قانون مناهضة العنف الاسري في إقليم كردستان العراق


2014-03-10    |   

قانون مناهضة العنف الاسري في إقليم كردستان العراق

في تقريرها السنوي الذي نشر في يناير 2014، أكدت منظمة التنمية المدنية فى السليمانية (إحدى محافظات إقليم كوردستان) زيادة حالات العنف الاسري والعنف ضد المرأة خلال السنوات الخمس الاخيرة (2008-2013) في محافظتي السليمانية واربيل بإقليم كوردستان. وبحسب الارقام التي أوردتها المنظمة في تقريرها عن الفترة المذكورة، تم تسجيل 494 حالة انتحار أو قتل نساء و2031 واقعة حرق نساء لانفسهن و16199 دعوى عنف ضد النساء و868 حالة تحرش جنسي. وعلى الرغم من أن التقرير يشمل العنف الاسري بجميع أشكاله، إلا أن حالات العنف ضد المرأة كانت الاكثر شيوعاَ. جدير بالذكر أن التقرير لم يتناول حالات العنف الاسري في محافظة دهوك، وهي المحافظة الثالثة من محافظات إقليم كوردستان.

ولمواجهة ظاهرة العنف الاسري، صدرت في إقليم كردستان تشريعات للحد من العنف الاسري عامة والعنف ضد المرأة بصفة خاصة. من هذه التشريعات القانون رقم 8 لسنة 2011 الخاص بمناهضة العنف الاسري، وهو القانون الاول من نوعه في العراق، أصدره برلمان إقليم كوردستان، الذي يقع في شمال العراق ويتمتع بنوع من الحكم الذاتي. ويعد القانون الاول من نوعه أيضاً في الدول العربية، وقد بدأ تطبيقه في نهاية عام 2012 بعد إصداره ونشره في الجريدة الرسمية لحكومة إقليم كردستان في منتصف عام 2011. وشكلت المحاكم المختصة بقضايا مناهضة العنف الاسري، وفق قانون السلطة القضائية للإقليم لسنة 2007، في المحافظات الكردية الثلاث في ديسمبر 2012، بينما تأخر تشكيل لجان المصالحة من الخبراء والمختصين المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون إلى عام 2013 .

ويجرم القانون 13 حالة من حالات الاعتداء الاسري واستغلال المرأة، ويقرر عقوبات يمكن أن تكون رادعة لكل حالة. ويعرف القانون العنف الاسري وطرق انصاف ضحاياه ومحاسبة المسؤولين عنه بواسطة محكمة مختصة. كما قرر القانون إنشاء لجان مصالحة مختصة لاصلاح ذات البين قبل إحالة القضية الى المحكمة المختصة، وقسم  شرطة خاص للتعامل مع قضايا العنف الاسري من الشرطة النسائية .
وتتناول فيما يلي أحكام التجريم والعقاب، ثم الاحكام الاجرائية في هذا القانون، عله يكون نموذجاً لقانون عربي لمكافحة العنف الاسري يقدمه هذا الاقليم.

اولاً : التجريم والعقاب لحالات العنف الأسري :

أ‌- صورالسلوك المجرم :
عرفت المادة الاولى من القانون الاسرة بأنها (( مجموعة أشخاص طبيعيين تربطهم رابطة الزوجية والقرابة الى الدرجة الرابعة ومن يكون قد تم ضمه الى الاسرة قانوناً )) . كما عرفت العنف الاسري بأنه كل فعل او قول او التهديد بهما على أساس النوع الاجتماعي في إطار العلاقات الاسرية من شأنه ان يلحق ضرراً من الناحية الجسدية والنفسية بالضحية وسلباً لحقوقه وحرياته .
ونصت المادة الثانية على حظر ارتكاب أي شخص يرتبط بعلاقة اسرية لفعل من افعال العنف الاسري في إطار الاسرة، وأعطى القانون أمثلة للافعال التي تعتبر عنفاً أسريا، دون حصرها، فذ كر منها:

1- إكراه أحد أفراد الاسرة على الزواج، أيا كانت صورة الاكراه، مادياً كان أو معنويا، وسواء كان المكره ذكراً أو أنثى، متى كان المكره تربطه علاقة أسرية بمن أكره.

2- تزويج الصغير او الصغيرة دون سن الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة، وزواج الشغار، أي زواج الاقارب او اهل العشيرة على سبيل التبادل دون الحصول على رضا الزوجين.

3- التزويج بدلا عن دفع الدية، وهو فيما يبدو نوع من مبادلة الشخص بالمال يتم من دون رضاء من تم تزويجه لتفادي دفع الدية، ولا يختلف كثيراً عن ظاهرة الاتجار بالبشر المجرمة دوليا.

4- الطلاق بالإكراه، وهو طلاق باطل لايقع شرعا. وقد اعتبره القانون سلوكا مجرما لما فيه اعتداء على حرية ارادة المطلق.

5- قطع صلة الارحام. ولم يحدد القانون المقصود بهذا السلوك المجرم، تاركا للمحكمة المختصة بقضايا مناهضة العنف الاسري تفسير المقصود بقطع الصلة؛ وهو امر لا يتفق مع مقتضيات التجريم الجنائي الذي يجب أن يحدد فيه المشرع السلوك محل التجريم تحديدا دقيقا لا يرتهن بإرادة القاضي.

6- اكراه الزوج للزوجة على البغاء وامتهان الدعارة.

7- ختان الاناث . وقد احسن القانون بتجريم هذه الصور من صور العنف ضد الانثى صراحة. وهو يتفق بذلك مع ما تقرره المواثيق الدولية الخاصة بحقوق المرأة والطفل.

8- إجبار افراد الاسرة على ترك الوظيفة او العمل رغما عنهم. وغالبا ما يقع هذا السلوك من الزوج او الاب اعتداء على حق الزوجة او الابنة في العمل، وهو من حقوق الانسان.

9- إجبار الاطفال على العمل والتسول وترك الدراسة، وهو ما يؤدي الى زيادة نسبة الامية، والاضرار بصحة الطفل ومستقبله، وتفاقم ظاهرة اطفال الشوارع. هذا فضلا عن مخالفة هذا السلوك لقوانين العمل التي تحظر تشغيل الصغار، وللمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

10- الانتحار على اثر العنف الاسري. والانتحار يكون نتيجة للعنف الاسري. ولا يعاقب القانون على الانتحار، لكنه يعاقب على العنف الاسري الذي دفع المجني عليه الى إنهاء حياته تخلصا من هذا العنف.

11- الاجهاض على اثر العنف الاسري. والاجهاض يعاقب عليه القانون، ويكون العنف الاسري سبباً فيه، يوجب عقاب مرتكبه عن العنف، وليس باعتباره شريكا في جريمة الاجهاض، لعدم توافر قصد الاشتراك فيه. فاذا توافر لدى مرتكب العنف قصد الإجهاض أو قصد الاشتراك فى الاجهاض بوسيلة العنف التي استعملها، مثل الضرب، عوقب بالعقوبة الاشد من بين عقوبتي الإجهاض أو الاشتراك فيه والعنف الاسري.

12- ضرب احد افراد الاسرة والاطفال باية حجة. وغالبا ما يقع الضرب من الزوج او الاب. ويثار التساؤل هنا عن حكم ضرب الزوج لزوجته تاديبا لها؟ والظاهر من عبارة النص ان الضرب مجرم على إطلاقه أيا كان الدافع اليه، بدليل استعمال تعبير "بأية حجة "، وهو ما نؤيده، لان المشرع لو كان يقصد غير ذلك، لاستثنى من العقاب على العنف الاسري ضرب الزوج لزوجته استعمالا "لحق التأديب".

13- الاهانة والسب وشتم الاهل "الزوجة" وإبداء النظرة الدونية تجاهها وايذاؤها وممارسة الضغط النفسى عليها وانتهاك حقوقها والمعاشرة الزوجيه بالاكراه. وهذه الافعال تستحق التجريم لما تنطوي عليه من إهدار لكرامة الزوجة وتجاهل لانسانيتها وحرية إرادتها. وقد اعتبر القانون المعاشرة من الزوج لزوجته بالإكراه عنفا ضد الزوجة، أي اغتصابا لها. لكننا نلاحظ ان النص اعتبر المعاشرة الزوجيه بين الزوجين بالإكراه عنفا اسريا، وهو ما يدعونا الى القول بان الجريمة تقع من الزوج في حق زوجته وهو الغالب، لكنها يمكن أن تقع كذلك وفقا لعبارة النص من الزوجة التي تكره زوجها اكراها ماديا او معنويا (عن طريق التهديد) على معاشرتها معا شرة زوجية.
 
ب‌-العقوبات المقررة لجرائم العنف الاسري :
 
نصت المادة السادسة من القانون على هذه العقوبات، وقررت ظروفا مشددة للعقاب على ختان الانثى، باعتباره إحدى أخطر صور العنف الاسري، كما قررت المادة السابعة عقوبة لباقي صور العنف الاسري:

1- يعاقب بالغرامة من مليون الى خمسة ملايين دينار عراقي (حوالي الف الى خمسة الاف دولار امريكي ) كل من حرض على إجراء عملية ختان الانثى . ويعاقب بالحبس من ستة اشهر الى سنتين وبغرامة من 2 مليون الى خمسة ملايين دينار او باحدى هاتين العقوبتين كل من أجرى أو ساهم بصفته فاعلاً مع غيره أو شريكا بالاتفاق أو المساعدة في عملية ختان أنثى .

2- شدد القانون عقاب ختان الانثى بسبب ظرفين شخصيين: أحدهما يتعلق بالمجني عليها والاخر يتعلق بالجاني. فاذا كانت المجني عليها قاصرة فيعاقب من أجرى عملية الختان او ساهم فيها بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزبد على ثلاث سنوات وبغرامة من خمسة ملايين الى عشرة ملايين دينار او بإحدى هاتين العقوبتين. وإذا كان الجاني طبيبا أو صيدليا او كيميائيا او قابلة او أحد معاونيهم، عوقب بالعقوبات المقررة لجريمته، ووجب على المحكمة بالاضافة الى العقوبة المقررة ان تامر بمنعه من مزاولة مهنته او عمله مدة لاتزيد على ثلاث سنوات. فالتشديد هنا بسبب صفة المتهم، ويتمثل في تقرير عقوبة تكميلية وجوبية، هي المنع من مزاولة المهنة او الوظيفة للمدة التي حددها القانون، وهو تشديد مستحق فيما نرى.

3- عاقب القانون على باقي صور العنف الاسري، عدا ختان الانثى، بالحبس من ستة أشهر الى ثلاث سنوات وبغرامة من مليون الى خمسة ملايين دينار عراقي او بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك من دون الاخلال باي عقوبة أشد تنص عليها القوانين النافذة في الاقليم.

ثانيا : الاحكام الاجرائية الخاصة بمناهضة العنف ضد الاسرى :
من أجل تفعيل الاحكام الخاصة بالتجريم والعقاب، منح المتضرر من العنف الاسري ضمانات لحمايته من العنف الذي يتعرض له، قرر القانون
الكردستاني ما يأتي:

1-  تحرك الدعوى الجنائية في قضايا العنف الاسري، من قبل المتضرر او من يقوم مقامه او من العاملين في مجال الصحة والتربية والمراكز الرسمية، بإخبار يقدم الى المحكمة المختصة او المحقق او المسؤول في مركز الشرطة او الادعاء العام.

2-  تكون اجراءات التحقيق والمحاكمة في قضايا العنف الاسري سرية لحماية اسرار الاسرة وسمعتها .

3-  تشكل محكمة مختصة بقضايا مناهضة العنف الاسري وفق قانون السلطة القضائية للإقليم.

4-  تتولى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الاقليم توفير مراكز الايواء لضحايا العنف الاسري، وشمول قضايا العنف الاسري بخدمات شبكة الضمان الاجتماعي. وتتولى وزارة الصحة تأمين الرعاية الصحية وتأهيل المتضرر من العنف الاسري.

5-  تختص المديرية العامة لمكافحة العنف ضد المراة في وزارة الداخلية بمتابعة قضايا العنف الاسري. وتلتزم الوزارة بانشاء قسم خاص في سلك الشرطة، قوامه الاساسي من الشرطة النسائية، للتعامل مع قضايا العنف الاسري. وعلى الوزارات والهيئات الرسمية المختصة الترويج لثقافة مناهضة العنف الاسري .

6-  تصدر المحكمة المختصة أمر حماية عند الضرورة او بناء على طلب اي فرد من افراد الاسرة او من يمثله لمدة محددة يجوز تمديدها كاجراء مؤقت لحماية ضحايا العنف الاسري. ويتضمن أمر الحماية ما يلي:

– تعهد من المشكو في حقه بعدم التعرض للمتضرر او أي فرد من أفراد الاسرة .
– نقل الضحية الى أ قرب مستشفى او مركز صحي للعلاج عند الحاجة او بناء على طلبه .
– عد م السماح للمشكو منه بدخول البيت الاسري للمدة التي تراها المحكمة في حالة وجود خطر عليه او على اي فرد من افراد الاسرة .
– في حالة انتهاك امر الحماية يعاقب المخالف بالحبس مدة لاتزيد على 48 ساعة او بغرامة لاتقل عن ثلاثمائة الف دينار .

7-  قبل إحالة القضية الى المحكمة المختصة بقضايا العنف الاسري، يجب على المحكمة إحالة اطراف الشكوى الى لجنة الخبراء والمختصين لمحاولة إصلاح ذات البين، وذلك في القضايا التي يجوز فيها الصلح.

خاتمة :
إذا كان العنف الاسري ظاهرة عالمية، لا يقتصر خطرها على دولة دون غيرها، فإنها تهدد كيان الاسرة والبنيان الاجتماعي الذي تشكل الاسرة لبنتة الاولى. من أجل ذلك قرر الدستور العراقي الجديد الصادر سنة 2005 ضرورة اتخاذ الدولة الاجراءات الكفيلة بحماية الاسرة ومنع كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمجتمع . ولا شك في ان إصدار القانون الخاص بمناهضة العنف الاسري يعد خطوة على طريق حماية الاسرة والمجتمع من العنف. وتوجد نصوص أخرى في القوانين العراقية وقوانين الاقليم لمناهضة العنف الاسري ضد المراة في مجال الميراث واشتراط الحصول على إذن للزواج من زوجة ثانية إذا توافرت المصلحة المشروعة والقدرة المالية، وهي قوانين تكمل قانون مناهضة العنف الاسري (م8). ونعتقد ان قانون مناهضة العنف الاسري في اقليم كردستان العراق سيكون له اثر كبير في مكافحة هذا العنف والوقاية منه، اذا اقترن بالتوعية القانونية والحقوقية لنشر ثقافة حقوق المراة والطفل التي هي حقوق انسانية. كما نؤكد في هذا الخصوص على دور منظمات المجتمع المدني في تفعيل قانون مناهضة العنف الاسري، فالعنف الاسري لا يمكن مكافحته بالنصوص القانونية وحدها. ولذلك يظل هذا القانون رهنا بالتجربة العملية عند تطبيقه في مجتمع محافظ يتمسك بالتقاليد، لكن هذا هو دور القانون الذي ينبغى أن يقود المجتمع نحو التطور وتغيير التقاليد إن كانت لاتتوافق مع حقوق الإنسان. وعلى أي حال فإن قانون مناهضة العنف الاسري في إقليم كردستان العراق يصلح مثالا يحتذى باعتباره خطوة على طريق السعى نحو إصدار قانون عربي نموذجي موحد لمكافحة هذا العنف المتفشي في مجتمعاتنا العربية من دون استثناء، وإن كان بدرجات متفاوتة من مجتمع إلى اخر.
 

انشر المقال

متوفر خلال:

العراق ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *