشية.
من خلال بعض أدبيات الرابطة، يظهر أن عملها في تفاعله مع محيطها لم يكن دوما محط اجماع. وهذا ما نستشفه من القول المنقول عن رئيس الرابطة حمــاد العراقي في التقريـر الأدبي للمؤتمر الخامس سنة 1965 "…فالله يشهد أننا لم نكــــن في عملنا داخل إطار الرابطة انانيين ولا خياليين ولا شعاريين بل كنا دائما واقعيين ومنطقيين وكان عملنا دائما هادفا الى الصالح العام وما فيه مصلحة البلاد والعباد … "
غير أنه وبعد سنة 1965 عرفت الرابطـــة فتورا في نشاطها ربما ساهمت ظروف المغرب السياسية في ذلك. كما عرف تراثها قطيعة زمنية تقارب خمسين سنة الى أن صدر دستور 2011 ليعرف المغرب دينامية جماعية للقضاة بعد تأسيس نادي قضاة المغرب.

للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مقالات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية