قراءات فى دستور مصر 2014 (5): الحقوق والحريات العامة


2014-02-19    |   

قراءات فى دستور مصر 2014 (5): الحقوق والحريات العامة

تحتوي الدساتير على باب خاص بالحقوق والحريات العامة، بل إن وجود هذه الطائفة من الحقوق والحريات هو ما يميز الدساتير الديموقراطية عن غيرها من الدساتير التى يمكن أن نطلق عليها الدساتير غير الديمقراطية. وقد اكتسبت الحقوق والحريات العامة أهمية دولية، بعد صدور ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمى لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الملزمة التى كرست الحقوق الأساسية للإنسان وحرياته العامة. وعنيت الدساتير الوطنية الحديثة بإدراج الحقوق والحريات العامة فى صلب مواد الدستور، أو فى إعلانات للحقوق تلحق بالدساتير لتكون جزءا لايتجزأ منها.
لذلك لم يعد هناك جدال حول الطبيعة الدستورية للحقوق والحريات العامة، بعد "دسترتها" داخليا وتدويلها عالميا. والتوفيق بين الحقوق والحريات الواردة فى الدستور والمنظومة الدولية لحقوق الإنسان اتخذ أشكالا متعددة منها: النص عليها تفصيلا فى الدستور وقصر دور القانون العادى على توفير الحماية اللازمة لها، أو جمعها فى إعلان للحقوق يلحق بالدستور لتكون له قوة الدستور ذاته، أو دمج القواعد الدولية للحقوق والحريات فى الدستور لإضفاء القيمة الدستورية عليها فى شكل ملحق بالوثيقة الدستورية، يتضمن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان.

وقد انتهج الدستور المصري الجديد منهجا مزدوجا، فنص على الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في صلب الدستور ذاته، ثم أضفى قيمة دستورية على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بتمييزها بنص خاص بها ضمن مواد الدستور(م93). لذلك، فمصدر حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في النظام الدستوري المصري مصدر وطني ودولي في الوقت ذاته. ونستعرض فيما يأتي أهم الحقوق والحريات العامة التى وردت فى الباب الثالث من الدستور:

الحق في الكرامة الإنسانية:
نصت المادة 51 من الدستور على أن "الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها". وكان نص المادة 31 من دستور 2012 يقرر حق الإنسان في الكرامة، ويضيف إلى النص المذكور عبارة "ولا يجوز بحال إهانة أي إنسان أو ازدراؤه". والحق في الكرامة من حقوق الإنسان الأساسية، قررته مواثيق حقوق الإنسان، فلا يجوز إهدار كرامة الإنسان أو الحط من قدره ومكانته بين الناس، سواء حدث ذلك من أفراد آخرين أو حدث من إحدى سلطات الدولة أو ممثليها، فالنص الدستورى يلزم الدولة أولا أن تكون قدوة في احترامها لكرامة الإنسان، كما يلزمها بحماية هذه الكرامة من كل اعتداء يقع من غيرها عليها. وتعني دسترة هذا الحق عدم جواز اللجوء إلى أى إجراء أو ممارسة يكون من شأنها أو يمكن أن يترتب عليها إهدار كرامة الإنسان أو إهانته أو إزدراؤه، وعدم جواز الاعتداد بما يصدر عن الإنسان من أقوال أو تصرفات نتيجة إهانته أو إيلامه بدنيا أو نفسيا.

الحق فى السلامة البدنية والنفسية:
هو من أهم حقوق الإنسان، وقد يحدث انتهاكه عن طريق التعذيب البدني أو النفسي، كما قد يتم انتهاكه عن طريق المساس بسلامة جسم الإنسان لغير الأغراض العلاجية. وفيما يتعلق بالتعذيب، نصت المادة 52 من الدستور الجديد على أن "التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لاتسقط بالتقادم"، ويقابل هذا النص نص المادة 36 من دستور 2012. ويؤخذ على هذا النص عيب في صياغته، عندما قرر عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم. فالذي يسقط بالتقادم ليس هو الجريمة، لكن الدعاوى المدنية والتأديبية والجنائية الناشئة عن هذه الجريمة. والتجريم الدستورى للتعذيب نص مستحدث فى دستورى 2012 و2014، وهو نتيجة طبيعية للممارسات القمعية الوحشية التى عانى منها الشعب المصري منذ ثورة 1952، حيث كان التعذيب فى السجون والمعتقلات سمة من سمات الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على حكم مصر. ومن المسلم به أن حظر التعذيب وتجريمه بنص دستورى يعد لازمة ضرورية لحماية الكرامة الإنسانية، التى هى حق لكل إنسان تتمثل أقصى صور إهداره في التعذيب البدني والنفسي، فلا كرامة لإنسان فى وطن يلقى فيه كل صنوف الهوان، ويذوق فيه كل صور العذاب الأدنى منه والأعلى. ونأمل في أن يضع الدستور الجديد نهاية لكل صور التعذيب في أماكن الاحتجاز، التي ينبغي أن يعامل فيها الإنسان المحتجز معاملة إنسانية.
                                                                                   
جدير بالذكر أن تجريم التعذيب لا يقتصر على تعذيب المتهم أو السجين، لكنه يشمل كل صور التعذيب وأشكاله المختلفة، أيا كان شخص من يقع عليه طالما كان إنسانا، وأيا كانت أشكاله بدنيا أو معنويا، وبصرف النظر عن شخصية من يمارسه، فقد يكون موظفا عاما أو شخصا عاديا، وأيا كان مكان ارتكابه، الذي قد يكون مكانا مخصصا للاحتجاز أو أى مكان أخر، مثل أماكن العلاج أو التعليم أو ممارسة الأنشطة أيا كانت. ولا شك في أن "دسترة" الحق في عدم الخضوع للتعذيب، واعتبار التعذيب جريمة لا تسقط الدعاوى الناشئة عنها بالتقادم، يلزم الدولة بإصدار التشريعات اللازمة لتجريم صور التعذيب وأشكاله كافة، وتقرير العقوبات الرادعة لهذا السلوك، والتى تتناسب مع جسامة أفعال التعذيب، وصفة القائم به، وما ترتب عليه من نتائج أشد فى جسامتها من مجرد المساس اليسير بسلامة جسم الإنسان.

أما المساس بسلامة جسم الإنسان لغير أغراض العلاج، فقد حظره الدستور فى المادة 60 منه، التى تنص على أن "لجسد الإنسان حرمة، والاعتداء عليه أو تشويهه أو التمثيل به جريمة يعاقب عليها القانون. ويحظر الاتجار بأعضائه، ولا يجوز إجراء أي تجربة طبية أو علمية عليه بغير رضاه الحر الموثق، ووفقا للأسس المستقرة فى مجال العلوم الطبية، على النحو الذي ينظمه القانون". وكانت المادة 41 من دستور 2012 تقرر ذات الحماية الدستورية لجسد الإنسان. ويتناول هذا النص الدستورى بالتجريم أفعال الاعتداء المادى على سلامة جسم الإنسان، ويدخل فيه تشويه الجسم بأى طريقة تؤدى إلى إحداث عاهة مستديمة أو ما دون ذلك من صور الاعتداء. ونعتقد أن إضافة لفظ "النشويه" إلى لفظ "الاعتداء"، قصد منه شمول النص لختان الإناث، وهو فى حقيقته اعتداء على السلامة البدنية والنفسية للأنثى، وإن لم يعتبره البعض اعتداء، تلتزم الدولة بتجريمه بنص قانوني صريح لا لبس فيه ولا غموض.

الحق فى الحرية الشخصية:
فصل الدستور الجديد هذا الحق بما يليق به فى نص المادة 54، التى تقابل المادة 34 من دستور 2012. وقد تواترت أحكام المحكمة الدستورية العليا منذ إنشائها على أن الحرية الشخصية من الحقوق الطبيعية المقدسة للإنسان، لا يمكن أن يرد عليه قيد إلا فى أحوال التلبس بالجريمة أو بإذن من جهة قضائية مختصة، سواء كان القيد قبضا أو تفتيشا أو حبسا أو منعا من التنقل، أو كان غير ذلك من القيود على الحرية الشخصية. وقد أكد النص الدستورى مبدأ الحرية الشخصية باعتبارها حقا طبيعيا، وهي مصونة لا تمس، إلا وفق قيود معينة وضوابط حرص النص الدستورى على تفصيلها.

أصل الحرية الشخصية:
نعني تمكين الفرد من الحياة في أمن وأمان، وهي لازمة ضرورية لتمكين الإنسان من التمتع بغيرها من الحريات والحقوق. ويعبر عن الحرية الشخصية بحق الأمن الشخصي، ومعناه عدم جواز القبض على شخص أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب، يصدر عن قضاء نزيه ومحايد، لضرورات التحقيق، طبقا لقانون الإجراءات الجنائية. ونرى أن تأكيد هذا الحق دستوريا كان على الدوام أمرا لازما، لكن الأكثر لزوما حصر الحالات التى تسمح بتقييد الحق فى الحرية الشخصية، ووضع ضوابط هذا التقييد ضمانا للشرعية الدستورية. 
                                           
حقوق وضمانات من تقيد حريته:
أورد نص المادة 54 من الدستور مجموعة من الحقوق والضمانات الدستورية لإمكان تقييد الحرية فى الحالات الإستثنائية التى يحددها القانون:

– ارتكاب الشخص لجريمة جنائية يجرى التحقيق بشأنها.
– صدور أمر قضائى مسبب بفرض القيد على الحرية الشخصية.
– إبلاغ من تقيد حريته بأسباب ذلك، وإحاطته بحقوقه كتابة، وتمكينه من الاتصال بذويه وبمحاميه فور تقييد حريته. وكان دستور 2012 ينص على إبلاغه خلال اثنتي عشرة ساعة، ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن الإبلاغ الفورى أفضل من الإبلاغ خلال اثنتي عشرة ساعة، قد يتم خلالها تلفيق المزيد من الاتهامات للمقبوض عليه.
– تقديم من قيدت حريته إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.
– حظر بدء التحقيق مع من قيدت حريته إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام ندب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة.          .
– جواز التظلم من تقييد الحرية أمام القضاء، ويثبت حق التظلم لكل من تقيد حريته ولغيره، ويقصد بالغير محامي الشخص وأقاربه والهيئات المعنية بحقوق الإنسان والمواطنون الشرفاء. ويجب الفصل فى التظلم خلال أسبوع من تقييد الحرية، وإلا وجب الإفراج فورا عن المقيدة حريته.
– الحق فى التعويض عن الحبس الاحتياطى غير المستحق، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.
– حظر محاكمة المتهم فى الجرائم التى يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو منتدب. تلك هى حقوق وضمانات من تقيد حريته، وهي ذات طبيعة دستورية، لا يجوز للقانون الانتقاص منها، ويترتب على مخالفتها بطلان الإجراء المقيد للحرية وما ترتب عليه من إجراءات. لكن الواقع العملي الذي يزخر بالأحداث اليومية ليس في كمال النصوص الدستورية، وهو خير شاهد على أن الدستور لم يترجم بعد إلى سلوك يلتزم به القائمون على إجراءات القبض والتفتيش والتحقيق والحبس.
                                                  .
حرمة الحياة الخاصة:
نصت المادة 57 على أنه" للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لاتمس. وللمراسلات البريدية والبرقية والالكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة وسريتها مكفولة، ولاتجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة، وفى الأحوال التى يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولايجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك". وكان دستور 2012 ينص على حرمة الحياة الخاصة، وأضاف إليها الدستور الجديد حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة. والتعبير عن قدسية الحياة الخاصة بأن لها حرمة، يضفي حصانة أكبر على الحياة الخاصة ووسائل الاتصال. لذلك قيد الدستور مراقبة أو مصادرة وسائل الاتصال باشتراط صدور أمر قضائى مسبب على أن يكون لمدة محددة.    
                                                  .
حرمة المنازل:
نصت عليها المادة 58، التى تقابل المادة 39 من دستور 2012. وحرمة المنازل تعنى عدم جواز دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها أو التنصت عليها، في غير حالات الخطر أو الاستغاثة، إلا بأمر قضائي مسبب، يحدد المكان والتوقيت والغرض منه، ويجب تنبيه من فى المنازل عند دخولها أو تفتيشها، واطلاعهم على الأمر الصادر فى هذا الشأن. واشتراط تنبيه من فى المنازل عند دخولها أو تفتيشها هو حكم استحدثه دستور 2012، وأبقى عليه الدستور الجديد. ووجه المبالغة أنه إذا كان تفتيش المسكن بقصد ضبط متهم فيه، أو مواد غير مشروعة توجد بالمنزل، أو للبحث عن دليل على الجريمة محل التحقيق، فإن التنبيه يتنافى مع الغرض من التفتيش، إضافة إلى صعوبة إثبات المأذون له بالدخول قيامه بالتنبيه المطلوب. لذلك كان يكفي النص على وجوب اطلاع من فى المنزل على الأمر الذي يخول دخوله.

الحق فى الحياة الآمنة:
نصت عليه المادة 59، التى تقابل المادة 40 من دستور 2012، وهي تقرر أن "الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها". هذا النص يحمى حق كل إنسان فى الحياة الآمنة والطمأنينة، ويلقي على عاتق الدولة التزاما بتوفير ذلك لكل من يقيم على أرضها من مواطنين وأجانب دون تفرقة، أى حماية الجميع من كل اعتداء أو خطر الاعتداء. ومؤدى هذا النص قيام الدولة بمواجهة ظاهرة الانفلات الأمنى بكافة مظاهره وأشكاله، التى زادت حدتها بعد ثورة 25 يناير 2011، سواء تمثل ذلك فى اعتداء على الاشخاص أو الممتلكات العامة والخاصة أو على البيئة بعناصرها المختلفة.                                                                         .
 
حرية التنقل:
أكدت المادة 62 كفالة حرية التنقل والاقامة والهجرة، "ولا يجوز إبعاد أى مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه. ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الاقامة فى جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة، وفى الاحوال المبينة فى القانون". وكانت المادة 42 من دستور 2012 تؤكد ذات الحق فى حرية التنقل. لكن وجود النص الدستورى لم يمنع من فرض الاقامة الجبرية أو منع الأشخاص من السفر دون سند من القانون(1). والحق في حرية التنقل من الحقوق التى كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والدساتير المقارنة. وأكدته المحكمة الدستورية العليا فى مصر، باعتباره من الحقوق التى تتكامل بها الشخصية الإنسانية، التى تعكس حمايتها التطور الذي قطعته البشرية نحو مثلها العليا، وهو حق يتصل بالحرية الشخصية معززا لصونها من العدوان(2).

هذه بعض الحقوق والحريات العامة التى حفل بها دستور 2014، لكن هناك حقوقا أخرى وحريات أساسية نواصل قراءتها فى مقال قادم، آملين أن تنال حظها من التطبيق، وألا يكون مصيرها هو ذات مصير ما سبقها من نصوص دستورية، أسهبت فى تعداد الحقوق والحريات العامة من دون أن ينعم بها الشعب المصري، لا قبل الثورة ولا بعدها.

————————–
(1) راجع فتوح الشاذلى، المنع من السفر لا سند له من القانون ويهدر حقا دستوريا، موقع المفكرة القانونية بتاريخ 31122013.
(2) حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 4 نوفمبر 2000، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية، السنة 21 دستورية .

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية