قراءة اليسار لما حدث سنة 2011: بين الثورة والانتفاضة والمؤامرة.


2023-05-25    |   

قراءة اليسار لما حدث سنة 2011: بين الثورة والانتفاضة والمؤامرة.

ينقسمُ اليسار التونسي ويَتخبّط في تحديد ما وقع سنة 2011. فهناك من يسمّي ذلك “ثورة” وهو جزء من اليسار الماركسي اللّينيني، وثمّة من يُسمي تلك اللّحظة وما رافقَها من أحداث بـ”الانتفاضة”. أمّا القسم الآخر فيذهبُ إلى القول بأنّ ما حدث هو “مؤامرة”، على الرّغم من أنّه عَدَّل قليلا في هذا التوجّه فيما بعد، لكنّه لم يتخلّ عن هذه الفكرة، ونعني بذلك الحزب الإشتراكي اليساري الذي يرأسه القيادي اليساري محمّد الكيلاني.

تفترض الثورة من وجهة نظر ماركسيّة لينينيّة قطعًا كليّا مع النظام الموجود وتعويضه بنظام آخر. وتفترض أيضا وجود قيادة سياسيّة ماركسيّة لها؛ أي حزب ماركسي. يقول سلامة كيلة في تفسير معنى الثورة من منظور ماركسي: “من وجهة نظر الماركسية يَجري تحديد معنى الثورة بشروط تتعلّق بوجود الحزب الماركسي وقيادته لها، والسّعي للقطع مع النمط القائم”[1]. بهذا المعنى لم تكن للثورة التونسيّة قيادة سياسيّة- طبقيّة أو توجيها مُنسّقا من بعض الرّموز الماركسية.

في هذا السياق، يقول زعيم الحزب الاشتراكي اليساري محمد الكيلاني في تفسير الأحداث: “ما هو موجود ليس له قوّة ثورة فعليّة، هو حراك اجتماعي غير مُؤطّر، ردّ فعل على عمليّات اغتيال أو قنص، هو ردّ فعل احتجاجي. لم تكن عمليّة ثوريّة تستهدف السّلطة حتّى نقول عنها ثورة. فيمَا بعد دخَل العامل السّياسيّ، وهو مُسقط على الوعي العام، باعتبار أنّ الشّباب الذي كان في الجامعة حَمَلَ بعض الشعارات التي لم تكن مؤطّرة أو متحزّبة أو ضمن خيارات استراتيجيّة واضحة، أو تعمل في إطار بديل عن السّلطة السّياسيّة القائمة؛ بديلا عن نمط التنمية أو الدفاع عن النّمط المجتمعي. هي مجرّد شعارات للمطالبة بالتشغيل والعيش الكريم”[2].

ويستطردُ محمد الكيلاني في تفسير ما وقع من أحداث عام 2011 ملمّحا إلى وجود “مؤامرة” غير مرئية، قائلا: “ليست هناك ثورة، وأهل السّياسة في تونس يُكابرون ولا يريدون الاعتراف بذلك. كنتُ أدعو النّاس والسّياسيين إلى التنسيب لتقييم هذه اللّحظة”[3]. وقد أقرّ الكيلاني بأنّ مسيرات 2011 خرَجت فيها بعض الشخصيّات السّياسيّة كما خرج الشعب التونسي كلّه، ولم تكن هناك “دعوات تنظيميّة” ثمّ “عدنا إلى منازلنا”، مُواصلاً: “نحن لا نَعلمُ من أسقط بن علي. يجبُ على السّياسيّين أن يتوقّفوا عن الثرثرة. فقد تمّ ابتزاز الشعب التونسي بما يكفي”. ويشير في موضع آخر “لا وُجود لثورة في العالم من دون قيادة سياسيّة. وإذَا وَصلَ الأمر إلى حدّ اعتبارها انتفاضة فقد التفّت حولها بعض القوى خدمة لمصالحها[4]“. ما يريدُ محمد الكيلاني الإيحاء إليه هنا، هو أنّ النظام أسقِط جزء منه بينما ظلّت أجزاؤه الأخرى قائمة. وقد أشار في مرحلة سياسيّة لاحقة إلى أن: “الدّستوريّين[5] ليسُوا كلّهم مذنبين، فقد كان يخضعُ جزء منهم للنّظام القائم، وهم بدورهم أرادوا التحرّر من الأمر، فلمَ لاَ يتمّ التعامل معهم؟”[6].

لم تتّفق قُوَى اليسار في تأصيل هويّة ما حدث سنة 2011

اليسار وتعدد سرديات “الثورة”

بالعودة إلى المواقف السّياسيّة لأغلب قيادات اليسار حينها نلاحظ الاختلاف داخلها، إذ قَدّرت كلّ فئة من اليسار الموقف بناءً على قراءتها الذّاتيّة، لأنّ اليسار لم يكن كتلة واحدة متّحدة، بل كان فسيفساء لا يمكن تحديدهُ أحيانًا. فقد رأَى أمين عام حزب العمّال حمه الهمامي حينها أنّ الثورة “لا تُكتملُ إلاّ برحيل بن علي” وكذلك زعيم الوطنيّين الدّيمقراطيّين شكري بلعيد الذي تبنَّى نفس الموقف. وفي تصريح وجّهَه حمّه الهمامي إلى الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي، قال: “أرفض ما قالهُ الباجي قايد السّبسي أنّ الثورة لم تكن مُؤطّرة، فيوم 13 و14 جانفي 2011 كُنت في السجن وكانت قيادات من الحزب في السّجن أيضا من بينهم عمّار عمروسيّة. وهناك مناضلون من الحزب الدّيمقراطي التقدمي في السجن أيضا. بالإضافة إلى مناضلين ينتمون إلى تيّارات فكريّة وسياسيّة يساريّة في السّجن. عندها كان السّبسي في منزله. هل شاركوا هم في هذه الثورة؟”[7].

جزء آخر من اليسار -سواءً المنتَظم حزبيّا أو غير المُنتظم- اعتبر الأمر مجرّد “انتفاضة” و”حدث ثوريّ” ينضافُ إلى بقيّة الأحداث التي شهدتها تونس قبل 2011، وهو ما يعبّر عنه مثلا حزب العمل الوطني الدّيمقراطي بقيادة اليساري عبد الرزّاق الهمّامي، والذي خاضَ الانتخابات وقبِلَ اللّعبة الدّيمقراطيّة وشارك في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي عام 2011. ويذهب أيضا تيّار “الوطد الثوري” إلى أنّ ما حدث يمكنُ توصيفه “بالانتفاضة ” عوضًا عن الثورة.

توجدُ تنظيمات يساريّة أخرى دعت إلى مقاطعة الانتخابات في محطتين (2011 و2014) ولم تَقبل باللّعبة الدّيمقراطيّة القائمة، من بينها خاصة ما عُرف بـ”ملتقى مقاطعة انتخابات 2014″، الذي ضَمَّ كلّ من الهيئات الثوريّة المستقلّة وحزب الكادحين الوطني الدّيمقراطي وحزب النّضال التّقدّمي ورابطة النّضال الشّبابي ولجنة باريس للمقاطعة الشّعبيّة لانتخابات 2014. وقد اعتبرت هذه التنظيمات “مسار الانتقال الدّيمقراطي، بمحطّاته المختلفة، مسارًا لترميم النّظام”. وتتكرّر في بيانات هذا الملتقى عبارة “الانتفاضة” و”مسار 2011″ عوضا عن مصطلح الثورة. ودَعَت هذه التنظيمات إلى رفض المنظومة الانتقالية برمّتها ومقاطعتها و”الانضمام إلى المقاومة”[8].

لم تتّفق كلّ قُوَى اليسار في تأصيل هويّة ما حدث سنة 2011، فقد حاول كلّ فصيل قراءة المعطى بالنّظر إلى الأحداث التي وقعت أثناء الحراك الثوري ومن بعدهُ. وقد يجدُ كلّ فصيل تبريراته لما حدث في الأدبيّات المرجعيّة التي يتحرّكُ ضمنها سواء اليسار الماركسي اللّينيني أو التروتسكي أو الستاليني، ولا يُوجد تحديد دقيق لما حدث في خطاب الأحزاب اليساريّة، أو صرامة نظرية وسياسية في الثبات على مفهوم واحد بعينه دون غيره. فقد لاحظنا تشابك هذه المفاهيم الثلاثة في خطابات كلّ أحزاب اليسار سواء في التصريحات الإعلاميّة أو الشّعارات أو البيانات. فهل تُرجعنا مواقف قيادات اليسار ممّا حدث إلى زمن بعيد، إلى ثورة 1905، ودعوة لينين إلى محاولة تجذير الثورة في الدعوة إلى إسقاط النّظام القيصري وتغيير واقع المجتمع وإنتاج نظام اقتصادي بديل، ضمن ما يُسمّى “بالمهمّات الديمقراطيّة”؟ ولكنّ الدّعوات اليسارية التونسية لم ترافقها خطّة أو مهمّات أو تصوّرات بل ظلّت المواقف رهين التفاعل مع معطيات سياسيّة عَرَضيّة ومفروضة بالقوّة. 

الدّعوات اليسارية التونسية لم ترافقها أي خطّة أو تصوّرات بل ظلّت رهينة التفاعل مع معطيات سياسيّة عَرَضيّة ومفروضة بالقوّة. 

حراك اجتماعي مُمتدّ باغت الموقف اليساري

باغتت الثورة الموقف اليساريّ، الذي لم يكن مستعدّا تنظيميّا أو منهجيّا أو نظريّا لتفسير ما حدث. فقد انخرط في الاحتجاج ثمّ بدأ فيما بعد باستيعاب اللّحظة. إنّ تقييم اليسار للحظة 2011 كان بَعديًّا، باعتبار ما وَقعَ من نتائج بعد ذلك الحراك، أي بعد إفرازات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 وما تولّدَ عنه من حكم الترويكا والأحداث التي وقعت في البلاد، وهو ما جعل حمّة الهمّامي مثلا يقول بأن تونس تتهيّأ لثورة ثانية في أكثر من مناسبة آنذاك. وهي نفس الدّعوة التي نجدها لدى حزب “رابطة اليسار العمّالي” المحسوب على التيار التروتسكي، من خلال إلحاحه على تجذير الثّورة وتَعميقها[9].

جزء آخر من اليسار الاجتماعي الوَسطي انخرط في عمليّة الإصلاح، وهو ما تجسّد في الحزب الدّيمقراطي التقدّمي. فقد شارك أحمد نجيب الشّابي مؤسّس الحزب في حكومة الباجي قايد السّبسي الأولى في سنة 2011، ثمّ انخرط فيما بعد في عمليّات تسوية ونقاشات أدّت إلى انتهاء الحزب واضمحلاله تدريجيّا وبروز جسم حزبي آخر لهُ أصبح يعرف حاليا بـ”الحزب الجمهوري”. بالإضافة إلى حزب “التكتّل من أجل العمل والحرّيات”، وهو حزب يساريّ إصلاحيّ وسطي. ويمكن أن نعتبر أيضا “حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة” حزبا يساريّا إصلاحيّا وسطيّا. فهذان الحزبان (التكتل والمؤتمر) انخرطا في الحكومة التأسيسيّة وتقاسما السّلطة مع الإسلاميّين في إثر انتخابات أكتوبر 2011. بعد تلك المشاركة السلبية التي لم تدم طويلا (انتهت بداية عام 2014)، آل كِلاَ الحزبين إلى مواقع سياسية وانتخابية هامشية، ولم يعد لهما تأثير كبير في الحياة العامة.

من هنا يمكنُ أن نرصُد ثلاثة مواقع لليسار بعد الثورة:

  • اليسار الرّاديكالي الماركسي اللّينيني أو التروتسكي: تبنَّى هذا التيار (غير المتجانس) الثورة من منظور سياسي عملي نوعا ما وحَاولَ اكتشاف نفسه وتحديد موقفه على ضوئها. وهو ما سيسمحُ له في فترة تالية بالتقارب نوعيّا داخل جبهة واحدة، هي الجبهة الشعبيّة. وستكشف هذه التجربة لاحقا عن تناقضات هذا اليسار وهشاشته التنظيمية والسياسية.[10]

– اليسار الماركسي اللّينيني “الإصلاحي”: الذي رفَضَ الثورة واعتبرهَا مؤامرة أو بأحسن الأحوال حركة احتجاجيّة. ولذلك برّرَ فيما بعد انخراطه في جبهات وتحالفات مع أحزاب غير يساريّة، على غرار الحزب الاشتراكي اليساري.

-اليسار الوسطي والاجتماعي الإصلاحي: فقد شارك في الحكومة وحاولَ الإصلاح من الدّاخل. فآل في نهاية الأمر إلى التفتت داخل تجربة الحكم وفَقَد بالتدريج وزنه الانتخابي الذي حظي به سنة 2011، مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا.

 بناءً على ما سبق، يمكنُ أن نستنتج أنّ موقف الحزب الاشتراكي يتمَاهَى مع الموقف الماركسي الكلاسيكيّ في المستوى النّظري الذي يرى في الثورة – كما سبق وذكرنا- قطعًا نهائيّا مع النظام القائم، وضرورة وجود حزب يساري ماركسي وقيادات تقود الثورة، بالإضافة إلى وجود بديل قائم. وهو ما برّر به محمد الكيلاني فيما بعد تحالفه مع بعض الأحزاب ذات التوجّه اللّيبرالي أو الاجتماعي، فيما سُمّي وقتها “بالاتّحاد من أجل تونس”، وهو تحالف سياسي ضد حكومة الترويكا أعلِن عنه في فيفري 2013، وضَمَّ حزب نداء تونس وأحزابا أخرى محسوبة على التيارات الليبرالية والاجتماعية اليسارية على غرار الحزب الجمهوري وحزب القطب الديمقراطي الحداثي وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي.

أمّا الكتلة اليساريّة الماركسيّة اللّينينيّة الأخرى، على غرار حزب العمال وحزب الوطد الموحّد، فقد قارَبَت اللّحظة من منظور الواقع التونسي، وربّما كانت الحاجة إلى مواكبة التغيير الاجتماعي الطارئ هي التي جعلت هذا الجزء يتخلّى عن البُعد النصي للنظريّة في تقدير الموقف من الحراك الاجتماعي. لذلك تبدُو هذه الكتلة مُجدّدة -إلى حدٍّ ما- في نظرها المؤقت إلى طبيعة اللّحظة ومُتساوقة مع المطالب الكثيرة بضرورة تجديد النّظر إلى مفاهيم الماركسيّة الكلاسيكيّة التي أصابها الجمود في ظلّ واقع سياسيّ متغيّر. 

مثلما باغتَ الحراك الاجتماعي اليسار التونسي، فقد باغتهُ أيضا جمود النّظريّة، وكان فهم طبيعة ما حدث متفاوتا بين شقّ وآخر. فالواقع السّياسي كان بعيدًا عن القولَبة النّظرية. فمن رأى الأمر “مؤامرة” انخرط مع بقيّة القوى السياسية في عمليّة الانتقال الدّيمقراطي. أمّا من رأى الأمر ثورة فقد تمترسَ في جناحِه مفضّلا ثنائيّة الدّفاع والاحتجاج: الدّفاع عن شرعيّته في الواقع ومدى قدرته على استيعاب حاجات التونسيّين، واحتجَاجه على المنظومة التي أفرزتها انتخابات المجلس التأسيسيّ في أكتوبر 2011. ومن الضروري الإشارة إلى أنه بإمكان الفريقين أن يجد في كتب لينين ما يفسّر الحالة التي وقعت. فلينين بدوره قد طوّرَ مفهوم الثورة وقام بمراجعات بناء على جملة من “المراكمات الثوريّة”.  كذلك فإن من اعتبر ما حدث “مجرّد انتفاضة” أو “حراك ثوري” فإنّه تمَاهَى إلى حدّ بعيد مع مطلبيّة الشارع ولم يقوَ على تكوين رؤية سياسيّة واضحة.

اليَسار في مواجهة “طفولته السّياسية”

دخل اليسار انتخابات المجلس الوطني التأسيسيّ عام 2011 مُشتّتا. وممّا زاد الأمر تعقيدا هو عدم تخلّيه عمّا يسّميه الباحث في علم الاجتماع المولدي القسّومي “بالطّفولة السّياسيّة”[11]. وقد يقتربُ هذا المفهوم إلى حدّ كبير مع ما كتبهُ لينين في كتابه “مرض اليسار الطفولي”، وهو إيمان كلّ طرف من اليسار بأنّه هو الوصيّ الحقيقيّ والأوحَد على المقولات اليساريّة. لذلك كانت نتائج انتخابات المجلس التأسيسي هزيلة وصادمة للكثيرين، وقد أطلَقَ عليه مُنافِسوه فيما بعد “جماعة الصّفر فاصل”. ولعلّ هذا الوَصم التحقيريّ من أعدائه السّياسيّين والإيديولوجيّين هو ما دَفعَ جزءًا منه فيما بعد إلى تأسيس “الجبهة الشعبيّة”.

حَاول اليسار فيما بعد قراءة المُعطَى الموضوعيّ المتمثل في حالة المدّ الثوريّ الشعبي من خلال تنامي المطلبيّة والاحتجاجات في تَفاعله مع المُعطَى الذّاتي المتمثل في تجميع العائلة اليساريّة من خلال تأسيس الجبهة الشعبيّة. وهو ما أنتج لنا مقولة “المسار الثوري” كصيغة مقبولة من كل مكونات الجبهة الشعبية، وهي صيغة موجودة بشكل جليّ في الأدبيّات اللينينيّة أيضا. ولكن فجأة تحوّلت المعركة في لحظة ما بعد الثورة من محاولة إثبات الوجود الخاصّ من خلال الدفاع عن تناسب البدائل اليسارية مع الواقع السياسي إلى توجيه الاهتمام اليساري نحو الصراع مع المدّ الإسلاموي الذي بلغ أوجه بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، وعَبَّر عن نفسه -خاصة عام 2012- كتحدّ إيديولوجي ووجودي لليسار، وللآخر السياسي بشكل عام. وقد قارَب اليسار نظرته لمنظومة الحكم الجديدة التي أفرزها صندوق أكتوبر 2011 من خلال الدفاع عن صيغَة “الوفاء للثورة”.

تتأكّد وجهة النّظر هذه، عندما نحاول تحليل مواقف وخطابات بعض وجوه اليسار. فقد أطلق شكري بالعيد مثلا على منظومة الترويكا “حكومة الالتفاف على الثورة”، وهو يقول في هذا السياق: “المسار الثوري في بدايته ليس هو نفسهُ في الفترة الثانية عندما دخل المال السياسيّ. والمدّ الثوري يشلّ المال السياسي، وفي حالة الركود يلعب المال دورهُ. ومن لديه وهم أنّ البلاد تشكّلت سياسيّا فهو وَاهم. فالخارطة السّياسيّة لم تتشكّل بعد”[12]. مَكّن هذا المسار الثوري اليسار من محاولة التّموقع بطرق عديدة في الإعلام وفي النقابات وفي منظّمات المجتمع المدني، وهو ما أفرز حالة يساريّة في البلاد. فقد شكّل تحالف الجبهة الشعبية والاتحاد من أجل تونس في اعتصام الرّحيل صيف 2013، نوعا من التّموقع الجديد من أجل هدف فوريّ وهو إزاحة الإسلامييّن ومنظومة الحكم برمّتها من السّلطة. وقد اعتقد البعض أنّ هذه الحالة سوف تدوم، وستدخل الأحزاب اليساريّة في تحالف انتخابي مع “الوطنيّين اللّيبراليّين” وغيرهم. ولكنّ الأمر باء بالفشل. يقول حمّة الهمّامي: “لاحظنا في الاجتماع الذي وقَع في البحيرة بين قيادات نداء تونس وقيادات الجبهة الشعبيّة أن بعضهم يناصرُ فكرة التحالف مع حركة النّهضة، وهو ما جعل الأمر غير ممكن”[13]. وبالنّظر إلى نتائج انتخابات 2014 الهزيلة نسبيا والتي حصلت فيها الجبهة الشعبية على 15 مقعدا فقط، يمكنُ القول أنّ الجبهة اليساريّة قد كانت حطبًا لقوى سياسيّة أخرى، لأنها كانت الأقدر على تحريك الشارع وتجييش النّاس.

اصطَدَم اليسار التونسي بمشاكله التنظيميّة والحزبيّة والإيديولوجية وبمحاولة التّطابق مع المطالب الشّعبيّة، زد على ذلك سطوة الإسلام السّياسي واحتكاره للسّلطة خلال السنوات الثلاث التي تَلَت الثورة. ولئن خرَج اليسار مُنتصرا نسبيا من تلك الفترة من خلال بروز نوى توحيد جسّدتها الجيهة الشعبية، إلاّ أنّ ذلك كان ظاهرة مؤقتة. ولم يكن اليسار قادرًا على الالتحام بالعمق الشعبي، لذلك وجدَ نفسهُ في رحى ساحة سياسيّة مشتعلة وغليان شعبي حادّ، فضيّع بوصلتهُ تدريجيّا، أو ربّما لم يستطع أن يفعلَ أكثر ممّا فعل بالنّظر إلى طبيعة قواه الذاتية التي أعطته تواجدا سياسيا واجتماعيا ضعيفا داخل ميزان القوى السياسي العام.

ما يمكنُ إجمالهُ عموما أنّ اليسار مَرَّ بمراحل كبرى منذ لحظة الثورة:

1) المرحلة الأولى: لحظة الالتقاء بالثورة والصّدمة، ومحاولة فهم الذّات والواقع خاصّة بعد نتائج انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011.

2) لحظة التّجميع والحُلم والتحالف مع القوى الدّيمقراطيّة، التي جَسّدَها اعتصام الرّحيل باردو صيف 2013. وكانت الجبهة الشعبية تعبيرًا عن هذا الحلم الذي لم يُعمّر طويلاً.

3) انتخابات 2014-2019: حصيلة هزيلة وبداية الانحلال وبروز بعض التيّارات الأخرى، تم تلتها انتخابات 2019 التي كان فيها حضور اليسار باهتا مما أدى إلى غيابه على مستوى المجلس النيابي المنتخب.  

4) مرحلة 25 جويليّة والموقف اليساري بين الاصطفاف وراء الرئيس قيس سعيّد أو معارضة قراراته.

الديمقراطية والثورة: الجدل الملتبس

تلتصق فكرة الدّيمقراطيّة عند اليسار تاريخيّا بفكرة الثورة. فالديمقراطيّة السّياسية هي الطريق إلى الاشتراكيّة في نظر جزء من اليسار الماركسي اللينيني. وهذا تقريبًا الموقف اليساري العام الذي بَرهنت عليه الممارسة السياسية بعد سنة 2011. يُمكن القول أن جزءًا كبيرًا من اليَسار انخرط في مسار الديمقراطية التمثيليّة بعد الثورة، خلال ثلاث محطات انتخابية (2011، 2014، 2019). اختار اليساريون الصراع من داخل اللّعبة الدّيمقراطيّة، وقد انخرط بعضهم في “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة” سنة 2011، على غرار حزب الوطد الموحّد وحزب العمل الوطني الديمقراطي والحزب الاشتراكي وحزب المسار وغيرها من الأحزاب. وبالتوازي مع ذلك، دَخل اليسار في “حالة صراعيّة” مع الديمقراطية القائمة باسم مقاومة انحرافها عن المسار الثوري، كما أدَانوها بسبب ركونها إلى آليات التلاعب بالتّنافس الديمقراطي، على غرار استخدام المال الانتخابي الفاسد والعنف السّياسيّ من خلال الدّعوات التحريضية داخل المساجد وتَكفير بعض وجوه اليسار. في هذا السّياق يقول عبد الرّزاق الهمّامي حول العنف السّياسيّ الذي ساد قبل اغتيال شكري بلعيد في 06 فيفري 2013: “هذه اللّحظات تستدعي الوعي والوضوح. ما وَصلنَا إليه كان متوقّعا، وقد كنّا نبّهنا إليه، هناكَ تراكم وتصاعد للغة جرّ البلاد للعنف السّياسيّ القاتل، وقد اكتشفنا اليوم أنّه مُنظّم. هناك دعوات لحرق المقرّات والتكفير والتحريض على المعارضين السّياسيّين خارج إطار الدّولة وخارج إطار التنافس السّياسيّ”[14].

 ما نودّ التأكيد عليه هنا أنّ اليسار التونسي قد آمَن بفكرة الانخراط في الدّيمقراطيّة ودَافع عنها في جلّ خطاباته، ولكنّه اصطدم بميزان قوى اجتماعي وسياسي مختلّ لصالح فاعلين سياسيّين حاولوا هم أيضا فرض رؤيتهم الخاصّة لديمقراطيّة قائمة على التحالفات المصلحيّة بكلّ الطّرق[15]. وأصبحَ مفهوم “الدّيمقراطيّة” ومتطلّباته التأسيسية مُجرّد قوالب لفظيّة يُحاجِج بها كلّ طرف الآخر بعيدا عن التأصيل الواقعي. إجمالا حاول اليسار خوض هذه اللّعبة برؤى مختلفة وقَبِلَ بكلّ مقتضياتها ونتائجها التي لم تكن عموما لصالحه. ولئن نجح تدريجيّا في محاولة فرض نفسه إلاّ أنّ عوامل عديدة قد وجّهت جهوده ورؤاه نحو قضايا أخرى أنتَجها المخاض السّياسيّ لسنوات مرحلة ما بعد الثورة.

 شقّ آخر من اليساريّين يرَى أنّ التجربة الدّيمقراطيّة التي دشّنتها لحظة الثورة “جوفاء” و”شكليّة” ولا معنى لها لأنها لا تعبر عن المقولات الماركسيّة. وهو موقف يساري أقلّي دافعت عنه مجموعات يسارية تتبنَّى فكرة الديمقراطية المُباشرة والطّرح المَجالِسي على غرار الهيئات الثورية المؤقتة. وقد قاطَعت في معظمها العمليّة الانتخابية بعد الثورة، ودَعَت إلى “العودة إلى النّضال والمقاومة من أجل الشّغل والحرّية والسيّادة على القرار”[16] على حد تعبيرها.

اليَسار والتفاعل “العالق” مع المجتمع

يتوفّر المجتمع التونسي على قوى اجتماعيّة محافظة متحصّنة بالتقاليد السّياسيّة والثقافيّة السائدة، وقد سَعى الخصوم السّياسيّون لليسار إلى استثارة هذه النزعة الاجتماعية من أجل شيطنة قياداته، وحوّلوا المعركة من صراع على البرامج والرّؤى إلى صراع بين “المؤمنين” “والكفّار وبين “الحلال” و”الحرام”، بخاصة في الفترة التي شهدَت صعود التيارات الأصولية مباشرة بعد ثورة 2011. لم يقدر اليسار على مواجهة هذه الظاهرة وتفسيرها سياسيّا وسوسيولوجيا، ولم تستطع قياداتُه تنزيل برامج اليسار في واقع التونسيّين وتكييفها مع طبيعة المجتمع وثقافته، وبَقيت التغييرات سطحيّة ولم تخترق العمق الشّعبيّ والعمّالي. فحزب العمّال مثلا حذف لفظ “الشّيوعيّ” من تسمية الحزب في جويلية 2012، وقد برّرَ ذلك بالضّرورة الاتّصاليّة، لكنّه لم يُفلح في إنتاج مقاربة سوسيولوجيّة أو ثقافيّة أو سياسيّة تمكّنه من اختراق العمق الاجتماعي للتونسيين، وبقيَ متحصّنا داخل شعاراته التاريخيّة. نفسُ الأمر حصلَ مع “حزب الوطنيّين الدّيمقراطيين ” بشقيّه، فمُحاولات التوحيد والتجميع لم تُبنَ على قاعدة فهم موضوعيّ للواقع، ولكن برَزَت الغاية الانتخابيّة بوصفها الهدف الرئيسي للحزب.

ما نودّ قولهُ أساسًا أنّ اليسار التونسي عُموما لم يُفلح في إنتاج نظريّة أو مقاربات تستهدفُ الوعي السّياسيّ أو الإجتماعيّ للتونسيّين، بل ظلّ يجترّ مقاربات قديمة في واقع يتميّز بتغيّر طبيعة المجتمع وثقافته. ولعلّ تشرذم اليسار في فترة سابقة قبل الثورة كان مردّه الأساسيّ الاختلاف في مقاربة طبيعة المجتمع التونسي، فهناك من اعتبر طبيعة المجتمع “شبه إقطاعي شبه مستعمر” (الوطد) أو “رأسماليّ تابع ” (حزب العمال).[17] وقد تواصَلت هذه الأطروحات القديمة في التأثير في اليسار بعد الثورة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المعطى الدّيني وتفاعله مع المعطى السّياسي بعد الثورة أربكَ اليسار عموما، فاليساريّون -ربّما- لم يكونوا ليتخيّلوا حجم تأثير ذلك المعطى في الواقع، وقدرة خصومهم على استغلاله ضدّهم، وبخاصة حركة النهضة والتيارات السلفية التي صعدت بعد سنة 2011، لتختفي تدريجيا عن التأثير في المشهد السياسي. 

 من ناحية أخرى فإنّ اليسار لم يَقدر على احتضان وقيادة بعض التحرّكات وتأطيرها وبقي مُناصرًا لها من خلال المواقف فقط. وعَلى الرّغم من قيامِه بحملات ميدانيّة مثل حملة “آش تبدّل” التي نظّمهَا حزب العمّال سنة 2012، إلاّ أنّها لم تستهدف العمق الشعبي ولم تُفلِح في استقطاب فئات اجتماعية جديدة مُناصرة لليسار الحزبي ومرتبطة به. عمومًا بقيَ اليسار نُخبويّا وفي موضع عُزلة دائمة، بل إنّ قطاعات من النّخبة اليسارية نفسها أعادت صياغة تموقعاتها بعد الثورة، وهاجرَ الكثير منها إلى أحزاب ديمقراطية ليبراليّة لأسباب كثيرة.

بقيَ اليسار نخبويّا وفي موضع عُزلة دائمة

  لقراءة المؤلف الجماعي كاملا وتحميله، اضغط هنا


[1]للمزيد: اُنظر مقال لسلامة كيلة ” الثورة في الماركسيّة “( ملاحظات حول منظور لينين للثورة)، موقع الحوار المتمدّن،العدد 4856( 7،4،2015) على الرّابط التالي https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=474889

[2]  ( انظر تصريحاته على الرّابط التالي)https://www.youtube.com/watch?v=USpcP1t7KSA حوار مع السيّد محمّد الكيلاني 

[3]  اُنظر تصريحات محمد الكيلاني على الرّابط التالي، وموضوع الحوار “انقلاب أم ثورة في تونس”؟ https://www.youtube.com/watch?v=l7qiaCdObsk

[4] محمّد الكيلاني، ن، م .

[5]  المقصود هنا بالدستوريين المنتسبين إلى حزب التجمع الدستوري الحاكم في ظل نظام الرئيس بن علي.

[6] ن، م. 

[7] انظر تصريح حمة الهمّامي على الرّابط التالي https://www.youtube.com/watch?v=R2MPsBr4qy0 

[8] انظر بيان ملتقى مقاطعة الانتخابات أو ما عرف ” بالهيئات الثوريّة المؤقّتة ” على الرّابط الآتي https://kanaanonline.org/2014/11/ 9%81%D9%8A-15-%D9%86/

[9]    انظر أغلب بيانات ” رابطة يسار العمّالي ” وموقفها من الثورة  و “حالة الامتداد الثوري ” و تصريحات أبرز قياداتها على صفحتها في الفايس بوك على الرّابط التالي : https://www.facebook.com/profile.php?id=100064786625864

[10]  للوقوف اكثر حول التطورات التنظيمية للجبهة الشعبية، انظر في نفس العدد مقال ضمير بن علية. 

[11]  المولدي، قسّومي: خارطة اليسار التونسي، ص 16 ضمن “خارطة اليسار العربي”، بحث منشور لدي مؤسّسة روزا لكسمبورغ- تونس 2014.

[12] https://www.youtube.com/watch?v=GGjOo__7Jpانظر حوار مع شكري بلعيد في قناة الحوار التونسي سنة  2012 على الرابط التالي .

[13] انظر كلام حمّة الهمّامي على الرّابط التالي. https://www.youtube.com/watch?v=tO11xORWcA4 

[14]  اُنظر كلام عبد الرّزاق الهمّامي على الرّابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=Ipfj88v_0hA

[15] يجسد مفهوم “التوافق” الذي أيده وشجعه كل من الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تأكيدا لهذا الطراز الديمقراطي الذي ساد خاصة بعد الانتخابات التشريعية سنة 2014.

[16] بيان الهيئات الثوريّة المؤقّتة، مرجع مذكور سابقا.

[17]  للوقوف أكثر حول طبيعة الاختلافات التي تشق أطروحات تحليل طبيعة المجتمع، انظر العدد السابع من مجلة أطروحات، جانفي وفيفري 1985 (هذا الهامش من وضع المحرّر).

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، مقالات ، تونس ، حراكات اجتماعية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية